
مرت الأيام الخمسة عشر الباقية من الشهر وكأنها دهور داخل البيت. حسن يتحرك كالظل المظلم، يحاول إعادة فرض سيطرته بأساليب غير مباشرة، مستخدماً التجاهل والصمت العقابي، لكنه فوجئ ببرود تام وسور جليدي لم يتوقعه مني. لم أعد المرأة التي تسعى لإرضائه أو تلمس منه كلمة ثناء، بل أصبحت أتشارك معه السقف نفسه بغرور وثبات. كان يخرج من بيته صباحاً ويعود متأخراً ليتفادى المواجهة، إلا أن المصاريف الحقيقية بدأت تضغط على كاهله. لأول مرة منذ سنوات، يجد نفسه مطالباً بسداد فواتير الكهرباء، والغاز، ومستلزمات الحفاضات والحليب الخارجي للطفل ياسين، إضافة إلى مصاريف التسوق اليومي التي كنت أتحمل نصفها أو أكثر من مرتبي دون أن يشعر.
في يوم أربعاء، عاد حسن من عمله مبكراً على غير العادة. كانت ملامحه مشدودة، وفي عينيه نظرة لؤم جديدة، كأنه عثر على ثغرة ينفذ منها ليكسر صمودي. دخل الصالة وألقى بمفاتيح سيارته على الطاولة بحركة حادة، ثم جلس على الأريكة وناداني بصوت جاف مستفز:
“تعالي هنا يا هانم.. عشان فيه حسابات جديدة لازم تتصفى بيننا.”
خرجت من غرفة النوم وأنا أحمل ياسين بين ذراعي، وقفت بثبات دون أن أقترب كثيراً، ورددت ببرود:
“حسابات إيه تاني يا حسن؟ افتكر إننا حطينا النقاط على الحروف قدام العيلتين.”
ابتسم ابتسامة صفراء متشفية، وسحب ورقة وقماً من جيبه وضعهما على الطاولة أمامه، وقال بنبرة مليئة بالتحدي:
“النقاط على الحروف كانت في المصاريف اللي بتقولي إنك دفعتيها، لكن طالما المسألة بقت بالقسطاس والعدل، وكل واحد بياخد حقه بالقانون والشرع، يبقى نتحاسب صح! البيت ده ملكي.. أثاثه ومبناه، وأنا اللي بيدفع إيجاره أو أقساطه. طالما حضرتك قررتِ تحتفظي بمرتبك لنفسك وتدفعي منه هدايا ولابتوبات لأهلك، يبقى من بكرة تطلعيلي مقابل إقامتك واستخدامك لأجهزة البيت، أو تدفعي إيجار الغرفة اللي قاعدة فيها أنتِ وابنك! ولا فاكرة إن السكن ببلاش؟”
نظرت إليه بذهول لثوانٍ، ليس خوفاً ولا انكساراً، بل تعجباً من مدى الضآلة التي قد يصل إليها رجل لمجرد أنه فشل في سلب زوجته حريتها المالية. تجمعت الدماء في عروقي غضباً، لكني لم أصرح بالصراخ كما كان يتوقع ويتمنى، بل ضحكت ضحكة قصيرة هادئة أربكته كلياً.
أخذت خطوتين للأمام، ثم قلت بثبات صوت يقطع الشك باليقين:
“أنت بتتكلم جد يا حسن؟ يعني عايز تقبض مني إيجار في بيت زوجيتك مقابل إني محتفظة بمرتب حلالي اللي بشتغل بيه؟”
رد وهو يرفع رأسه بغرور زائف:
“آه جد.. زي ما حاسبتيني على القرش، أحاسبك على السكن والمكان. الشرع بيقول السكن على الزوج، بس لما الزوجة تكون متكفلة ببيتها ومساعداه، مش بتتحين الفرص عشان تفضحه قدام أهله. طالما قسمتيها بيننا، يبقا كل حاجة تتمنصف!”
هنا أدركت أن الكلام معه لم يعد ينفع، وأن حسابه الحقيقي لن يكون معي، بل في المحاكم ومع القوانين التي يظن نفسه يتلاعب بها. رددت عليه وأنا ألتفت عائدة :
“تمام يا حسن.. كل اللي قلته ده هيتسجل، وهتشوف الرد الرسمي عليه بنفسك.”
في صباح اليوم التالي، استغللت وجود يوسف أخويا في إجازته الدراسية بعد يوم حافل بالمذاكرة على لابتوبه الجديد. اتصلت به وطلب منه الحضور لبيتي. وصل يوسف ومعه والدتي، وحكيت لهما ما دار بالتفصيل وما وصل إليه حسن من تدنٍ في التعامل.
قال يوسف بصوت مليء بالرجولة والحرص:
“يا أختي، البيت ده ما يبقاش ليكي فيه قعدة طالما وصل للدرجة دي. أنتِ مش محتاجة تجادلي معاه في أوهام. المحامي موجود، والشرع والقانون يكفلولك حقك كاملاً، من نفقة زوجية لنفقة صغير لسكن مستقل!”
لم نضيع وقتاً. توجهت رفقة يوسف إلى مكتب محامٍ متخصص في قضايا الأسرة والأحوال الشخصية. عرضنا عليه الأوراق والإيصالات التي أخذتها معي، إضافة إلى عقد الشقة والشهادات التي تثبت مشاركتي المالية السابقة في مؤثثات البيت وشراء المستلزمات.
أوضح المحامي فوراً بعد قراءة المستندات:
“الموقف القانوني لصالحك تماماً يا مدام. المطالبة بإيجار من الزوجة داخل بيت الزوجية كلام فارغ لا أساس له قانوناً، بل يُعد امتناعاً غير مباشر عن الإنفاق الإجباري. إضافة إلى أن كل إيصال وفاتورة باسمك لشراء أجهزة أو مشاركة في سداد ديون أو أقساط سيارة تعتبر ديناً في رقبته يسددها بالقانون إذا ثبت استخدام المال لصالحه، غير الدعاوى الخاصة بنفقة الطفل ونفقة زوجية نظراً لامتناعه عن الإنفاق منذ منتصف الشهر.”
تم إعداد إنذار رسمي على يد محضر يطالبه بسداد النفقة والالتزامات المترتبة عليه شرعاً وقانوناً، مع إرفاق صور الفواتير والمطالبات المادية الخاصة بجمعية السيارة وأثاث البيت.
في مساء اليوم نفسه، عاد حسن ومعه شقيقته ذاتها التي كان يريد أن أشتري لها جهازاً على حسابي. دخلت أخته بصحبة زوجها، وكأنه استدعى تعزيزات من عائلته ليمارس عليّ ضغطاً نفسياً في بيتي.
جلست أخته على الأريكة وقالت بنبرة حادة وتهكمية:
“والله يا أم ياسين، إحنا جينا عشان نلحق البيت قبل ما يخرب.. بس الصراحة اللي عملتيه مع حسن قدام الناس مكانش يصح! بقى حسن يتقال عنه مش شايل بيته عشان أختك أو أخوكي؟ ده جابلك وجاب لبيتك كتير!”
خرجت لهما من المطبخ وأنا أحمل أوراق الإنذار القضائي التي استلمتها من المحامي تمهيداً لإرسالها. ألقيت بالأوراق على الطاولة وسط القاعة.
قلت موجهة كلامي لأخته وزوجها:
“أهلاً بيكم.. كويس إنكم جيتوا عشان تشوفوا بنفسكم العقلية اللي أخوكي بيفكر بيها. أختك جاية تتكلم عن الأصول؟ أخوكي عاوز يأجرلي الأوضة اللي بنام فيها أنا وابنه ياسين ويقبض مني إيجار شهر بشهره لمجرد إني جبت لأخويا لابتوب يذاكر عليه من شغلي وعرقي!”
صدمت أخته وزوجها، وبصا لحسن بدهشة واستنكار. فتح زوج أخته فمه وقال بحيرة:
“إيه الكلام ده يا حسن؟ إيجار إيه اللي بياخده راجل من مراته في بيته؟ أنت اتجننت يا جدع أنت؟”
حاول حسن الارتباك والتبرير:
“أنا بتكلم عن المشاركة! هي مش عايزة تشارك في المصاريف وتصرف مرتبها بره، يبقى تدفع حق اللي بتستخدمه!”
قاطعت حديثه بصوت هز أركان الصالة:




