روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 3

أنفاس جميع من في المحل كانت معلقة بمرمى بصر سعاد. المحامي هز رأسه تحذيراً، وبكار شد عباية أمه بقوة وقال بصوت حاد: “يا ماما.. افتكري كلامه وإحنا في الصالة لما قالك مش عاجبك ملكيش عندي حاجة! افتكري إنه سابنا السنتين دول نتحايل عليه وهو بيبني في الشقة ويفبرك بالأرقام!”

سعاد رفعت إيدها وربدت على إيد ابنها بحنان هادي، بس عينيها ما فارقتش عين أخوها مصطفى اللي كانت الدمعة محبوسة فيها، عين راجل اتكسر كبريائه قدام الناس وضاع شقا سنواته في لحظة طمع.

أخذت سعاد نفس طويل، وخطت خطوة ناحية الفاترينة، وبصت للحاج سليمان وقالت بنبرة فيها هيبة وثبات غير متوقعين: “يا حاج سليمان.. احسبلي من الـ 100 جرام دول بالظبط المبلغ اللي في الشنطة ده يجيب كام جرام بالتمام والكمال بسعر اللحظة دي.”

السايغ ضرب على الآلة الحاسبة، وقال: “المبلغ اللي مع مصطفى يجيب 88 جرام ويا دوب مصنعية الكسر يا أم بكار.. ويفضل لكِ عنده 12 جرام.”

سعاد بصت لمصطفى وقالت بصوت واضح يرن في المحل: “هات الفلوس اللي معاك يا مصطفى.. اشترِي بيها الـ 88 جرام دول، وأنا هقبلهم منك النهاردة كاش ذهب في إيدي. والـ 12 جرام الباقيين.. مش هكتب بيهم شيك ولا هرفع بيهم قضية، ولا هسيبك على باب محاكم.”

مصطفى بص لها بذهول، والمحامي بتاعها اتقمص وقال بغضب: “يا مدام سعاد كده بتضيعي حماية القانون! الإقرار والتنازل لو اتكتبوا دلوقتي القضية هتنقضي!”

سعاد ردت على المحامي وهي باصة لأخوها: “أنا مش عاوزة أحبس أخويا يا حضرة المحامي.. أنا كنت عاوزة أخويا يفوق، يعرف إن حق اليتامى مش للبيع ولا للمساومة، ويعرف إن أخته الأرملة مش حيطة مايلة. الـ 12 جرام الباقيين هعمل بيهم ورقة عرفية بيني وبينه، يدفعهم لي جرامات لما ربنا يوسع عليه، من غير محاكم ولا قضايا.. بالدم والعرف اللي هو نسيهم.”

في اللحظة دي، مصطفى انهار تماماً. الراجل اللي رجع من إيطاليا بقلب قاسي وشايف الفلوس كل حاجة، حط رأسه على حرف الفاترينة وبكى بصوت مسموع. مسك إيد سعاد وباسها قدام السايغ والمحامي والزبائن وقال بصوت مكسور بالدموع: “سامحيني يا سعاد.. أنا الشيطان أعمى بصيرتي، أقسم بالله لو كنت أملك الـ 70 ألف دول ما كنت استخسرتهم فيكِ، بس أنا صفّيت الحساب كله فعلاً. أختي الأصيلة اللي ما أثمرتش فيها القسوة، وظلت أختي السند.”

الحاج سليمان السايغ ابتسم وضرب كف بكف وقال: “الله أكبر.. هو ده الأصل والدم، الذهب بيروح ويجي يا ابني، لكن الأخوة لو راحت ما بتنشتريش بأي مال.”

طلع الحاج سليمان الذهب الموزون، ووضعه على الميزان الحساس قدام الكل: 88 جرام غوايش وسلاسل ناصعة. أخذت سعاد الذهب وحطته في شنطتها، ومصطفى وقع على إقرار التنازل والتسليم، وكتب بيده ورقة دين عرفية بالـ 12 جرام الباقية ملتزماً بردهم كجرامات ذهب أول ما يتنفس مالياً.

المحامي أخذ الورق الرسمي عشان يقدم طلب انقضاء الدعوى للتصالح في النيابة. خرجنا كلنا من محل الصاغة، والشمس كانت بقيت في كبد السماء. مصطفى كان ماشي جنب أخته وبكار، بيحاول يعوض سنتين الجفاء بكلمات اعتذار واهتمام، وسعاد كانت بترد عليه بابتسامة هادية بس فيها أثر جرح قديم بيداوي رويداً رويداً.

رجعت أنا ومصطفى الشقة الجديدة. الشقة اللي كنا فاكرين إننا ملكنا بيها الدنيا.. قعد مصطفى على الكنبة في الصالة، وبص للفرش والحيطان وقالي بصوت تعبان: “تصدقي يا سمر؟ الشقة دي كانت خنقاني طول الأيام اللي فاتت.. كنت حاسس إن الحيطان بتضغط على صدري. النهاردة بس حاسس إني بعرف أتنفس، رغم إن حساسي في البنك بقا صفر!”

قلتله وأنا بقعد جنبه وبطبطب على كتفه: “الفلوس تروح وتيجي يا مصطفى، المهم إننا ناكل لدمتنا بحلال وننام والذمة نظيفة. أختك صانتك قدام الناس وما قبلتش تكسرك، ودي جميلة في رقبتك طول العمر.”

مرت أسابيع قليلة.. مصطفى بدأ يفتش عن شغل جديد في مصر، يفتح بيه باب رزق من الصفر بعد ما تصفى حسابه، وكان بيحاول يتأقلم مع واقع السوق الصعب، ومواجهة الالتزامات اليومية للمنزل والعيال من غير السيولة اللي كانت معاه.

وفجأة.. وفي يوم عادي جداً ومصطفى بيحاول يدبر مصاريف البيت، جاله اتصال تليفوني من رقم دولي من إيطاليا! الرقم كان لشريكه الإيطالي القديم في المزرعة اللي كان شغال فيها قبل ما يرجع.. الشريك اتكلم بنبرة مستعجلة وقاله خبر قلبت كل الموازين من جديد، وخلاه يقف في نص الصالة مش مصدق اللي بيسمعه!

أمسك مصطفى بالهاتف ويداه ترتجفان، وصوت صاحب المزرعة الإيطالي “ماركو” يتردد عبر الهاتف بنبرة حماسية متسارعة: “مصطفى! أين أنت يا رجل؟ لقد بحثت عنك كثيراً! الأوراق التي قدمناها قبل مغادرتك للحصول على الترخيص الزراعي وشراكة الصوب الحديثة تم قبولها رسمياً من الحكومة هنا! المزرعة حصلت على دعم حكومي وتسهيلات كبرى، وأنا بحاجة إليك فوراً لتتسلم إدارة المشروع كشريك بالجهد والمجهود، حصتك في الأرباح محفوظة وموقعة رسمياً، وعليك العودة فوراً للبدء!”

أغلق مصطفى الهاتف، وظل واقفاً في منتصف الصالة كأنه في حلم. تحول وجهه من الشحوب إلى الذهول، ونظر إليّ والدموع تتجمع في عينيه مجدداً، ولكنها كانت دموع الفرج هذه المرة. وقال بنبرة طفولية تخالطها الصدمة: “سمر.. ربنا ما بيضيعش حق حد، ولا بيقفل باب في وش حد استغفر ورجع للحق! السفرية اللي كنت فاكر إنها انتهت، بتتفتح لي تاني ومن باب أوسع.. باب شراكة رسمية وحلال، من غير ما أمد إيدي للحرص أو آكل حق يتيم!”

سجد مصطفى على أرض الصالة سجدة شكر طويلة، يتعالى فيها صوته بالبكاء والبكاء، كأن كل الهموم التي تراكمت على صدره منذ لحظة طمعه في ذهب أخته انزاحت في تلك اللحظة.

خلال أيام معدودة، بدأت الإجراءات. لكن مصطفى هذه المرة لم يكن ذلك الرجل المغرور الذي تعميه المادة؛ بل كان إنساناً آخر تعلّم الدرس من القاع. أول خطوة خطتها قدماه قبل حجز تذكرة الطيران، كانت الذهاب إلى شقة أخته سعاد.

دخل مصطفى الشقة، وكانت سعاد تجلس مع ابنها بكار يراجع دروسه. أخرج مصطفى من جيبه مظروفاً فيه عقد ابتدائياً وتفويضاً رسمياً، وحطه قدام أخته وقال لها بنبرة ملؤها الاحترام: “يا سعاد.. ربنا فتحها عليا تاني ومن وسع، وأنا مسافر إيطاليا كمان أسبوعين بصفتي شريك مش مجرد عامل. العقد ده تفويض بثلث أرباحي اللي هتوصل شهرياً للبنك، تدخل حسابك فوراً لحد ما الـ 12 جرام المتبقيين يتردوا دهب زي ما اتفقنا، وفوقهم إكرامية لعيال أخويا.. وعهد عليا قدام ربنا، مش هيدخل بيتي مليم إلا لما تكوني أنتِ وعيالك شبعانين ومرضيين.”

سعاد بصت لأخوها، والابتسامة الصافية عادت لعلامات وجهها، وقالت له بصوت دافئ: “أنا مش عاوزة غير سلامتك يا مصطفى، وأنك تفضل السند اللي أرفع راسي بيه. الـ 12 جرام هيرجعوا لما ربنا ييسرها، وأنا أدعي لك في كل صلاة إن ربنا يفتحه عليك ويردك لينا سالماً.”

قبّل مصطفى رأس أخته وإيدها، وأخذ بكار في حضنه ووعده إنه هيجيب له معاه أفضل الأجهزة لما يرجع في الإجازة. المرة دي، كانت العيلة متجمعة على صافي، مفيش غش، ولا طمع، ولا دعوة مظلوم تتشال في القلوب.

جاء يوم السفر.. جهّز مصطفى شنطه، وودعنا أنا والعيال في المطار بدموع الفرحة والرجاء، وسافر وهو حاسس إن دعوات سعاد ونقاء نيته المرة دي هما الشراع اللي هيحرك سفينته في الغربة.

مرت ستة أشهر كأنها نسيم.. كان مصطفى يعمل في إيطاليا بجد وإخلاص، يرسل لنا المصاريف بانتظام، ويرسل لسعاد حقها كاملاً غير منقوص حتى اكتملت قيمة الـ 12 جرام المتبقية وزيادة، واشترت سعاد بها قطعاً ذهبية جديدة أضافتها لأمانة أطفالها، وعادت البسمة لبيتها الصغير.

وفي يوم من أيام الشتاء دافئة، تلقت سعاد مكالمة من مصطفى يخبرنا فيها بموعد نزوله في إجازته الأولى بعد الشراكة الجديدة. كانت الشقة الجديدة التي سكنّاها تزينت واستعدت لاستقباله، والكل منتظر عودة “مصطفى الجديد”.. لكن الإجازة دي كانت شايلة معاه مفاجأة كبرى للعيلة كلها، مفاجأة لم تكن في حسبان سعاد ولا في حسبان أي حد فينا!

وصل مصطفى من المطار في ليلة دافئة، واستقبلته الشقة الجديدة بالزغاريد والضحكات التي غابت عن أركانها طويلاً. لم يكن مصطفى العائد هذه المرة هو ذلك الرجل المتجهم المشحون بالطمع والخوف؛ بل كان وجهه مشرقاً ببركة الحلال، وعيناه تفيضان بالرضا.

في اليوم التالي، جمع مصطفى العيلة كلها في صالتنا الكبيرة. كانت سعاد تجلس وبجوارها بكار وأخته، وأنا والعيال نلتف حولهم، والقهوة والحلويات تملأ الطاولة. وقف مصطفى وسط الصالة، وطلب من الجميع السكوت، ثم أخرج من حقيبته الجلدية أوراقاً رسمية ومظروفاً أنيقاً ومخملياً، ووضعه في يد أخته سعاد.

نظرت سعاد للمظروف بحيرة وقالت: “إيه ده يا مصطفى؟ أنت سددت الـ 12 جرام وزيادة، والحمد لله الذهب رجع في أيدي ورزق اليتامى محفوظ، إيه الأوراق دي كمان؟”

ابتسم مصطفى وربد على يد أخته بحنان وقال: “الأوراق دي يا سعاد هي العقد الجديد لمزرعة دواجن ومواشي صغيرة في بلدنا هنا في مصر، الأرض اشتريتها والترخيص اتطلع باسمك وباسم بكار وعيالك. الشراكة الإيطالية جابت خير كتير والحمد لله، وأنا قررت إن أول مشروع استثماري نعمله في مصر يكون ملك لعيال أخويا الأيتام، بجهدي وإدارتي، وأرباحه تتسجل باسمهم عشان يضمنوا مستقبلهم لما يكبروا.”

ثم فتح المظروف المخملي، ليظهر منه عقد شقة جديدة باسم سعاد في البناية المجورة لشقتنا، شقة ملك بداخلها كل ما تحتاجه هي وأولادها لتخرج هي الأخرى من ضيق الإيجار وحسرة السنين!

دمعت عين سعاد وسقطت الدموع على خدودها، ولم تستطع أن تتكلم من شدة الفرحة والصدمة. قام بكار الصغير وقبل رأس خاله، وقال بصوت فخور: “ربنا يخليك لينا يا خالو.. أنت بجد السند.”

نظرت سعاد لأخيها وقالت وهي تمسح دموعها: “أنا ما كانش يهمني غير إنك ترجع لي يا مصطفى.. ترجعلي أخويا الحنين اللي صنت دمي. الفلوس والذهب يروحوا ويجوا، لكن وجودك جمبي بالدنيا كلها.”

أدرك مصطفى في تلك اللحظة أن الـ 100 جرام ذهب لم تكن مجرد سلفة مالية، بل كانت اختباراً إلهياً لقلبه وضميره. اختباراً أثبت له أن البركة لا تأتي بالأرقام والحسابات الضيقة، بل تأتي بنقاء النية، ورد الأمانات لأصحابها، ورضا الأيتام.

وعاشت العائلة من يومها في أمان وراحة بال، تحت سقف الحلال الذي لا ينهار أبداً، بعدما أدرك الجميع أن الذهب الحقيقي ليس الذي يُلبس في المعاصم، بل هو معدن القلوب حين تصدق وتصون العهد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى