
الفصل الثالث والأخير — الصفقة الأخيرة
— كان لازم تفضل ملتزم بالخطة يا ابني.
قالتها حماتي وهي رافعة المسدس ناحية جوزي.
وقفت مكاني وأنا مش قادرة أصدق إن الست اللي قدامي هي نفسها اللي كانت من ساعات بتمسح على وشي وتقوللي:
— إنتِ الملاك اللي أنقذ عيلتنا.
جوزي كان ماسك كتفه المصاب، والدم نازل بين صوابعه.
بصلها وقال:
— نزلي المسدس يا أمي.
ضحكت ضحكة قصيرة.
— أهو ده اللي ضيعنا… قلبك رق.
رد عليها:
— الموضوع انتهى.
— بالنسبة لك.
وبعدين بصتلي.
النظرة اللي في عينيها كانت مختلفة تمامًا.
مفيهاش ذرة حنان.
قالت:
— كان ممكن كل حاجة تخلص بهدوء. تخش العمليات، تنامي… وماتصحاش تاني. وكنا هنقول إن جسمك ما استحملش التخدير.
حسيت رجلي بتترعش.
قلت:
— ليه أنا؟
ردت بمنتهى البرود:
— لأنك كنتِ مناسبة.
— مناسبة لإيه؟
ابتسمت.
— لكل حاجة.
يوسف اتحرك قدامي كأنه بيحميني.
قال:
— سيبيها تمشي.
حماتي بصتله وضحكت.
— وإنت لسه عايش؟
يوسف رد:
— للأسف بالنسبة لك.
قالت:
— كان المفروض تموت من تلات سنين.
الممرضة صرخت:
— إنتِ اللي حاولتي تقت/لي ابني؟!
حماتي بصتلها.
— ابنك شاف حاجة ماكانش المفروض يشوفها.
يوسف قال:
— أنا شفت ملفات الضحايا.
— وسرقتها.
— صورتها.
— وبلغت.
يوسف ضحك بمرارة.
— للشخص الغلط.
حماتي هزت راسها.
— وده كان أغبى قرار خدته في حياتك.
قلت:
— وخالتي؟
لأول مرة، ملامح حماتي اتغيرت.
حاجة بسيطة جدًا.
لكن شفتها.
قلت:
— إنتِ كنتِ تعرفي خالتي؟
ما ردتش.
صرخت:
— جاوبيني!
قالت:
— خالتك كانت فضولية زيادة عن اللزوم.
الكلمة خلتني أندفع ناحيتها.
لكن يوسف مسكني.
— سيبيها!
صرخت فيها:
— عملتوا فيها إيه؟!
حماتي قالت:
— هي اللي اختارت تدخل في حاجة أكبر منها.
جوزي قال:
— كفاية يا أمي.
لفتله.
— إنت اخرس.
وبعدين قالت:
— أنا من البداية قلت للدكتور إنك أضعف حلقة.
جوزي رد:
— وأنا من البداية ماكنتش عارف إنك بتق/تلي الناس.
سكت الجميع.
حتى أنا.
بصيتله.
— إيه؟
قالت أمه بسخرية:
— هتصدقيله التمثيلية دي؟
جوزي بصلي.
— أنا كنت عارف إن فيه تجارة أعضاء.
قلبي اتقبض.
كمل:
— وكنت بساعدهم.
قلت:
— يعني التسجيل حقيقي.
نزل عينه.
— أيوه.
— وكنت هتبيعني؟
رفع عينه بسرعة.
— في البداية… أيوه.
الجملة نزلت عليا أتقل من أي حاجة سمعتها.
حتى وهو بيحاول يشرح، الحقيقة فضلت حقيقة.
الراجل اللي كنت مستعدة أديه كُليتي…
كان مستعد يسلمني علشان الفلوس.
قال:
— لكن مكنتش أعرف إنهم بيق/تلوا الضحايا.
ضحكت وأنا بعيط.
— وكنت فاكر إنهم بياخدوا الأعضاء إزاي؟ بيطلبوها بأدب؟
سكت.
مكنش عنده إجابة.
قلت:
— أنت مش ضحية.
— عارف.
— أنت واحد منهم.
قال:
— عارف.
أمه صرخت:
— بطل تمثيل!
لكن جوزي ما بصش لها.
فضل باصصلي.
قال:
— لما عرفت إنهم عايزين قلبك، حاولت ألغي كل حاجة.
قلت:
— ليه؟
سكت لحظة.
— لأني…
قاطعته:
— ماتقولش بتحبني.
اتجمد.
قلت:
— لو سمحت… ماتهنش الكلمة دي أكتر من كده.
نزل عينه.
قلت:
— اللي بيحب حد ما يختاروش من الأول علشان يبقى بضاعة.
أمه ضحكت.
— أخيرًا فهمتي.
وفجأة سمعنا صوت عربيات كتير تحت العمارة.
حماتي قربت من سور السطح.
بصت لتحت.
وشها اتغير.
— مين دول؟
يوسف ابتسم لأول مرة.
— الضيوف.
بصتله.
— عملت إيه؟
طلع موبايل صغير من جيبه.
— من أول ما دخلنا الشقة، كل حاجة كانت بتتسجل.
أمه بصتله بصدمة.
قال:
— وكل الملفات اترفعت تلقائيًا لأكتر من مكان.
الممرضة بصتله.
— يوسف…
قال:
— المرة اللي فاتت غلطت لما وثقت في شخص واحد. المرة دي بعت الأدلة لأكتر من جهة وفي نفس اللحظة.
حماتي رفعت المسدس ناحيته.
— اقفل الموبايل.
يوسف قال:
— حتى لو كسرته… فات الأوان.
سمعنا أصوات تحت.
أوامر.
أبواب عربيات بتتقفل.
حماتي بدأت تتوتر.
وفجأة وجهت المسدس ناحيتي.
— يبقى ناخدها ونمشي.
جوزي وقف قدامي.
أمه صرخت:
— ابعد!
قال:
— لأ.
— دي سبب كل اللي حصل!
رد:
— لأ يا أمي. إنتِ السبب.
رفعت المسدس.
قالت:
— آخر مرة هقولك… ابعد.
جوزي ما اتحركش.
قال:
— مش هسيبك تأذيها.
ضحكت.
— بعد ما إنت اللي جبتها لحد عندنا؟
وشه اتشد.
قال:
— وده ذنب هعيش بيه باقي عمري.
ضغطت على الزناد.
لكن قبل ما تضرب…
الممرضة اندفعت عليها.
الطلقة خرجت لفوق.
يوسف جرى ناحية أمه.
جوزي مسك المسدس.
الثلاثة وقعوا على الأرض.
صرخت وأنا برجع لورا.
وفجأة المسدس تزحلق ووصل عند رجلي.
بصيتله.
حماتي شافته.
جريت ناحيتي.
مسكته قبلها.
رفعت إيدي.
وقفت.
هي كمان وقفت.
بقت قدامي على بعد خطوات.
قالت:
— هتضربيني؟
إيدي كانت بتترعش.
قالت:
— يلا.
يوسف صرخ:
— ماتعمليش كده!
حماتي قربت خطوة.
— اضربي.
افتكرت خالتي.
افتكرت التسجيل.
افتكرت الشهرين اللي كانوا بيجهزوني فيهم للموت.
افتكرت كلمة:
البضاعة.
صباعي كان قريب من الزناد.
لكن نزلت المسدس.
قلت:
— لأ.
ابتسمت باستهزاء.
— ضعيفة.
هزيت راسي.
— لأ… أنا مش هبقى زيكم.
وفي نفس اللحظة، باب السطح اتفتح.
دخل رجال أمن ومعاهم أفراد من جهات التحقيق.
صرخوا:
— محدش يتحرك!
حماتي لفت ناحية السور.
حاولت تجري.
لكن اتقبض عليها قبل ما توصل.
الدكتور اللي كان على السطح المقابل حاول يهرب هو كمان، لكن المكان كله كان متحاصر.
وقفت وسط المطر وأنا بتفرج على الست اللي كانت بتتحكم في حياة ناس كتير، وهي لأول مرة مش قادرة تتحكم في حاجة.
عدت من جنبي وهي متكلبشة.
وقفت لحظة.
بصتلي.
قالت:
— فاكرة إنك كسبتي؟
بصيتلها.
— لأ.
قربت منها.
— الناس اللي ماتت مش هترجع. وخالتي مش هترجع. وأنا عمري ما هرجع زي الأول.
سكتت.
قلت:
— بس على الأقل… مفيش بضاعة تانية هتدخل أوضة العمليات بتاعتكم.
خدوها.
فضل جوزي واقف بعيد.
أحد الرجال قرب منه.
طلع الكلبشات.
جوزي ما قاومش.
بصلي.
— ممكن أتكلم معاكي دقيقة؟
قلت:
— لأ.
اتوجع.
لكن ماكانش عندي استعداد أريحه.
قال:
— أنا عارف إن مفيش كلام يصلح اللي عملته.
قلت:
— يبقى ماتتكلمش.
مد إيده للراجل علشان يحطله الكلبشات.
قبل ما يمشي قال:
— أنا فعلًا كنت ناوي أخرجك من المستشفى الليلة.
قلت:
— يمكن.
وقف.
قلت:
— ويمكن فعلًا غيرت رأيك في الآخر. بس ده مايمسحش إنك إنت اللي دخلتني المكان ده من البداية.
نزل عينه.
قلت:
— إنت ما أنقذتنيش من النار… إنت اللي ولعتها، وبعدها حاولت تطفيها.
ما ردش.
خدوه.
فضلت واقفة تحت المطر.
لحد ما حسيت بإيد على كتفي.
كانت الممرضة.
قالت:
— خلصت.
بصيتلها.
— لأ.
استغربت.
قلت:
— لسه.
لأن كان فيه سؤال واحد لسه محدش جاوبني عليه.
مين الشخص اللي كان عايز قلبي؟
بعد أسبوع
كنت قاعدة في مكتب التحقيق.
قدامي ملف سميك.
قال المحقق:
— القضية أكبر بكتير مما كنا متوقعين.
اكتشفوا ملفات لضحايا كتير.
بعضهم ماتوا في عمليات كان المفروض تكون بسيطة.
بعضهم تم التلاعب في تقاريرهم.
وفي حالات تانية، كانت الشبكة بتستغل مرضى محتاجين عمليات زراعة وتاخد منهم مبالغ ضخمة مقابل تجاوز الإجراءات القانونية.
لكن السؤال اللي كان شاغلني فضل من غير إجابة.
— الشخص اللي كان عايز قلبي… مين؟
المحقق سكت.
قلت:
— من حقي أعرف.
فتح درج مكتبه.
طلع ملف.
حطه قدامي.
— الصفقة اتلغت قبل العملية بأسبوع فعلًا.
يعني جوزي كان صادق في الجزئية دي.
قال:
— الشخص اللي كان مقرر يستفيد من العملية مات قبلها.
قلت:
— مين؟
فتح الملف.
بصيت للصورة.
ماكنتش أعرفه.
راجل في الستينات.
قال المحقق:
— رجل أعمال ثري. كان عنده حالة قلبية متقدمة.
قلت:
— يعني كل ده كان علشانه؟
قال:
— البداية، أيوه. لكن بعد وفاته ظهرت مشكلة.
— إيه؟
— إنتِ بقيتي تعرفي تفاصيل كتير من غير ما تعرفي إنك تعرفيها.
استغربت.
— يعني إيه؟
طلع ورقة.
كانت نسخة من مستند قديم باسم خالتي.
قال:
— قبل وفاة خالتك، بعتتلك ظرف.
افتكرت.
كان فعلًا فيه ظرف وصلني بعدها بأيام.
لكن جوزي قاللي وقتها إن فيه أوراق تأمين وفواتير تخص علاجها، وإنه هيتصرف فيها.
قلت:
— جوزي أخده.
— بالضبط.
— كان فيه إيه؟
قال:
— مفتاح.
— مفتاح إيه؟
— صندوق أمانات.
قلبي خبط.
— والصندوق فيه إيه؟
ابتسم ابتسامة بسيطة.
— ده اللي لسه هنكتشفه.
بعد يومين
دخلت بنك كنت عمري ما دخلته قبل كده.
المحقق كان معايا.
فتح الموظف صندوق الأمانات.
جواه كان فيه فلاشة صغيرة.
دفتر.
وجواب.
على الظرف مكتوب اسمي بخط خالتي.
إيدي اترعشت وأنا بفتحه.
بدأت أقرأ.
“حبيبتي…”
دموعي نزلت قبل ما أكمل.
“لو بتقري الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي.”
كملت.
“أنا عارفة إنك بتحبيه، وعارفة إنك هتزعلي مني، لكن الراجل اللي ناوية تتجوزيه مش الشخص اللي إنتِ فاكراه.”
حطيت إيدي على بوقي.
“أنا حاولت أجمع أدلة قبل ما أتكلم، لأن آخر حاجة كنت عايزاها إنك تفتكريني ببوظ فرحتك.”
مسحت دموعي.
“ولو حصلي حاجة، ماتحاوليش تنتقمي. خلي الحقيقة هي اللي تنتقم.”
وقفت عند آخر سطر.
“وأهم حاجة… ماتخليش اللي عملوه فيكي يخليكي تشكي في كل إنسان كويس تقابليه بعد كده.”
حضنت الجواب.
وعيطت.
يمكن لأول مرة من يوم المستشفى، عيطت بجد.
مش من الخوف.
ولا من الصدمة.
لكن على الست اللي حاولت تحميني وأنا ما صدقتهاش.
بعد ست شهور
القضية اتفتحت رسميًا ضد عدد كبير من المتورطين.
الدكتور اتهموه في قضايا متعددة مرتبطة بتزوير تقارير طبية والتلاعب بإجراءات مرضى.
يوسف قدم كل الأدلة اللي جمعها خلال السنين اللي اختفى فيها.
والممرضة شهدت.
أما جوزي…
فاعترف بجزء كبير من اللي عمله.
اعترف إنه دخل الشبكة بسبب الفلوس.
واعترف إن زواجه مني في البداية ماكانش بريئًا.
واعترف إنه وافق على تجهيز خطة التبرع المزيفة.
لكنه قال إنه لما عرف إن الخطة اتحولت من أخذ كُلية إلى ق/تلي وأخذ قلبي، حاول يتراجع.
يمكن كان بيقول الحقيقة.
ويمكن لأ.
بطلت أهتم.
لأن الحقيقة الوحيدة اللي كانت تهمني إن الإنسان ممكن يندم…
لكن الندم مايمسحش الج/ريمة.
قدمت طلب الطلاق.
وما رحتش أشوفه.
ولا مرة.
بعد سنة
في نفس اليوم اللي كان المفروض أموت فيه…
رجعت للمستشفى.
مش نفس المستشفى طبعًا.
مستشفى تاني.
وقفت قدام باب غرفة مريضة صغيرة كانت مستنية عملية حقيقية.
كنت بدأت أشتغل مع جمعية بتساعد أسر المرضى المحتاجين لعمليات زراعة قانونية وآمنة.
الممرضة كانت معايا.
بقينا أصحاب.
أما يوسف، فبدأ حياة جديدة بعيد عن كل اللي حصل.
وقبل ما أدخل عند الطفلة، الممرضة نادتني:
— استني.
لفيت.
مدتلي كيس صغير.
— ده ليكي.
فتحته.
كان فيه هدوم رمادي.
نفس لون هدوم عمال النظافة اللي هربت بيها ليلة المستشفى.
ضحكت رغم إن عيني دمعت.
قلت:
— إنتِ محتفظة بيها ليه؟
قالت:
— علشان تفتكري.
— أفتكر أسوأ ليلة في حياتي؟
هزت راسها.
— لأ.
ابتسمت.
— تفتكري الليلة اللي اخترتي فيها تعيشي.
بصيت للهدوم.
من سنة، كنت بجري بيها في ممر مستشفى وأنا مقتنعة إن كل باب ورايا ممكن يكون نهايتي.
النهارده…
كنت واقفة على رجلي.
حرة.
دخلت عند الطفلة.
كانت قاعدة جنب أمها.
أول ما شافتني ابتسمت.
قعدت جنبها.
قالت:
— هو العملية بتخوف؟
بصيتلها.
مسكت إيدها.
قلت:
— الخوف طبيعي.
— وإنتِ خفتي قبل كده؟
ابتسمت.
— جدًا.
— وعملتي إيه؟
فكرت ثواني.
وبعدين قلت:
— جريت لما كان لازم أجري… ووقفت لما جه وقت إني أبطل أجري.
ضحكت الصغيرة.
خرجت من عندها بعد شوية.
وقفت عند باب المستشفى.
الدنيا كانت بتمطر.
نفس ريحة المطر.
نفس صوت النقط وهي بتخبط في الإزاز.
لكن المرة دي…
ماكنتش بهرب.
طلعت الجواب القديم من شنطتي.
جواب خالتي.
قريت آخر سطر مرة تانية:
“ماتخليش اللي عملوه فيكي يخليكي تشكي في كل إنسان كويس تقابليه بعد كده.”




