
الضابط بص لي وقال بكل احترام: “يا حجّة، البلاغ اللي قدمتيه أنتِ والأستاذ حمادة الصبح بالطب الشرعي والتسجيلات اتفحص، ومعانا إذن من النيابة وضبط وإحضار”.
دخل الضابط الصالة، عينيه جات على التسجيل اللي لسه شغال على الشاشة. هناء كانت بتعيط بحرقة وبتحاول تستخبى ورا محمود، بس محمود زقها عنه بإيديه الاثنين وقدم خطوة لورا وهو بيعيط بحسرة على غفلته وسذاجته طول السنين دي.
الضابط قرب من هناء وقال بصوت حاسم: “يا هناء، أنتِ متهمة بمحاولة الشروع في قتل بالتسميم البطئ، والتزوير في أوراق رسمية، والاستيلاء على ملكية الغير”.
أمناء الشرطة قربوا منها وحطوا الكلبشات في إيديها. المكان اللي كان من شوية مليان تجبر وقسوة، أتحول لصرخات وتوسلات من هناء وهي بتترجاني: “سامحيني يا حماتي! والله العظيم الشيطان غواني! يا محمود قول حاجة، رد عليا يا محمود!”.
محمود سكت، نزل على ركبه في الأرض عند رجلي، حاطط وشه بين إيديه وبيصرخ بدموع الندم: “سامحيني يا أمي.. أنا كنت أعمى.. كنت بظلمك وبصدقها.. سامحيني يا أمي”.
بصيت لهناء وهي بتتسحب لباب الشقة والكلبشات في إيديها، وقلت لها بكل هدوء وبنبرة أبرد من اللي كلمتني بيها: “الدار اللي حجزتيها لي يا هناء.. طلعت مش ليا.. طلعت ليكي أنتِ، بس الدار دي ليها أسوار وعساكر”.
انقبضت أركان الصالة، وصوت صرخات “هناء” وهي بتتسحب لباب الشقة كان بيرن في الممر وبيصحّي الجيران. محمود ابني كان لسه قاعِد على ركبه عند رجلي، بيعيط بحسرة ويدق بدماغه في الأرض، ومش قادر يرفع عينيه في عينيا من كتر الخزي والكسوف.
الضابط بصّ لمحمود وقال له بنبرة صارمة: “وأنت يا أستاذ محمود، مطلوب في النيابة حالاً عشان تسليِم شهادتك، والتحقيق في عقود البيع المزورة اللي اتمضت باسمك وتستلم صور التقرير الطبي بتاع والدتك”.
محمود قام ببطء كأنه كبر عشرين سنة في لحظة، جسمه كان بيترعش وهو بيحاول يمسك إيدي ويقولي بصوت مقطوع: “حقك عليا يا أمي.. أنا استاهل الجزم، أنا مش راجل إن نسيت شقاكي عليا وصدقت الكلام ده.. والله ما هسيبها، والله لآخد لك حقك بالقانون وأطلقها اليوم قبل بكره”.
سحبت إيدي منه ببطء، وبصيت له وعينايا مليانة وجع مش قادرة أداريه: “الرقبة لما تنكسر يا محمود، مابيرجعهاش الاعتذار.. أنت بعتني برخيص، وسيبت مراتك توكلني السم بالبطيء وأنت واقف تبتسم وتقولي معلش يا أمي كبرتي وبتنسي. روح يا ابني شوف نيابتك، وأنا ليا ربنا هو اللي يتولاني”.
نزل محمود مع الضابط والأمناء وهو ساكت ومطأطأ رأسه، والباب اتقفل وراهم. الشقة رجعت هادية تاني، بس كان هدوء تقيل يوجع النفس.
“حمادة” جارنا المحترم قرب مني، وجاب لي كباية مية، وقال لي بصوت حنين: “يا أمي، الحمد لله إننا لحقنا الموضوع قبل ما الأمور تكبر أكتر من كده.. التقرير المبدئي للتحاليل ثبت وجود مواد كيميائية في دمك هي اللي كانت بتعمل لك الزهايمر المؤقت والدوخة، والحمد لله الدكاترة قالوا إن أثرها بيروح مع الوقوف عن أخذها”.
شربت بق مية، وقمت وقفت على حيلتي. طلعت من أوضتي شنطة هاندباج صغيرة، لميت فيها ذهبي والأوراق الأصلية بتاعة ملكية الشقة، ودفتر توفير القناة اللي جوزي الله يرحمه سابهولي باسمي.
حمادة استغرب وبص للشنطة وقال: “أنتِ رايحة فين يا حجة في يوم العيد ده؟ الشقة شقتك، وهناء خلاص مش راجعة هنا تاني أبداً!”.
بصيت لزوايا البيت اللي عشت فيه أجمل أيام عمري، الشقة اللي شهدت ضحكاتنا وعرقنا، بس خلاص، البيت بقيت حوائطه بتفكرني بالخيانه والقسوة.
قلت لحمادة وانا ببتسم ابتسامة مكسورة: “البيت ده خلاص مابقاش فيه روح يا حمادة.. أنا رايحة مكان مش يخطر على بال حد، مكان هبدأ فيه حياتي من جديد بعيد عن القسوة والغل.. الشقة دي هتقفل، ومحمود لما يرجع من النيابة، مش هيلاقيني”.
قفلت الشنطة، وشيلتها على كتفي، وطلعت مفتاح الشقة السبير، وسبته على الترابيزة جنب فلاشة الصور والتسجيلات.
نزلت السلم ببطء، وصوت تكبيرات العيد في الشارع كان بيملى الدنيا. أول ما حطيت رجلي في الشارع، وقفت تكسي، وبصيت للشباك وأنا بقول للسواق على العنوان الجديد اللي مفيش مخلوق في العيلة يعلمه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




