روايات وقصص

حكايات ليلى 2

دخلت عربيتين شرطة، ونزل منهم الضباط والأمناء وشدو المحامي والبلطجية في ثواني، وكتفوهم واقتادوهم على البوكس. المحامي كان بيصرخ ويقول: “أنا المحامي بتاع القضية! أنا جاي أتفاوض!”، بس الضابط رد عليه بحزم: “تتفاوض بسلاح وبلطجية وفي نص الليل وفي ملك غيرك؟ حسابك تقيل يا متر أنت ومحامي العيسوي اللي باعتك!”.

الشارع رجع هدي تاني، والمكان فضي ومبقاش فاضل فيه غيري أنا ومحمود اللي كان واقف مرعوب ونزل على الأرض تاني يعيط زي الأطفال، جسمه كله بيترعش من الهول اللي شافه في كم دقيقة.

قعدت على الدكة الخشب اللي قدام الباب، وبصيت له وهو بيبكي تحت رجلي.

محمود رفع رأسه وهو بينحب: “أمي.. سامحيني.. أنا السبب في كل ده.. أنا اللي دخلت الأشكال دي حياتنا، أنا اللي وسخت اسمنا وهنتك.. أنا كنت عبيط ومشايف حاجة.. والله مستعد أعيش تحت رجليكي خدام طول العمر بس ما تسيبنيش لوحدي.. أنا اتدمرت يا أمي، شغلي سيبته، والشقة مش قادر أدخلها من غيرك، والناس في كل مكان بيستحقروني ويقولوا لي يا بايع أمك!”.

بصيت له بوجع الأم اللي قلوبها بيتقطع على ابنها، بس بقسوة الست اللي اتغدر بيها في شيبتها.

قلت له بصوت راخي بس صلب: “عارف يا محمود.. الجرح اللي يجي من الغريب بيلم مع الوقت، بس الجرح اللي بيجي من الابن اللي شقيت عليه وغسلت هدومه بدموع عينيك، مابيموتش. أنت مبعتنيش عشان هناء ضحكت عليك.. أنت بعتني عشان أنت من جوة كان عندك استعداد تبيع. أنت استسهلت ترميني في دار مسنين عشان تشتري دماغك وترضي مرتك. أنت شفتني بدوخ وأموّت بالبطيء وقلت معلش دي كبرت وخرفت!”.

محمود صرخ بدموع: “والله ما كنت أعرف إنها بتديكي سم! والله ما كنت أعرف يا أمي!”.

قلت له: “عدم معرفتك تهمة أكبر يا محمود! الأب والابن لما يكون عندهم نورهان في البيت، بيحس بنظرة عين أمها. أنت لغيت وجودي، ولما هناء قالت لك ‘كبرت وحان وقت الدار’، أنت هزيت رأسك وسكت.. سكوتك ده كان أترق من سم هناء في جوفي”.

محمود مسك جلابيتي وباسها: “أبوس إيديكي يا أمي.. اعاقبيني، اضربيني، خد مني كل حاجة، بس قولي لي إنك مسمحاني.. أنا ماليش غيرك في الدنيا دي!”.

سحبت جلابيتي من إيده بكل هدوء، وقمت وقفت وقلت له: “أنا مش هكرهك يا محمود.. أنت ابني اللي ولدته وسهرت عليه، والكره ده بياكل قلب صاحبه. أنا مسامحاك لوجه الله عشان ألقى ربنا بقلب سليم.. بس المسامحة حاجة، والرنوع زي زمان حاجة تانية خالص”.

محمود بص لي بذهول: “يعني إيه يا أمي؟ مش هترجعي معايا؟”.

قلت له بثبات: “أنا حياتي القديمة ماتت يوم صباح العيد، لما شوفت النذالة في عينيك وعين مرتك. أنا هنا في بيت أبويا شريفة ومكرمة، الأرض بتصرف عليا، وناسي وأهلي في البلد حواليا. الشقة بتاعتك اللي في القاهرة، أنا نازلت لك عن نصيبي فيها رسمي، مش عايزة منها قشرة بصلة.. ورزقك وحياتك أنت اللي تصنعهم من جديد”.

محمود دموعه جفت من الصدمة وقال: “يعني هتسيبيني لوحدي؟”.

رديت عليه وأنا بفتح باب البيت وبدخل جوة: “أنت اللي اخترت تكون لوحدك لما سيبتني لوحدي يا محمود. بكره النيابة هتطلبك تاني عشان القضية الكبيرة بتاعة محاولة القتل والتزوير والابتزاز، تروح وتقول الحقيقة كامة لو عايز تطهر نفسك قدام ربنا.. لكن أنا، خلاص.. قافلة بابي على نفسي وعلى اللي فاضل من عمري”.

محمود وقف مكانة مذهول، وحاول يخطو خطوة جوة البيت، بس أنا مسكت الباب وقلت له جملة أخيره خلت الأرض تلف بيه:

“استنى يا محمود.. قبل ما تمشي، فيه حاجة أخيره لازم تعرفها عن هناء وأهلها.. حاجة هتخليك تفهم إن اللي حصل ده كله مكنش مجرد طمع في شقة.. ده كان انتقام قديم من عيلتك أنت ما تعرفش عنه حاجة، والورقة اللي في جيب المحامي اللي اتمسك دلوقتي، فيها سر هيقلب حياتك وحياة العيلة كلها رأس على عقب لما تفتح في التحقيق بكره!”.

قفلت الباب في وشه بكل قوة، وسبته واقف في الظلمة برة، يسمع صوت الدقات المتسارعة لقلبه، وصوت التكبيرات اللي كانت لسه بتردد في المايكرفون بتاع المسجد القريب.. وهو مش فاهم إيه السر الرهيب اللي هناء كانت مخبياه، وإيه اللي مستنيه بكره في أروقة النيابة!

وقفت ورا الباب المقفول، سامعة صوت خطوات محمود وهي بتتراجع ببطء في الشارع، كأنه شايل جبل على كتفه. في اللحظة دي، مكنش فيه في قلبي غير شموع هادية من السكينة، وقوة غريبة أول مرة أحس بيها من يوم ما طلعت الدنيا.

تاني يوم الصبح، كانت الشمس طالعة بتنور حوش البيت القديم. رحت النيابة العامة بناءً على استدعاء عاجل لاستكمال التحقيقات، ومعايا “حمادة” جارنا والمحامي بتاعي.

أول ما دخلت السرايا، شفت محمود قاعد على كرسي الخشب بره، وشه باهت كأنه ميت، وعينيه منفخة من البكاء. أول ما شافني، قام وقف وراسه في الأرض، وما قدرش يرمش ولا ينطق بكلمة.

دخلنا لسيادة وكيل النيابة، وكانت “هناء” قاعدة في الكلبشات ومحيطة بحراسة شديدة، ووشها مليان انكسار وغل.

وكيل النيابة فتح الملف اللي قدامه، وبص للمستندات والورق اللي اتظبط مع محامي هناء ليلة أمس في القرية، وقال بصوت جهوري: “بناءً على الاعترافات التفصيلية للمتهمة والمحامي، والأوراق المضبوطة.. اتكشفت الحقيقة الكاملة”.

بص وكيل النيابة لمحمود وقال له: “أنت يا أستاذ محمود كنت مجرد أداة مغفلة. المتهمة هناء اتجوزتك من البداية بتخطيط من والدها، اللي كان شريك سابق لوالدك المرحوم من تلاتين سنة، وانتهت شراكتهم بخسارة والدها وإفلاصه، فزرع بنته في بيتكوا عشان تنتقم وتسترد اللي كانت فاكراه حق أبوها.. التسجيلات والأوراق أثبتت إنها مكنتش عاوزة الشقة بس، دي كانت بتنقّل كل حساباتك وشركتك باسمها وباسم أهلها بالتدريج، وكانت ناوية بعد ما تدس السم لوالدتك وتخلص منها في الدار، تخلص منك أنت كمان بحادثة مفتعلة وتورث كل حاجة رسمياً!”.

الصدمة نزلت على محمود زي الصاعقة. بص لهناء بعيون مرعوبة وصرح بصوت هز القاعة: “أنا؟! أنا اللي حبتك وجبتك من الفقر وحطيتك على رأسي؟! كنتِ بتخططي لموتي وموت أمي؟!”.

هناء ما ردتش، وطأطأت رأسها في الأرض بعد ما انفضحت كل أوراقها وسقطت أقنعتها للأبد.

أمر وكيل النيابة بإحالة هناء ومحاميها ووالدها إلى محكمة الجنايات بتهم الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير في أوراق رسمية، والتشكيل العصابي للاعتداء على النفوذ والممتلكات.

خرجنا من سرايا النيابة، والشمس في قلب الشارع كانت دافية. محمود نزل على ركبه في وسط الشارع قدام كل الناس، يبكي بحرقة ويدق الصدر بالندم، وبيصرخ: “سامحيني يا أمي! أنا ضيعت نفسي وضيعتك.. أنا كنت مغفل وأعمى! قدمت اللي خانتني على اللي شقيت عشان تبنيني!”.

وقفت قدامه، وبصيت له بعين الرحمة بتاعة الأم، بس بصرامة الست اللي ردت كرامتها وحقها بالقانون والعقل.

رفعت رأسه بإيدي وقلت له: “أنا مسامحاك يا محمود.. مسامحاك عشان أنت ابني وقطعة مني، وعشان عايزاك تبدأ نظيف من غير غل. بس الدروس الغالية ما بتيجيش ببلاش.. الشقة والبيت والأرض هيفضلوا باسمي، وأنت هترجع تبني نفسك من الصفر بعرقك وشقاك، وتعرف إن الأم خط أحمر، وإن اللي يفرط في أصله.. الدنيا بتفرط فيه”.

سيبته قايم بيغسل وشه بدموع الندم والتوبة، وركبت عربيتي ورجعت لقريتي وبيتي الدافي بين أهلي وناسي اللي بيحبوني.

رجعت لصحتي وضحكتي، وعرفت إن الحق مهما اتأخر أو حاول الخبث يداريه، بييجي اليوم اللي ينور فيه، وأن قسوة الظروف ما هي إلا اختبار بيبيّن الذهب النقي من المعدن الصدي.

وجلسة العيد القديمة اللي كانت في دار المسنين.. أتحولت لأيام عز وراحة وكرامة في أحضان بيتي، وأنا مرفوعة الرأس وسط الكل.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى