روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 1

وصلت البيت. فتحت الباب بالمفتاح بهدوء شديد.

البيت كان هادي.. هدوء يقتل.

سمعت صوت أبويا طالع من الصالة، كان بيتكلم في التليفون بصوت واطي ومبتسم بيكلم خطيبي زياد: “يا حبيبي يا زياد.. البيت بيتك، ونسمة دي عينيا الاتنين، ومايا أختها الصغيرة في رقبتك برضه…”

الكلمات اللي كانت زمان بتخليني أحس بالأمان، دلوقتي كانت بتخليني مشفق عليها.

دخلت الصالة، أول ما أبويا شافني قفل التليفون وابتسم ابتسامة الأب الحنون المعتادة: “نسمة؟ حبيبتي رجعتي؟ مال وشك أصفر كده ليه؟ مش قولتلك بلاش الزيارة دي؟”

قاطعته وأنا بمد إيدي اليمين اللي مرسوم عليها بالقلم: “أمي رسمتلي دي.”

أبويا بص على إيدي.. اللحظة دي.. الـ 3 ثواني دول، عمري ما هنساهم.

ملامح أبويا اتغيرت تماماً. الابتسامة اختفت، وعينيه وسعت بشكل مرعب، وشه اتقلب أصفر. تحول في ثواني للشخص المذعور، بس بسرعة ركب القناع تاني وقال بنبرة استغراب متصنعة: “ايه ده؟ شخبطة؟ ما أنا قايلك يا نسمة أمك عقلها طار من زمان.”

رديت عليه وصوتي مخنوق بالدموع: “دي مش شخبطة يا بابا.. دي علامة السر اللي بين أمي وبيننا.. أمي قالتلي إنها كشفت أسراره ليلتها!”

ساد الصمت في الصالة. أبويا قرب مني خطوة، وعينيه اتملت بنظرة تهديد صريح، نبرة صوته بقت واطية وحادة: “أنتِ بتقولي ايه يا نسمة؟ أنتِ بتصدقي كلام واحدة مجنونة؟”

في اللحظة دي، باب أوضة النوم اتفتح، وخرجت مايا.. مايا البنت الهادية الانطوائية. بصت لينا بصدمة وقالت بصوت خايف: “فيه ايه يا نسمة؟ فيه ايه يا بابا؟”

أنا بصيت لـ مايا.. وبدأ الشريط يتعرض قدام عيني. افتكرت ليه مايا كانت دايماً مترددة وخايفة من سيطرة أبويا المطلقة على حياتنا!

قربت من مايا، مسكت إيديها، وبصيت في عينيها وسألتها بصوت مكسور: “مايا.. قوليلي الحقيقة.. بابا مخبي علينا ايه تاني؟”

مايا اترعبت.. وبصت لأبويا بسرعة.

أبويا صرخ فيها بصوت هز البيت كله: “ماااايا! قولي لأختك إنها تجننت زي أمها!”

مايا بدأت تبكي وتشهق، أبويا قرب منها مسكها من دراعها وقال بتحذير: “اتكلمي يا مايا! قولي لها!”

مايا انصاعت وسحبت إيدها مني بسرعة، واستخبت ورا ظهر أبويا وهي بتبكي وتقول: “لا يا نسمة.. بابا ميعملش حاجة.. أنتِ اتجننتي؟”

نظراتها وهي مستخبية ورا ظهره كانت بتقول إنها تحت ضغط رهيب وخوف شديد من تحكماته.

أبويا بصلي بنظرة انتصار وقال: “سمعتي؟ أختك بتقولك ايه.. اتفضلي على أوضتك يا نسمة، وانسى الكلام ده خالص، وإلا مش هتشوفي الشارع تاني، ولا فيه فرح ولا زياد!”

دخلت أوضتي وققفلت الباب، قعدت على الأرض ورا الباب أعيط بصمت.

كل حاجة وضحت.. أمي ما كانتش مجنونة، وأختي مايا واقعة تحت سيطرة وتهديد يمنعها من الكلام!

ساعة الفجر، لما تأكدت إن أبويا نام، تسحبت بهدوء ودخلت أوضة مايا.

قعدت جنبها على السرير، وحضنتها بكل قوتي وأنا بقولها: “أنا آسفة يا مايا.. أنا عارفة إن في سر كبير.. قوليلي هو بيهددك بإيه؟”

مايا انهارت وبدأت تبكي وقالتلي بصوت مخنوق: “بيقولي لو اتكلمت.. هيمنع عنا كل حاجة.. وهيبعتك بعيد عني.. كان بيقولي لو حكيتي لنسمة كلمة واحدة هخسر العيلة كلها!”

كملت وهي بترتعش: “من يوم ما أمي مشيت.. وهو بيسيطر على كل تفصيلة في حياتنا بتهديد مستمر!”

الدم غلى في عروقي. مسكت وش مايا وقولتلها بثبات: “خلاص يا مايا.. الكابوس ده هينتهي النهاردة.. أمي هتطلع، والحقيقة هتبان.”

لكن المشكلة كانت.. إزاي هثبت ألاعيبه اللي خفاها سنين من غير دليل قاطع يحمينا؟

مايا قالتلي على سر.. إن أبويا محتفظ بـ “ألبوم وثائق وخطابات قديمة” ورا المكتبة في أوضته، قفل عليه بقفل صلب.

أول ما الشمس طلعت، وأبويا نزل يصلي الجمعة.. جريت على أوضته، وورا المكتبة لقيت العلبة الخشبية. جبت شاكوش وكسرت القفل.

فتحت العلبة.. ولقيت الأوراق اللي بتكشف تخطيطه للسيطرة على أمنا وإبعادها عننا زمان عشان يخلو له الجو بالتحكم في البيت.

ولقيت كمان شريط كاسيت صغير، مكتوب عليه بخط يده: “خطة إبعاد مديحة”.

شغلت الشريط، وسمعت صوته وهو بيوثق ألاعيبه عشان يثبت للكل إنها فقدت صوابها!

مسكت الأوراق والشريط وضمتهم لصدري، الدليل بقى معايا.

وفجأة.. سمعت صوت مفتاح الباب بيلف. أبويا رجع بدري!

خرجت للصالة، لقيته واقف قدامي، بص على الشاكوش وشنطتي.. وعينيه اتحولت لشعلة غضب.

قفل باب الشقة وحط المفتاح في جيبه، وابتسم بتوعد وقال بصوت مرعب وهو بيقرب مني:

“فتحتِ العلبة يا نسمة؟.. للأسف يا بنتي.. أنتِ كده حكمتي على نفسك وعلى أختك.. إنكم تروحوا لأمكم المستشفى.. بس المرة دي، مش زيارات!”

هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى