روايات وقصص

صاحبى حكايات رومانى مكرم 2

مرت ثلاث سنوات على تلك الليلة التي انقلبت فيها حياة محمود رأساً على عقب. ثلاث سنوات لم تكن مجرد أرقام تقويم تتغير، بل كانت محاطة بمرارة العزلة ووجع الضمير الذي استيقظ متأخراً جداً.

سافر محمود إلى مدينة ساحلية بعيدة، ابتعد عن كل معارفه وأصدقائه القدامى، وحاول بكل جهده أن يبدأ صفحة جديدة. عمل في شركة صغيرة، وعاش حياة هادئة كأنه ظل لرجل كان يوماً ما ملء السمع والبصر بغروره وألاعيبه. لم يعد محمود يبتسم تلك الابتسامة الساخرة، بل أصبحت ملامحه جادة، مليئة بوقار الندم وطيبة جديدة نبتت من رحِم الألم.

طوال هذه السنوات، كان يتابع من بعيد، عبر حساب مستعار لا يعرفه أحد، أخبار إبراهيم وندى. علم أنهما أنجبا طفلة صغيرة أسمياها “نور”، ورأى صورهم معاً؛ إبراهيم بنفس الوجه الطيب والابتسامة الصافية، وندى بملامح زادها الاستقرار والأمان جمالاً، عيونها لم تعد مطفية كما كانت يوم تقابلا في الكافيه، بل أصبحت تلمع بالطمأنينة بجوار رجل صانها واحترمها.

في أحد أيام الخريف الممطرة، وجد محمود نفسه يقف أمام مسجد كبير في منطقته القديمة بالقاهرة. كان قد جاء في زيارة خاطفة لإنهاء بعض الأوراق الرسمية، لكن قدميه سحبتاه رغماً عنه إلى الشوارع التي شهدت على خسته وعلى طرده.

خرج المصلون من صلاة العصر، وأثناء سيره في الزقاق الهادئ، توقفت خطوات محمود فجأة.

على بعد خطوات قليلة، كان إبراهيم يقف أمام أحد المحال، يحمل بين يديه طفلته الصغيرة ويلاعبها بضحكات عالية، وبجواره ندى تمسك بيده بحب وتساعده في تنظيم الأكياس التي يحملها.

ضربات قلب محمود تسارعت، وجفت شفتاه. كان بإمكانه أن يلتف ويرجع من حيث جاء، لكن شيئاً ما في داخله -ربما كان الحاجة إلى إغلاق هذه الصفحة للأبد- دفعه إلى الأمام.

سار محمود بخطوات بطيئة، حتى أصبح على بعد أمتار منهما. ندى كانت أول من لاحظ وجوده؛ توقفت عن الكلام، ونظرت إليه. لم تكن في عينيها نبرة خوف أو رعب كما كان في الماضي، ولا حتى نبرة كره.. كانت نظرة شفقة وسلام، نظرة امرأة تجاوزت الماضي تماماً ولم يعد يعني لها شيئاً.

التفت إبراهيم ليرى ما الذي جعل ندى تتوقف، فالتقت عيناه بعيني محمود.

لحظة صمت ثقيلة سادت المكان، أثقل من تلك التي حدثت عبر التليفون قبل سنوات. محمود وقف عاجزاً، ينظر إلى صاحبه القديم، ودون أن يشعر، اتسعت عيناه بالدموع.

قرب محمود منهما خطوة واحدة، وصوته خرج مبحوحاً ومكسوراً:

— إبراهيم.. ندى.. أنا مش جاي أضايقكم، ولا جاي أطلب إن اللي  يتصلح.. أنا بس.. كنت محتاج أقولكم إني آسف. آسف على كل لحظة وجع سببتها لكم، آسف يا إبراهيم إن  جتك من أكتر واحد وثقت فيه. أنا اتعاقبت، والعقاب الحقيقي كان إني عشت السنين دي كلها بعيد عن ربنا وعن نفسي.. أنا بس اتمنيت تشوفوني وأنا بني آدم تاني.

إبراهيم بص له بتمعن، ينظر إلى وجه محمود الذي ظهرت عليه خطوط التعب والندم، وإلى هيئته المنكسرة. النظرة النارية والغضب الذي كان في عين إبراهيم يوم  لم يعد موجوداً، حل محله نضج ورضا.

نظر إبراهيم إلى زوجته ندى، فهزت رأسها له بهدوء كأنها تفوضه في المسامحة.

رجع إبراهيم بنظره لمحمود، وقال بصوت هادئ ورزين:

— اللي فات مات يا محمود.. الدنيا دارت، وكل واحد فينا أخد نصيبه والدرس اللي يستحقه. أنا نسيت الوجع، وندى سامحت من زمان لأن ربنا عوضها وعوضني بالخير. أنا مش شايل منك كره، بس الطرق لما بتتفارق، صعب ترجع تاني زي الأول. أدعو لك ربنا يهديك ويغفر لك، وتبدأ حياتك بجد بعيد عن الأوهام.

عدّل إبراهيم طفلته على كتفه، ثم أخذ بيد ندى، ومشيا في طريقهما هادئين، دون أن يلتفتا للخلف.

وقف محمود في منتصف الشارع، يراقب أثرهما وهما يبتعدان تحت المطر الخفيف. شعر بحمل ثقيل يزول عن صدره، وحرارة الدموع تنظف قلبه من الداخل.

كانت هذه هي النهاية الحقيقية؛ ليست انتقاماً ولا دراما سينمائية، بل كانت النهاية التي يتعلم فيها الخائن أن الكبرياء المريض يدمّر صاحبه، وأن الشجاعة والصراحة هما طوق النجاة، وأن المسامحة هي أكبر عقاب لضمير استيقظ بعد فوات الأوان.

لَفّ محمود وجهه، ومشى في الاتجاه المعاكس، معلناً بداية حياته الجديدة.. كإنسان أحسن الصدق بعدما ذاق مرارة الكذب.

#الكاتب__رومانى__مكرم__

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى