
هى جدتك كانت بتكرهك لدرجة إنها تديكي حتة النحاس دي؟”الكل ضحك.. عمي ضحك، ومراته ضحكت، وحتى سماح قعدت تتريق:”إيه يا بت دي؟ دي حديد مصدي ولا نحاس من بتاع العتبة؟”لاكن الحقيقه والصدمه جايه
بصيت لبابا.. كان موطي راسه وما نطقش بكلمة واحدة.
كنت عيلة عندها 8 سنين، مش فاهمة التريقة قوي، بس فاهمة يعني إيه حد يكسر بخاطري.
ليلتها نمت وأنا بعيط تحت اللحاف.. مش عشان الغويشة رخيصة، بس عشان الكل أقنعني إن ستي مكنتش بتحبني.
بس أنا كنت فاكرة لمسة إيدها وهي بتقولي “دي ليكي يا حبيبتي”.
الغويشة دي بقت نكتة العيلة في كل مناسبة.
كل سنة في العيد، لما نتجمع، أول حاجة تعملها نبوية إنها تبص لـ معصم إيدي:
“يا خبر! لسه لابساها يا نونة؟”
تقولها بصوت عالي عشان الكل يسمع:
“والله أنتِ بنت أصيلة قوي، شايلة خردة ستك في إيدك وراضية.”
وسماح كانت تزيد في الكلام، وتعدل السلسلة الدهب بتاعتها قدام عيني:
“شوفي يا نونة سلسلتي، لسه ملمعاها عند الصايغ وبتبرق إزاي.. أما اللي في إيدك دي، لو غسلتيها ببريل هتقشر وتبان حقيقتها.”
الكل يضحك.. ضحكوا عليا وأنا عندي 10 سنين، و15، وحتى لما كبرت.
سألت بابا مرة: “يا بابا، هو بجد تيتا مكنتش بتحبني؟”
اتنهد وقال: “يا بنتي الست كانت كبرت وخرفت، يمكن كانت فاكراها حاجة تانية.”
سألته تاني: “طب ليه أدت سماح دهب وأنا لأ؟”
مابصليش في عيني وقال: “عشان عمك الكبير هو اللي شايل العيلة، وهي حبت تراضي ولاده.. ما تشغليش بالك، البسيها كذكرى وخلاص.”
بابا عمره ما دافع عني.. كان بيخاف من عمي ومن لسان نبوية، فكان بيختار السكوت.
لما بقيت 22 سنة واتخرجت واشتغلت محاسبة في شركة على قدها، سماح اشتغلت في بنك كبير، ونبوية كانت بتمشي تذيع في المنطقة:
“سماح بنتي في البنك، تعيين رسمي ومستقبل.. مش زي ناس شغالين في محلات.”
ولما جيت أتجوز “شريف”، لبست الغويشة في فرحي.
نبوية راحت لحماتي وقالت لها بضحكة صفرا:
“يا حبيبتي ما تفهميش غلط، الغويشة دي مش دهب، دي فالصو بس البنت متعلقة بذكرى ستها.”
شريف نفسه بعد الجواز قالي: “بقولك إيه.. بلاش تلبسي الغويشة دي وأحنا رايحين عند أهلي.”
“ليه؟”
“أصل أمي بتقول شكلها بيئة قوي ورخيص.”
قلبي اتوجع، بس برضه ما قلعتهاش.
المفاجأة..
من يومين، وأنا في الشغل، إيدي خبطت في المكتب والغويشة اتخربشت خربوش جامد.
خفت عليها قوي، قولت أروح لأي صايغ في “الصاغة” يشوف لي حل.
دخلت محل كبير، صاحبه راجل وقور كده اسمه الحاج “رضوان”.
خد الغويشة وحطها على قماشة قطيفة.. أول ما مسكها سكت تماماً.
طلع العدسة وقعد يقلب فيها يمين وشمال، وشوية وحطها تحت لمبة قوية.
“استني ثانية يا بنتي.”
دخل جوه وجاب عدسة مكبرة تانية وقعد يدقق أكتر من دقيقتين.. دقيقتين صمت مريب.
رفع راسه، وكان وشه متغير تماماً، عرقان وبينفخ.
“يا بنتي..”
“أيوة يا حاج؟”
“اقعدي.. اقعدي واهدي خالص.”
صوته كان فيه رعشة وتوتر مش طبيعي.
مسك التليفون وكلم حد: “يا دكتور ونيس.. انزل لي المحل حالاً، عايزك في مصيبة.. قصدي في معجزة.”
وقفل السكة وطلب رقم البوليس
أنا كنت واقفة روحي بتتسحب مني.. “يا حاج في إيه؟ خضتني!”
بص لي بذهول وسألني:
“تاني يا بنتي.. الحاجة دي جبتيها منين؟”
“بتاعة ستي والله.. هي ادتهالي قبل ما تموت من عشرين سنة.”
“ستك دي كان اسمها إيه؟ ومنين؟”
ماكنتش فاهمة هو بيحقق معايا ليه.
عشر دقايق وجه راجل عجوز ببالطو، الحاج رضوان قاله “يا دكتور”.
الدكتور ده لبس جوانتي وطلع أدوات دقيقة، وفضل يشم في الغويشة ويحك فيها بحرص شديد لمدة خمس دقايق كاملة.
في الخمس دقايق دي، المحل كله مكنش فيه صوت غير صوت أنفاسهم.. وأنا واقفة مستنية أعرف، هل أنا شايلة مصيبة في إيدي ….
وقف الدكتور ونيس وشال العدسة المكبرة، وبص للحاج رضوان ونزلت من عينه نظرة مكنتش فاهمة معناها.. فرحة على ذهول على خوف!
الدكتور ونيس بصلي وقال بصوت واطي ومبحوح:
“يا بنتي.. أنتِ مش عارفة أنتِ شايلة إيه في إيدك كل السنين دي؟”
قلبي كان بيدهبد في صدري، ورجليا مكنتش شايلاني. “يا جماعة ارحموني، في إيه؟ هو أنا عملت حاجة غلط؟ الغويشة دي مضروبة؟ سرقة؟ والله العظيم دي من ستي!”
الحاج رضوان قرب مني، ومسك إيدي بإيد بتترعش، وقعدني على الكرسي وجابلي كباية مية:
“اشربي بس يا بنتي واهدي.. الغويشة دي مش دهب.. مش دهب خالص!”
دموعي نزلت تلقائي، وتذكرت تريقة نبوية، وضحك سماح، وسكوت بابا، وحكي شريف وزعل أهله.. قولت بكسرة نفس:
“عارفة.. عارفة إنها نحاس مصدي وخردة من العتبة زي ما كانوا بيقولوا.. أنا بس كنت حباها عشان ذكـــ…”
قاطعني الحاج رضوان بصوت هز المحل:
“نحاس إيه وخردة إيه يا عبيطة! الغويشة دي مصنوعة من الپلاتين الأبيض الصافي المطعّم بالماس الحر الأحادي.. ده معدن أندر من الدهب بمليون مرة، والطبقة اللي أنتِ فاكراها صدى دي كانت طبقة حماية شمعية قديمة جداً معمولها تركيب مخصوص عشان تخفي شكلها الحقيقي ومحدش يعرف قيمتها!”
الدكتور ونيس كمل وهو بيمسح عرقه:
“والأهم من ده كله.. الحفر اللي على الغويشة من جوه، اللي أنتِ فاكراه خربوش.. ده ختم ملكي أثري نادر جداً بيرجع لأسرة محمد علي، ومسجل في المتاحف الدولية كقطعة مفقودة من القرن اللي فات! القطعة دي تسوى ملايين الملايين.. دي ثروة تقومة عيلة بحالها وتقعد أحفاد أحفادك!”
في اللحظة دي، دخلوا اتنين أمناء شرطة ومعاهم ظابط للشركة. الظابط استغرب المنظر، والحاج رضوان بلغه فوراً بالواقعة لحماية القطعة وحمايتي، ولأن القوانين بتفرض إبلاغ شرطة الآثار عن القطع اللي بتظهر بالشكل ده لتسجيلها وثبات ملكيتها.
كنت قاعدة مش مصدقة.. وداني بتزن.. الصورة بدأت تترسخ في دماغي زي الفلاش..
افتكرت ستي لما كانت بتناديني في دارها القديمة، وتقفل الباب بالمفتاح، وتحط إيدها على رأسي وتقولي:
“يا نونة.. الدنيا دي فيها ظالم وفيها مظلوم.. وعمك وأمه مابيشوفوش غير اللمعة الفالصو.. القطعة دي مستقبلك، حمايتك يوم ما الكل يتخلى عنك.. أوعي تفرطي فيها ولا توريهالهم لحد ما تكبري وتفهمي.”
ستي مكنتش خرفانة.. ستي كانت أذكى واحدة في الدنيا! ستي عرفت إن عمي ونبوية طماعين، ولو كانت إدتهالهم كانوا باعوها وقسموها بينهم وحرموني، وكانوا هيرموا بابا وهياكلوا حقه.. عشان كده إدتهم الدهب الظاهر اللي بيلمع، وإدتني أنا “الكنز الحقيقي” اللي مستخبي تحت طبقة الفالصو!
الظابط عمل محضر إثبات حالة وحفظ للقطعة في الخزنة وبدأت إجراءات تثبيت الملكية والأوراق الرسمية اللي أثبتت إن الغويشة ملكية خاصة ومواثقة بورق قديم جداً سيباه ستي في المجهول.
رجعت البيت بالليل.. وشريف جوزي كان قاعد مستنيني وشكله متضايق:
“كنتِ فين كل ده؟ وأمك اتصلت بيا تقول إنك متأخرة.. وبعدين فين الزفتة اللي في إيدك؟ قلعتيها أخيراً؟ أمي كانت بتسأل عليكي وكنت خايف تكسفينا قدامها بيها تاني!”
بصيت لـ شريف.. الراجل اللي اخترته وافتكرته سندي، لقيت نفسي بشوفه على حقيقته لأول مرة.. صغيير قوي ومادي.
رديت عليه بكل هدوء وثقة عمرها ما كانت عندي:
“الغويشة في مكان آمن يا شريف.. المكان اللي تستاهله.”
ثاني يوم.. كان يوم الجمعة، العزومة الشهرية في بيت عمي.
كعادتهم، نبوية وسماح وعمي وبابا محشورين في الصالة.
أول ما دخلت، نبوية بصت لإيدي فوراً، وضحكت بصوتها المستفز كالعادة:
“يا ساتر يا رب! إيه ده يا نونة؟ قلعتي الخردة؟ أوعي تكوني رميتي بركة ستك في الزبالة؟ ده سماح بنتي لسه جايبة حظاظة دهب بـ 20 ألف جنية وكانت عايزة تقتديهالك!”
سماح ضحكت وهي بتقلّب في السلسلة الدهب بتاعتها:
“معلش يا ماما، يمكن نظفتها ببريل فقشرت ورامتها أخيراً!”
بابا كان قاعد موطي راسه زي العادة، وعمي بيشرب الشاي بلامبالاة.
أنا بقى.. ما بكتش.. ولا ووطيت راسي.
وقفت في نص الصالة، وابتسمت ابتسامة هادية جداً، وطلعت من شنطتي التقرير الرسمي المختوم من وزارة الآثار والخبراء، ومعاه صور الغويشة بعد ما اتنظفت وبقت بتشع ضوء يزغلل العيون، وحطيت الورق على الترابيزة قدام عمي ونبوية…
عمي مسك الورق بإيد بتترعش، ونظارته نزلت على طرف مناخيره. قعد يلمس الأختام الرسمية وشكل الصورة المصورة للغويشة بعد ما شالوا من عليها طبقة الشمع القديمة.. الغويشة كانت بتبرق بريق مرعب، الماس الحر الأثري كان مخلي شكلها زي تحفة منسية في قصر ملكي.
نبوية أخدت الورق من إيده بلهفة وهي بتقول: “إيه ده يا حامد؟ ورق إيه ده؟ تلاقيها جايبة ورقة من الصايغ بتقول إنها نحاس نضيف!”
لكن أول ما عينها وقعت على الرقم المكتوب في التقرير والتقييم المبدئي للقطعة الأثرية، وشها اتخطف، والدم هرب من خدودها. سماح قربت من أمها وهي بتضحك باستخفاف: “في إيه يا جماعة؟ كاتبين إنها بـ ألفين جنيه يعني ولا إيه؟”
عمي وقف فجأة، الكباية وقعت من إيده اتكسرت على الأرض، وبصلي بصوت مش طالع: “الرقم ده حقيقي يا نونة؟ القطعة دي.. پلاتين أثري وماس ملكي؟ القطعة دي تسوى الملايين دي كلها؟”




