روايات وقصص

صاحبى حكايات رومانى مكرم 2

خرج محمود من العمارة وهو حاسس إن الشارع كله بيلف بيه. الهواء البارد كان بيخبط في وشه، بس النار اللي جوا كانت قايدة وبتأكل في صدره. مش من الحسرة على ندى، لكن من طعم الهزيمة والمرارة. الكبرياء اللي عاش يبنيه سنين اتكسر في لحظة واحدة قدام الكل. إبراهيم صاحبه وأخوه، الشخص الوحيد اللي كان بيلجأ له لما الدنيا تقفل في وشه، طرده زي الكلب وقفل الباب في وشه، والسر اللي كان مفكر إنه ماسك بيه رقبة ندى، بقى هو السكين اللي اتذبح بيه غروره.

قعد محمود على رصيف الشارع البعيد عن العمارة، يمسح العرق اللي كان نازل على جبهته رغم برودة الجو. مسك تليفونه، وبص على اسم إبراهيم، جرب يرن عليه مرتين.. المرة الأولى التليفون رن لحد ما قفل، والمرة الثانية أداه “المشترك الذي طلبته غير متاح”. إبراهيم حظره.

فتح الرسائل وشاف المحادثات القديمة مع ندى، الكلمات اللي كان فاكرها كروت قوة يلعب بيها، بقت قدام عينيه شواهد على خسته ودناءة تفكيره. في لحظة طيش وغضب من نفسه، مسح المحادثات كلها، مسح الأرقام، وكأنه بيحاول يمسح القرف اللي حاسس بيه، بس الصورة الذهنية لندى وهي بتواجهه بشجاعة قدام العيلتين، ولإبراهيم وهو بيزقه برة الباب بعيون مليانة كره وقرف، كانت محفورة في عقله ومش هتمشي.

روّح محمود بيته، كانت الأوضة ضالمة وساكتة زي القبر. رمى نفسه على  بالهدوم اللي كان لابسها، ومجاش لنومه عين. كل ما يغمض، يسمع صوت إبراهيم وهو بيصرخ فيه: “أنت أحقر إنسان أنا شفته في حياتي!”. الكلمة كانت بترن في ودنه زي أذان .

مرت أيام، ومحمود محبوس في أوضته، مابيروحش الشغل ولا بيكلم حد. حاول يبعت ناس لـإبراهيم عشان يوضح له، أو على الأقل يطلب منه يسامحه على الخيانة، بس إبراهيم قفل كل الأبواب، وغير خط تليفونه، وقطع أي خيط ممكن يربطه بـمحمود.

بعد أسبوعين، محمود كان قاعد في كافيه بعيد عن منطقته، دبلان ووشه شاحن، بقى إنسان تاني تماماً. وفجأة، شاف واحد من أصحابهم المشتركين، اسمو “أحمد”، دخل الكافيه وقعد جنبه بعد تردد.

محمود بص له بلهفة وشوق لمعرفة أي خبر:

— أحمد.. أنت بتشوف إبراهيم؟ كويسين؟ الفرح لسة في ميعاده ولا…؟

أحمد بص لمحمود بنظرة عتاب وشفق، وحزّ رأسه بأسى وقال:

— إبراهيم كتب كتابه على ندى الأسبوع اللي فات يا محمود.. عملوا فرح صغير واقتصر على العيلتين.

محمود بلع ريقه بصعوبة، وحس بغصة في حلقة:

— و… وإبراهيم؟ جاب سيرتي؟ قال عني حاجة؟

أحمد حط إيده على كتف محمود وقال بنبرة حازمة:

— إبراهيم مسحك من حياته يا محمود.. قالنا كلنا إن محمود بالنسبة له مات، ومحدش يجيب سيرتك قدامه تاني. ندى حكت له على كل حاجة، وهو شالها في عيونه أكتر عشان شجاعتها وصراحتها، وعرف إن البنت كانت ضحية لواحد ما بيعرفش ربنا. أنت خسرت أنضف صاحب في حياتك يا محمود، وخسرت احترامك لنفسك.

الكلمات نزلت على محمود زي المطرية، مكنش قادر يرد ولا يدافع عن نفسه. أحمد قام وسابه وقاعد لوحده.

في اللحظة دي، محمود فهم درس العمر.. فهم إن العبث بمشاعر الناس مش شطارة، وإن الطيب لما بيقوى بيبقى أعظم من ألف متكبر، وإن الذنب اللي افتكره اتنسى ، رجع ورد له في أكتر حاجة بتوجعه.

مسك محمود موبايله، وفتح ألبوم الصور، شاف صورته القديمة مع إبراهيم وهما  في رحلة زمان. الدموع نزلت من عين محمود لأول مرة من سنين.. دموع ندم حقيقي، بس ندم بعد فوات الأوان.

قام محمود ومشي في الشارع، والظلمة بدأت تتجمع تاني، بس المرة دي كان عارف إن القرار الأخير في حياته لازم ياخده.. قرار إنه يصلح اللي يترمم من روحه، أو يفضل عايش في  اللي صنعوا بنفسه.

#الكاتب__رومانى__مكرم__

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى