
الجو في بيت إبراهيم كان مشحون بريحة بخور هادية وصوت ضحكات دافية طالعة من الصالة. الترابيزة مفروشة بأحلى أكل، والكل قاعد ومستني، إلا ندى اللي كانت قاعدة في صالون الضيوف جمب والدها، حاسة إن كل دقة من دقات قلبها صدى صوته مسموع في الأوضة. كل ما حد يتكلم، هي بتهز رأسها وتطبع ابتسامة باهتة ومزيفة على وشها، وعينيها متثبتة على الباب، مستنية الكابوس اللي قرب يوصل.
وفجأة، رن جرس الباب.
إبراهيم قام بلهفة وفرحة وشابك إيديه في بعض:
— أهو جه! صاحب عمري وأخويا اللي ما جابتوش أمي.. هقوم أفتح له بنفسي.
جري إبراهيم فتح الباب، ودخل محمود. كان لابس قميص أسود ومظبط شعره، وعلى وشه نفس الابتسامة الهادية التي تخفي وراها جبل من الشك والأنانية. سلم على إبراهيم وحضنه بقوة، وإبراهيم عمال يرحب بيه ويدخله من الباب وهو بيقول:
— نورت بيتك يا حودة، تعالى أدخل العيلة كلها هنا ومستنيينك.
دخل محمود الصالة، سلم على والد إبراهيم ووالدته بكل أدب واحترام، ودعا ليهم بالخير. وبعدين التفت لناحية الصالون الصغير، عينه وقعت على ندى ووالدها. والد ندى قام ورحب بيه بكل طيبة:
— أهلاً يا بني، إبراهيم عمال يحكيلنا عنك طول النهار ومسميك السند.
محمود بثبات رهيب وابتسامة عريضة:
— ده من أصلكم الطيب يا عمي، إبراهيم مش مجرد صاحب، ده أخويا الكبير.
وهنا.. بص محمود لندى مباشرة. هي كانت واقفة، إيديها متشبكة في طرحتها بقوة لحد ما أطراف صوابعها بيضت، وشها باهت تماماً، وعينيها طالع منها رجاء وألم. محمود قرب منها خطوات هادية، ومد إيده عشان يسلم، وقال بنبرة صوت تقيلة ومحملة بلمز خفي:
— مبروك يا عروسة.. أخيرًا شفتك عن قرب، إبراهيم حكالي عنك كتير وعن طيبتك الزايدة اللي بتخليكِ تصدقي أي حد بسهولة.
ندى حسّت بكهربا سرت في جسمها. مدّت صوابعها بتردد ولماست إيده لمسة وسحبتها بسرعة، وقالت بصوت طالع بالعافية من حنجرتها:
— الله يبارك فيك.. شكراً.
القعدة بدأت، والكل قعد حوالين الترابيزة. إبراهيم كان بيتكلم بكل حماس عن الفرح والتفاصيل، وعن الشبكة والشقة اللي بينهيها. محمود كان قاعد قصاد ندى تماماً، كل ما إبراهيم يفتح موضوع، محمود يرد بكلمات ليها معنيين، كلام ظاهر منه الخير، وباطنه صريح لندى.
إبراهيم وهو بيضحك وبيبص لندى:
— عارف يا محمود، ندى دي أرق إنسانة شفتها في حياتي، بس طيبة زيادة عن اللزوم، ساعات بحس إنها بتخاف من الخيال، ومن يوم ما انخطبنا وهي خايفة من المستقبل وشايلة هم كل حاجة.
محمود حط الكباية من إيده ورجع بظهره لورا، وبص لندى وقال ببرود:
— ما هو الطيب يا هيما بياكل ضربات كتير في حياته، والظاهر إن العروسة أخدت درس زمان علمها تخاف وتعمل حساب لكل خطوة.. مش كده ولا إيه يا ندى؟
ندى اتخنقت، ونظرات الحيرة بدأت تظهر على وش إبراهيم اللي بص لمحمود وبعدين بص لخطيبته وقال:
— درس إيه يا حودة؟ هو أنتِ حكيتي لمحمود حاجة ولا إيه؟
اللحظة دي كانت زي الصدمة الكهربائية في القاعة. الصمت حل فجأة، ووالد ندى بص لإبراهيم وبعدين لمحمود وهو مش فاهم المقصد.
ندى ريقها جف، وكانت خلاص حاسة إنها هتقع من طولها، لكن في لحظة الخوف الأقصى دي، حاجة جواه اتحركت. الاستسلام اللي عاشت فيه سنة كامة، والخوف اللي كان ممشيها ورا تهديدات محمود، اتقلب للغضب. بصت في عين محمود بقوة وحزم وقالت:
— الأستاذ محمود يقصد إن كل إنسان بيمر بظروف في حياته بتخليه يتعلم مين الراجل الحقيقي اللي يعتمد عليه، ومين مجرد ذئب كان بيتسلى وبيلعب بالمشاعر.
إبراهيم اندهش من نبرة ندى الحادة، ومحمود ابتسامته اختفت فجأة والعرق بدأ يظهر على جبهته. التحدي الصريح ده ما كانش عاملي حسابه.
ندى كملت كلامها وهي تبص لإبراهيم بدموع في عينها، بس المرة دي دموع قوة مش ضعف:
— إبراهيم.. أنا لازم أقولك على حاجة مهمة دلوقتي وقبل ما أي حد تاني يقولها بطريقة تانية.
محمود عينيه اتوسعت من الصدمة، وقام وقف نص وقفة وهو بيحاول يقاطعها:
— ندى! أنتِ فاهمة بتقولي إيه؟ بلاش تتسرعي في الكلام أمام العيلة!
إبراهيم بص لمحمود باستغراب وضغط على إيد محمود عشان يقعده:
— استنى يا محمود، سيبها تتكلم.. في إيه يا ندى؟ مالك؟ إيه اللي حصل ويا محمود يقصد إيه بكلامه؟
ندى وقفت على حيلها، وبصت لأبوها ولإبراهيم، وقالت بثبات:
— الأستاذ محمود اللي أنت جايبه وبتقول عليه أخوك.. هو نفس الشخص اللي أنا حكيتلك عنه زمان من غير ما أقول اسمه.. هو الشخص اللي استغل طيبتي ودخل حياتي بالكدب والأوهام وسابني وسافر بعد ما كسرب قلبي! والنهاردة الصبح طلب يقابلني وهددني إنه يهد بيتنا ويخرب خطوبتنا لو ما مديتش أيدي واستسلمت لرغباته وكبريائه!
الخبر نزل على الأوضة زي الصاعقة. أبو ندى وقف مفزوع، ووالد إبراهيم اتسمر في مكانه.
إبراهيم بص لندى بعيون مشدوهة، ومش قادر يستوعب، وبعدين التفت بطيئاً جداً لمحمود اللي كان وشه أصفر زي الورقة ومظهره بقى عريان قدام الكل.
إبراهيم بصوت مرتعش ومكسور:
— محمود.. الكلام ده صح؟ انت كنت تعرف ندى قبلي؟ وانت اللي عملت فيها كده وجاي النهاردة بيتي بتهددها؟
محمود حاول يلم الموضوع ويتلعثم:
— يا إبراهيم افهمني.. الموضوع مش كده خالص، هي بتهول و…
وقبل ما محمود يكمل كلمته، إبراهيم مسكه من ياقة قميصه بقوة رهيبة وعينيه مليانة دموع غضب وخيانة، وزقه ناحية الباب وهو بيصرخ فيه:
— برة! اطلع برة بيتي يا خاين يا واطي! أنت مش صاحب ولا أخ.. أنت أحقر إنسان أنا شفته في حياتي!
طرد إبراهيم محمود برة الشقة وقفل الباب في وشه بصوت هز العمارة كلها. وقف محمود في الصالة الضيقة برة، وحيد، مكسور، وكل الغرور والكبرياء اللي كان حاسس بيه اتمسح في ثانية واحدة.
وفي الداخل، مسك إبراهيم إيد ندى اللي كانت بتعيط، وقعد جنبها وهو بيقولها: “أنا أسف إن دخلت الأشكال دي حياتنا.. بس أنتِ كبرتي في نظري أكتر عشان كنتِ شجاعة وما خفتيش منه”.
خرج محمود للشارع، الضلمة كانت محوطاه من كل ناحية، والندم الحقيقي والأول في حياته بدأ يأكل في قلبه.. اكتشف إن الأنانية والغرور ما بيخلفوش غير الخراب، وأن الماضي اللي افتكر إنه ، رجع ودمر كل حاجة حلوة في حياته.
#الكاتب__رومانى__مكرم__




