
صرخة حماتي في التليفون نزلت على ودن يونس زي طلقة الرصاص، صرخة فيها كمية جنون وغل ويأس تخلي شعر الرأس يشيب: “هجي لحد باب بيتك وأولع في نفسي يا يونس! هخلي دمي في رقبتك أنت ومراتك ليوم الدين لو ما نقذتش أخوك من حبسة السجن!”
الخط قطع، ويونس فضل واقف ماسك التليفون وإيده بتترعش، وشه كان شاحب زي الميتين، وعينيه بتتطلّع في الفراغ كأنه مش قادر يستوعب كمية البشاعة والابتزاز النفسي اللي بيتعرض له من أقرب الناس ليه.
قربت منه بهدوء، حطيت إيدي على كتفه وقولت له بنبرة ثابته رغم الخوف اللي جوايا: “يونس.. هي مش هتعمل في نفسها حاجة، دي بتمارس عليك أسلوب الضغط اللي متعودة عليه عشان تكسرك وتخليك ترجع في كلامك وتضيع حقي وحق بنتك تاني.”
يونس بصلي بعيون مليانة دموع وجرح ما يتوصفش، وقال بصوت مخنوق: “عارف يا حور.. عارف إنها بتهدد، بس هي مجنونة وغلها عمى قلبها! أنا مش خايف على نفسها، أنا خايف تجيلنا هنا وتعمل فضيحة جديدة وسط الجيران، أو تتعدى عليكي أنتِ ومكة! أنا خلاص تعبت يا حور.. تعبت من القسوة والافتراء، حاسس إن دماغي هتتفجر من كثرة التفكير!”
قعدت يونس على الكنبة، وجبت له كوباية مية، ومسكت إيده بقوة: “إحنا مش هنعمل حاجة غلط يا يونس. أخوك مجدي وصاحبه عادل هما اللي تآمروا، وهما اللي زوروا توقيعي وأختام الشركة، وهما اللي كانوا عايزين يرموني في السجن ويشردوا بنتك! النيابة هي اللي قابضة عليه بناءً على الأدلة والتحريات، مش أنا اللي تبليت عليه! القانون بياخد مجراه.”
ساد السكون في الشقة، بس السكون ده كان عامل زي فتيل قنبلة الموقوتة اللي مستنية لحظة الانفجار. مكة كانت قاعدة في أوضتها خايفة، وكل ما تسمع صوت التليفون تترعش وتجري علينا وتحضنني.
عدت ساعتين، والساعة كانت داخلة على واحدة بعد نص الليل. فجأة، سمعنا صوت صريخ ودوشة جاية من الشارع تحت العمارة!
صوت حماتي كان واضح وهو بيلعن ويسب وبيستغيث بالجيران: “تعالوا شوفوا يا ناس! تعالوا شوفوا الابن العاق اللي رمى أمه وطردها، ومحفز مراته تحبس أخوه الوحيد! يا ناس الحقوني، ابني الكبير هيضيع في السجون عشان خاطر الهانم بنت الفلاحين!”
الناس بدأت تفتح البلكونات والشباك، والصوت بدأ يعلى ويترد في الشارع كله. يونس قام وقف زي المخبول، وشه بقى أحمر من كثرة الدم اللي اتدفق في عروقه من الغضب والخجل: “دي جتي تحت العمارة فعلاً! دي عايزة تفضحنا قدام خلق الله كلهم!”
نزل يونس جري على السلم، وأنا جَريت وراه ومسكت فيه عشان ما يعملش حاجة يندم عليها تحت تأثير الغضب. أول ما فتحنا باب العمارة تحت، لقينا حماتي واقفة في الشارع، طالعة بشعرها ومقطعة هدومها ومجمعة الجيران والبوابين والمارة حواليها، بتلطم على خدودها وبتبكي بدموع التماسيح.
أول ما شافت يونس، صرخت وقالت: “أهو يا ناس! أهو الابن اللي ربيته وسهرت عليه، جالي النهارده يرميني في الشارع ويحبس أخوه الكبير اللي كان سند له! مراته الساحرة عملت له عمل وخليته يبيع دمه وشرفه!”
الجيران كانوا واقفين يبصوا لينا بنظرات اتهام وشك، بعضهم كان بيتهمس، والبعض التاني كان بيحاول يهدّي فيها.
يونس وقف في نص الشارع، وجسمه كله بيتفض، وبص لأمه وقال بصوت هز العمارة والمحلات اللي في الشارع كلها، صوت طالع من حرق دم وسنين من الظلم:
“بس بقى يا أمي! كفاية كذب وفضايح لحد هنا! كفاية تمثيل على الناس! أنتي فاكرة إن الناس مش عارفة الحقيقة؟ فاكرة إن ربنا مش شايف السواد والغل اللي في قلبك؟”
التفت يونس للجيران وقال بصوت عالي وهو بيشاور عليا وعلى أمه: “يا ناس يا اللي واقفين وبتتفرجوا! المرأة دي هي أُمي على رأسي، بس أُمي دي هي اللي حطت الدهب في شنطة مراتي عشان تتهمني بالسرقة وسكتت وحفظت سرها! وأمي دي هي اللي حطت الخمسين ألف جنيه في دولاب مراتي ولبستها تهمة سرقة قدام بنتي الصغيرة، وبنتي صورتها فيديو وهي بتعمل كده!”
الناس بدأت تتهامس بصدمة، وبعض الحريم اللي واقفين كتموا بقهم بإيدهم من الهول.
يونس كمل وهو بيصرخ ودموعه نازلة: “ولما كشفتها وما طردتهاش، راحت اتفقت هي وأخويا مجدي وصاحبه وزوروا توقيع مراتي في شركة توريدات ولبسوها قضية تزوير واختلاس كان ممكن تتسجن فيها عشر سنين! والنيابة هي اللي جابت التزوير وهي اللي أمرت بحبس أخويا لما اعترف صاحبه إنه اتأمر معاه بضغط من أمي! أنتم يرضيكم يا ناس مراتي تتسجن بالباطل علشان أرضي غل أُمي؟ يرضيكم بيتي يتخرب وشرفي يتفضح بالكدب؟”
الكلام نزل على الشارع زي الصاعقة. حماتي وُشها اتقلب أصفر، والدموع اللي كانت بتنزل منها جفت فجأة، وبدأت تتلعثم وتحاول تنكر: “أنت كذاب! أنت بتتبلى على أمك علشان خاطر دي! دي محفزاك عليا!”
في اللحظة دي، واحد من كبار الجيران في المنطقة، راجل حاج كبير ومحترم، قرب من يونس وطبطب على كتفه وقال لحماتي بحزم وقسوة: “اتقي الله يا حاجّة! اتقي الله في ابنك وفي بيته! إحنا عارفين حور وعارفين أخلاقها طول السنين اللي عاشتها معانا في العمارة، عمرنا ما شفنا منها غير الأمانة والأصل الطيب. عيب عليكي تعملي في ابنك كده وتفضحي عيلتك عشان غل وحقد! اتقي الله قبل ما تقابلي ربنا!”
حماتي لما لقيت إن الشارع كله اتقلب ضدها، وإن كذبتها ومظلوميتها المزيفة اتكشفت قدام الكل، وقفت تبص لينا بنظرات كره وغل لا توصف. رفعت إيدها بالدعاء عليا وعلى يونس وبنتي وقالت بصوت مليان سم: “ماشية يا يونس.. ماشية! بس اقسم بالله ما هسيبكم تتهنوا بالبيت ده، وهتشوفوا السواد اللي هيجرى لكم من دعايا عليكم!”
سحبت نفسها ومشيت في الشارع وهي بتبص وراها بشر، والجيران بدأوا يتفرقوا وهما بيدعوا عليها ويواسوا يونس على المصيبة اللي ربنا ابتلاه بيها في أمه وأخوه.
طلعنا الشقة، ويونس كان مكسور كسرة مالهاش مثيل. قعد على الأرض وتسند على السرير، وحط وشه بين إيديه وبكى بحرقة وصوت مسموع. قربت منه وحضنته، ومكة جرت وحضنته من الناحية الثانية، وفضلنا قاعدين كده لحد ما الفجر أذن.
عدت الأيام، والقضية بتاعة مجدي كانت شغالّة في النيابة. المحامي بتاع مجدي جه لحد بيتنا، وترجانا إني أروح أغير أقوالي أو أقول إن فيه تشابه أسماء أو أتنازل عن حق المدني علشان مجدي يقدر ياخد إخلاء سبيل أو عقوبة مخففة.
يونس بص للمحامي وقال له: “يا أستاذ.. مجدي تآمر على شرف مراتي، وكان عايز يدمر مستقبلها ويسيب بنتي من غير أم. أنا مش هجبر مراتي على تنازل، والحق حق.. اللي يغلط يتحمل نتيجة غلطه.”
لكن أنا كنت شايفه يونس كل يوم بيموت بالبطيء. يونس كان بيحب أخوه، ورغم كل اللي عمله مجدي، يونس كان حاسس بالذنب إن أخوه الكبير مقبوض عليه في قضية تزوير وبلاغ كاذب. عينيه كانت فاضية، وأكله قل، وكان بيفضل يسرح بالساعات وهو بيفكر في المصير اللي وصلت له العيلة.
في يوم، قعدت مع نفسي وفكرت ملياً. قولت لنفسي: “أنا أخدت حقي.. وكرامتي اتردت قدام جوزي وأهله والجيران والنيابة، وربنا نصرني وأظهر برائتي. لو أصرّيت على حبس مجدي، يونس هيفضل مكسور طول عمره، ويمكن الجرح ده يفضل معلم بيني وبينه حتى لو هو مش معترف ده دلوقتي.. أنا مش هسيب حماتي تكسب وتخرب بيتي من بعيد.”
روحت ليونس وقعدت قدامه، وقولت له بنبرة هادية ومصممة: “يونس.. أنا هروح بكرة مع المحامي للنيابة.”
يونس بصلي باستغراب وخوف: “تروحي تعملي ايه يا حور؟”
قولت له: “هتنازل عن الحق المدني بالنسبة لمجدي.. وهقول للنيابة إن مجدي اتغرر بيه من صاحبه عادل، وإننا متسامحين في شقنا الشخصي عشان خاطر صلة الرحم وعشان خاطرك أنت يا يونس.”
يونس اتسمر في مكانه، وعينيه وسعت من الصدمة: “أنتِ بتقولي ايه يا حور؟ بعد كل اللي عملوه فيكي؟ بعد ما كانوا عايزين يسجنوكي؟”
رديت عليه بدموع وابتسامة صادقة: “أنا بعمل كده عشانك أنت يا يونس.. عشان أثبت لك ولأهلك وللدنيا كلها مين هي حور اللي حماتك كانت عايزه تخلص منها. أنا أصل وطيبة ومتربية على الأصول، ومش هكون سبب في خراب عيلة أو حبس أخ.. حقي أخدته بربي وبوقفتك جنبي، لكن كرم الأخلاق هو اللي هيفضل.”
يونس بكي، وجري عليا ومسك إيدي وباسها وهو مش مصدق الكرم والأصل اللي فيا: “أنتِ إنسانة مش طبيعية يا حور.. أنتِ جوهرة ربنا رزقني بيها وأنا مكنتش عارف قيمتك! أنا فداء برجلك يا حور!”
بالفعل، ثاني يوم روحت مع المحامي للنيابة، وقدمت إقرار رسمي بالتنازل عن الشق المدني، ووضحت القاضي إن فيه صلة قرابة وإني متسامحة لوجه الله تعالى وعشان خاطر زوجي وبنتي. التنازل ده ساعد مجدي جداً، والقاضي قرر الإفراج عنه بكفالة مالية مع إيقاف التنفيذ وإلزامه بغرامة، بينما عادل صاحب شركة التوريدات لبس القضية والتزوير لإن الإيصالات والأختام كانت من شركته هو.
خرج مجدي من السجن بعد أسبوعين، وشه كان مكسور، وجسمه خاسس، وكرامته كانت في الأرض.
أول ما خرج، مكنش قادر يواجه الناس ولا يرفع عينه في يونس. حماتي استقبلته بالدموع والزغاريد، وكانت فاكرة إن المحامي هو اللي خرجه بذكائه، بس مجدي وقف قدام أمه في البيت وقال لها بصوت مكسور ومهزوم:
“متزغرديش يا أمي! متزغرديش يا أختي! اللي خرجني من السجن ومن التزوير اللي كنت هعفن فيه مش المحامي ولا شطارتك.. اللي خرجتني هي حور! حور اللي روحت أنا وأنتي نتبلى عليها ونلبسها قضية! حور هي اللي راحت للنيابة وتنازلت وقالت للقاضي أنا متسامحة عشان خاطر جوزي وصيانة لصلة الرحم!”
حماتي اتصدمت، والكلمات اتجمدت في حلقها، وبصت لمجدي وهي مش مصدقة: “أنت بتقول ايه؟ حور التنازلت لك؟”
مجدي صرخ في وش أمه والدموع في عينيه: “ايوه حور! المرأة اللي كنتِ عايزه تطلقيها وتدبيها في مصيبة، طلعت أرجل وأحسن منا كلنا! طلعت يصون شرفنا وأصلنا وأحنا كنا بننهش في لحمها! حرمت عليا دخولة بيتك يا أمي لو فكرتي تمسي شعرة منها تاني أو تتكلمي عليها بنص كلمة!”
مجدي ساب البيت وخرج، وراح لبيت يونس.. خبط على الباب بكل انكسار.
أول ما يونس فتح له، مجدي اترتمى في حضن أخوه الصغير وهو بيعيط زي الطفل، وبيستسمحه ويطلب منه العفو. ويونس حضن أخوه وبكى معاه.
مجدي التفت ليا، ووطى رَأسه للأرض وقال بصوت متقطع: “سامحيني يا حور.. أنا أسف، أنا كنت أعمى ومسحوق ورا كلام أمي وغلها.. أنتِ أختي وليكي حق فوق رأسي، ولو طلبتي عمري دلوقتي هدهولك.”
قلت له بكل رقي واحترام: “المسامح كريم يا أبو نسب.. المهم إن الحق ظهر، وإن يونس رجع له أخوه، وإن بيتي يفضل يعيش في أمان.”
افتكرنا إن القصة انتهت لحد هنا.. وإن المصائب خلاص اتفتحت واتقفلت على خير، وإن حماتي بعد الدرس القاسي ده والتضحية اللي عملتها هترجع لعقلها وتستحي من نفسها وتطلب العفو..
لكن الحقيقة كانت أبشع بكثير!
حماتي لما لقيت إن ابنها الكبير مجدي انقلب عليها وراح يترجى حور ويسامحها، وإن الشارع والعيلة كلهم بقوا شايفين حور ملاك وأصل وطيبة وهما الخاينين الأشرار، العظمة والغل في قلبها اتضاعفوا مية مرة!
الغل أتحول لمرض عُضال.. وحماتي قررت تنفذ آخر كارت عندها، كارت مش هيخرب البيت بس.. ده كان كارت هيدمر حياة يونس بالكامل، وهيدفعه إنه ياخد قرار مجنون وهيغير مجرى حياتنا كلنا للابد!
في ليلة جمعة، وبعد شهر من الهدوء الزائف.. جرى حادث في بيت حماتي هز المنطقة كلها، وتليفون يونس رن في نص الليل وصوت المستشفى بيقول له: “الحق يا أستاذ يونس.. والدتك في العناية المركزة بين الحياة والموت، وسايبالك جواب موجه ليك باسمك قبل ما تشرب السم!”
#الكاتب_رومانى_مكرم_روميو
يونس طار على المستشفى زي المجنون، ورجله مش شايلاه من الرعب. وصل للعناية المركزة ووشه أسود زي الطين، وأنا ومكة وراه، ومجدي كان واقف هناك يلطم على وشه ودموعه مغرقة الأرض.
الدكاترة كانوا داخلين طالعين بيجروا، والمغسلة وغسيل المعدة شغال، والجو كان يتكتك من الخوف. الظابط بتاع المستشفى قرب من يونس واداله جواب مقفول بدمها، وقال بحزم: “المريضة سابت الجواب ده قبل ما تفقد الوعي، والمحضر اتفتح بإنها محاولة انتحار بمادة سامة.”




