
الباب كان بيتخبط في نص الليل بعنف ورزع يرج العمارة كلها، صوت الخبط كان يحيي الميتين ويقبض القلب.
يونس قام مرعوب من النوم، مسك قميصه لبسه بسرعة وفتح باب الشقة وهو مش فاهم فيه ايه.. اتفاجئنا بأخوه الكبير “مجدي” واثنين من أعمامه واقفين على الباب، وعيونهم تطاير شرار، ووشوشهم مظلمة زي الليل.
مجدي زق الباب بصدره ودخل، ومن غير ما يسلم ولا يتكلم، صرخ في وش يونس: “بقى كبرت يا يونس وبقيت تطرد أمك في الشارع في أنصاص الليالي عشان خاطر الهانم؟ بقيت تبيع أمك اللي كبرتك وربتك عشان كلام نسوان؟”
يونس اتراجع خطوة ومسك نفسه، وبص لأعمامه وقال بكل احترام لكن بصلابة: “أتفضلوا الأول يا جماعة.. افهموا اللي حصل وما تتسرعوش، أمي ما أطردتش، أمي هي اللي عملت…”
عمي الكبير “حسين” قطعه بصوت حاد ورفع إيده في وشه: “بلا عملت بلا زفت! أمك جتلنا الدار دموعها مغرقة وشها، وجسمها يترعش من القهرة، بتقول إن مراتك اتهجمت عليها وشتمتها وأنت وقفت تتفرج ورميت هدوم أمك وراها في الشارع! ده الأصول اللي تربيت عليها يا ابن أخي؟”
حماتي مكنتش ساكتة.. راحت لأهل جوزي كلهم، وعملت مظلومية السنين، وحكت لهم قصة من خيالها المريض، قلبت فيها الحق باطل والباطل حق، ونسيت الفلوس والفيديو وتزوير التهمة، وحولت القصة إنها شافتنار بنسرق وبنجمع فلوس من ورا يونس ولما واجهتنا، اتفقنا أنا وبنتي عليها وطردناها!
أنا كنت واقفة ورا حيطة المطبخ وجسمي بيكلني من الظلم، مكة بنتي كانت ماسكة في جلابيتي وبتعيط بكتام.
يونس بص لأخوه ولأعمامه بنفاذ صبر، وطلع الموبايل من جيبه بكل هدوء وقال: “أمي قالت لكم كده؟ طب تعالوا اتفرجوا على أمي الشريفة العفيفة وهي بتعمل ايه في أوضة نومي.”
شغل يونس الفيديو وحطه قدام عين مجدي وأعمامه.
الهدوء ساد الصالة، الصوت الوحيد كان صوت الفيديو، وصوت حماتي وهي بتتسحب جوه الأوضة وبتدبس لفة الخمسين ألف جنيه وسط هدومي المغسولة وهي بتهمس وتدعك إيدها بخباثة.
مجدي عينيه وسعت من الصدمة، وأعمامي الاثنين اتسمروا مكانهم، وشوشهم جابت ألوان، ونظرة الهجوم الشرسة اللي دخلوا بيها بدأت تتلاشى وتبدل بذهول واستنكار.
يونس اتكلم بنبرة كسر وجع: “شفتوا؟ دي المرة التانية.. المرة الأولى قطعت الدهب بتاعي وحطته في شنطة مراتي وكسرتني قدامها وخلتني أشك في مراتي سنة كاملة! والمرة دي كانت عايزه تخرب بيتي وتخليني أمد إيدي على أم بنتي وأظلمها بفرية! مين بقى اللي انظلم؟ ومين اللي طرد مين؟”
مجدي مسح وشة بإيده، وقعد على أقرب كرسي وهو مش قادر يصدق، أعمامي بصوا لبعض بصدمة، وعمي حسين قال بصوت واطي: “أستغفر الله العظيم.. أستغفر الله العظيم.. معقولة أمك تعمل كده يا مجدي؟”
لكن كبرياء مجدي ومحاولته إنه يدافع عن صورة أمه خلته يصرخ في يونس: “حتى لو عملت كده! دي أمك يا يونس! جزمة أمك فوق رأسك ورأس مراتك! تعاتبها بينك وبينها، تترجى رجليها، لكن ما تطلعهاش بره بيتك يا خايب! أنت كده عريت أهلك قدام الغريبة!”
كلمة “الغريبة” نزل عليا زي السكينة. طلعت من ورا الحيطة ووقفت قدامهم بقلب ميت، الدموع مغرقة وشي بس صوتي كان طالع زي الصخر:
“أنا مش غريبة يا أستاذ مجدي! أنا مراته اللي صايناه في غيابه وحضوره! أنا اللي سكت سنة كاملة على تهمة الدهب وعشت في نكد وشك علشان ما أهدش البيت وما أكسرش كلمة يونس قدام أمه! أنا اللي بنتي كانت هتروح في الرجلين وتتعلم إن تيتة بتركب الناس التهم! السكوت عن الحق هو اللي عرى العيلة، مش أنا!”
يونس وقفي وقالي بكل حزم: “ادخلي جوه يا حور وما تتكلميش، حقك عندي أنا.”
التفت يونس لأخوه وقال: “لو الشرف بالنسبة لك إن مراتي تتظلم وبنتي تتهم بالسرقة علشان أمي ترتاح، يبقى أنا مش عايز الشرف ده يا مجدي. أمي على رأسي من فوق، وأنا مستعد أخدمها بره البيتي وأدفع لها مصروفها لحد ما تموت، لكن عتبة الشقة دي مش هتعتبها تاني إلا لما تعتذر لمراتي وبنتي عن السواد اللي عملته.”
مجدي قام وقف وهو يتنفض من الغضب: “بقى بتفاهل مراتك على أمك؟ طب اقسم بالله يا يونس، لا أنت أخويا ولا أعرفك، والبيت ده مطرود من العيلة كلها لحد ما ترجع لعقلك وتيجي تبوس إيد أمك ورجليها!”
خرج مجدي وأعمامي وقفلوا الباب وراهم بقوة.
البيت رجع يسود فيه الهدوء.. بس الهدوء ده كان عامل زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
عدى أسبوع، ويونس حالته النفسية بتسوء كل يوم، مكنش بياكل ولا بينام، حاسس إنه بين نارين: نار ظلمه ليا ولو مشي ورا أمه، ونار إنه بقى مقاطوع من أهله ومغضوب عليه زي ما أمه ادعت. أنا كنت بحاول أقف جنبه وأخفف عنه، بس المصيبة الكبيرة مكنتش في قطيعة أهله.. المصيبة كانت في الخطة الجديدة اللي حماتي ومجدي بدأوا ينفذوها من ورا ظهرنا.
في يوم، وأنا قاعدة في شغلي بالنهار، جالي تليفون من مدير المحاسبة في الشركة.. بصوت متوتر وقالي: “حور.. أنتي فين؟ فيه كوارث بتحصل في الأوراق بتاعتك، والمباحث المالي جاية الشركة دلوقتي بناءً على بلاغ رسمي مقدم ضدك!”
ركبي خبطت في بعض، الشارع بدأ يلف بيا.. المباحث المالية؟ وبلاغ ضد أنا؟
جريت على الشركة وأنا مش شايفه قدامي، وأول ما دخلت لقيت الظباط واقفين، والمكتب مقلوب.. البلاغ كان مقدم من شركة توريدات، بيمتلكها صاحب مجدي أخو يونس.. وكاتبين في البلاغ إن أنا استلمت منهم مبالغ مالية كبيرة وتحويلات مزورة باسم الشركة لحسابي الشخصي!
حماتي ومجدي مكنش هدفهم بس يخربوا بيتي أو يطلقوني.. كانوا عايزين يلبسوني قضية اختلاس وتزوير تدمر حياتي وأتسجن فيها سنين!
#الكاتب_رومانى_مكرم_روميو
وقفت مسمرة في مكاني وسط مكتب الشركة، الأرض بتلف بيا، وصوت الظابط وهو بيطلب أوراقي الشخصية وبيسأل المدير عن التحويلات المالية كان زي الصدى البعيد في ودني. زمايلي في العمل بيتبادلوا الهمسات والنظرات، وأنا مش قادرة أستوعب إن الغل وصل بحماتي ومجدي إنهم يلبسوني قضية اختلاس وتزوير ومستقبل يسود بين أربعة حيطان!
مدير الشركة بصلي بحيرة وشفقة وقال للظابط: “يا فندم الأستاذة حور معملتش حاجة، دي بقالها سنين معانا ومش شفنا منها غير الأمانة.. أكيد فيه حاجة غلط!”
الظابط رد ببرود وهو بيمسك الملف: “الأوراق اللي قدامنا وفيها توقيعها والأختام بتقول إن فيه مبالغ اتسحبت واتحولت لحساب شخصي، والبلاغ مقدم رسمياً من صاحب شركة التوريدات ومعاه الإيصالات.. والموضوع ده هيتحقق فيه في النيابة.”
إيدي كانت بتترعش وأنا بمسك الموبايل وأتصل بيونس. أول ما سمع صوتي وأنا بعيط وبشهق ومش عارفة أطلع الكلمة، اتخض وصرخ في التليفون: “حور! مالك؟ فيه ايه؟ مكة جرالها حاجة؟”
قلت له بصوت مكسور: “تعالالي يا يونس.. المباحث في الشركة وبياخدوني.. أخوك ومجدي وحماتي عايزين يسجنوني!”
يونس وصل الشركة في أقل من ربع ساعة، وشه كان أصفر زي الورقة ومذعور. أول ما شافني واقفة بين أمناء الشرطة، جرى عليا وحضنني قدام الكل وهو بيتنفض: “فيه ايه؟ ايه اللي بيحصل هنا؟”
الظابط شرح له الموقف ورواه صورة الإيصالات المنسوبة ليا والتوقيعات. يونس أول ما شاف اسم صاحب شركة التوريدات، عينيه وسعت من الصدمة ورجع لورا خطوة.. الاسم كان “عادل”، الأنتيم والصديق المقرب لمجدي أخوه!
يونس بص للظابط وقال بصوت متقطع من القهرة: “دي كذبة! دي تمثيلية معمولين عشان يهدوا بيتي ويسجنوا مراتي! صاحب الشركة ده صاحب أخويا الروح بالروح، وهما متفقين مع بعض عشان يلبسوها التهمة!”
الظابط قال بحزم: “الكلام ده تقوله في النيابة يا أستاذ، إحنا بننفذ أوراق ورسميات.”
أخدوني على قسم الشرطة، وفي السلخانة دي من العذاب، يونس مقتعدش ثانية واحدة. ساب شغله وجري على أكبر محامي، وبدأ يتحرك في كل الاتجاهات وهو حاسس إن السكينة مسنونة على رقبة مراته اللي ظلمها قبل كده وندم.
في القسم، مجدي جى مع صاحبه عادل، وكان واقف حاطط إيده في جيبه وعلَى وشه ابتسامة انتصار وتكَبُر. قرب من يونس وهو بيوشوشه بخباثة: “شفت بقى يا يونس لما عاندت أمك وجيت على كرامتها؟ قولتلك جزمة أمك فوق رأسك أنت وهي.. اديك شايف الهانم رايحة النيابة وهتلبس كفالة وتخش قضايا وتتسجن سنين.. لو عايز الحوار ده ينتهي وصاحبي يسحب البلاغ، قدامك خيار واحد ملهوش تاني.”
يونس مسكه من ياقته بصدمة وصرخ: “عايز ايه يا مجدي؟ بتبيع شرف أخوك وبتسجن مراته بالباطل عشان ترضي جشع ونقص؟”
مجدي زق إيد يونس بكل قسوة وقال: “تطلقها! تطلق حور وتكتب ورقة إنها مالهاش أي حقوق عندك، وتجيبها تحت رجلين أمك تبوس إيدها ورجليها وتطلب العفو، وساعتها عادل هيقول إنه كان تشابه أسماء أو خطأ مطبعي ويسحب البلاغ.. غير كده، مراتي المستقبلية اللي هي حور هتعفن في السجن!”
يونس بص لأخوه بنظرة كره وذهول، مش قادر يصدق إن ده الدم اللي بيجري في عروقه.. أخوه بيبتزه بشرف مراته وحريتها!
المحامي اللي يونس جابه كان ذكي ومفتح، وقعد مع يونس في جنب وقال له: “القضية كيرفها متقفل بالإيصالات والتوقيعات المنسوبة لحور، بس الكعب الأكيل في القضية دي هو حساب البنك والتاريخ! المبالغ دي بتقول إنها اتسحبت في أيام معينة.. إحنا لازم نثبت إن حور في الأيام دي مكنتش في القاهرة أصلًا أو كانت محجوزة في مكان تاني، والتوقيعات دي لازم تنزل للطب الشرعي فوراً لإثبات التزوير.”
يونس افتكر حاجة مهمة جدًا! الأيام اللي مكتوب فيها الإيصالات، كانت حور محجوزة في المستشفى بتعمل عملية استئصال الزائدة، ومعاه تقارير طبية رسمية ومختومة بختم النسر وروشتات وبصمات ورود بالدخول والخروج!
الطب الشرعي والأوراق الطبية كانت هي طوق النجاة. المحامي قدم طلب عاجل للنيابة للطعن بالتزوير واستدعاء أطباء المستشفى للشهادة، ومع تقديم التقارير الطبية المعمدة اللي بتثبت وجود حور في الغرفة تحت البنج في نفس الساعة والتاريخ اللي اتكتب فيه الإيصال، النيابة أمرت بتفريغ كاميرات البنك وكاميرات شركة التوريدات!
المفاجأة اللي قلبت الطاولة ومحدش كان عامل حسابه ليها.. كاميرات شركة التوريدات أظهرت إن اللي كان بيبصم ويوقع بالأوراق المنسوبة لحور، كانت ست متغطية بوشها.. ولما جابوا تفريغ الاتصالات، لقيوا مكالمات مكثفة بين مجدي وصاحبه عادل في نفس يوم تحرير الإيصالات المزورة!
وكيل النيابة بذكائه واجه عادل وصاحبه بالأدلة، ولما حاصره بالطعن بالتزوير وعقوبة التزوير في أوراق رسمية والبلاغ الكاذب اللي عقوبتها السجن المشدد، عادل انهار في التحقيق واعترف: “والله يا فندم مجدي هو اللي زقني! قال لي أمي تعبانة ومظلومة ومرات أخويا طاردة أمي وعايزين نأدبها ونخلي أخوه يطلقها، وهو اللي زور التوقيعات وجاب واحدة قريبة أمه تقلد التوقيع!”
السر اتكشف أمام النيابة، وأمر وكيل النيابة فوراً بالإفراج عني وبراءة ذمتي تماماً، وأصدر أمر بضبط وإحضار مجدي وصاحبه بتهمة التزوير والبلاغ الكاذب وتلفيق القضايا!
خرجت من النيابة وأنا مش مصدقة، يونس أخدني في حضنه وسط الشارع وهو بيعيط بحرقة، وبيقولي: “حقي عليا يا حور.. والله العظيم لأجيبلك حقك وحق بنتك من كل واحد فكر يمس شعرة منك!”
مجدي أتدبس في القضية، وهرب هو وصاحبه، وحماتي لما عرفت إن ابنها الكبير مطلوب للقبض عليه ومتهدد بالسجن، أكلت نفسها من العياط والحرقة، ولفت بيها الدنيا ورجعت تاني تصرخ وتلطم، بس المرة دي مش كدب.. المرة دي ابنها في مصيبة سودة من عمل إيديها وغلها!
بعد يومين من صدور أمر الضبط، وأنا ويونس قاعدين في البيت بنحاول نرجع الهدوء لحياتنا، تليفون يونس رن.. المرة دي كانت حماتي بنفسها، صوتها كان مكسور ومخنوق بالعياط والرجاء، بتقول له: “الحقني يا يونس! أخوك مجدي اتمسك في كمين ومقبوض عليه.. تعال يا بني انقذ أخوك، روح للنيابة وقول إنك مسامح وخلي مراتي تسحب البلاغ! أخوك هيضيع يا يونس!”
يونس بصلي، وعينيه كان فيها صراع رهيب بين قلبه اللي وجعه على أخوه، وبين كرامة مراته وحقها اللي اتداس عليه..
رد يونس على أمه بصوت صارم: “اللي يتآمر على شرف الناس ويزور ويتهم البريئة بالباطل عشان يسجنها، يستاهل السجن يا أمي.. مجدي حصاد اللي زرعتيه فيه من الغل والافتراء!”
حماتي صرخت: “لو ما أنقذتش أخوك يا يونس، هجي لحد باب بيتك وأولع في نفسي، وهسيبلك الدنيا كلها!”
التهديد كان يرعب، ومحدش كان عارف حماتي ممكن تعمل ايه وهي في قمة جنونها وجرح كبرياءها..
#الكاتب_رومانى_مكرم_روميو




