روايات وقصص

حكايات شيمو 1

«كنت مخاصم أمي بقالي شهر كامل، وحلفت إني مش هكلمها غير لما هي اللي تتصل تصالحني.. لحد ما صحيت الفجر على صوت مراتي في البلكونة بتعيط وبتقول: أبوس إيدك يا ماما، متقوليلوش إن أنا اللي كلمتك، ده لو عرف ممكن يطلقني!»

وقفت مكاني، وحسيت إن قلبي وقع في رجلي من آخر جملة سمعتها!

مراتي؟ بتكلم أمي من ورايا؟ وبتعيط وبتترجاها؟ وليه قالت لو عرفت ممكن يطلقني؟ هي عملت إيه لكل ده؟

أنا اسمي محمود، عندي ٣٥ سنة، متجوز بقالي ٩ سنين، وعندي ولد وبنت، وكنت فاكر نفسي راجل محدش يقدر يكسّر كلمته، ولا حد يقدر يخليني أرجع في قرار أخدته.

بس اللي اكتشفته في الليلة دي خلاني أعرف إن فيه فرق كبير بين الراجل اللي متمسك بكرامته، والراجل اللي العند عامي عينيه عن الحق.

الحكاية بدأت من شهر، لما حصل خلاف بيني وبين أمي بسبب أخويا الكبير.

أخويا اسمه خالد، أكبر مني بخمس سنين، ومتجوز وعنده طفلين. ومن وأنا صغير وأنا حاسس إن أمي بتعامله معاملة غير معاملتي، وإنه مهما غلط بتسامحه، إنما أنا لو قصرت في حاجة صغيرة تفضل تعاتبني عليها أيام.

آخر مشكلة كانت لما أخويا طلب من أمي مبلغ كبير يساعده في مقدم شقة، وهي ادتهوله من تحويشة كانت شايلها لسنين.

أنا مكنتش معترض إنها تساعده، بس اللي وجعني إنها كانت عارفة إني داخل في ديون بسبب مصاريف علاج بنتي، ومع ذلك مكلّفتش نفسها حتى تسألني محتاج حاجة ولا لأ.

رحتلها يومها، وكنت متعصب، وقلت لها: — يعني يا أمي خالد أول ما يطلب منك حاجة تجري تديهاله، وأنا ابنك برضه ولا أنا غريب عنك؟

بصتلي باستغراب وقالت: — إنت مالك يا محمود؟ ده أخوك وبيجهز شقة، وربنا يوسع عليه وعليك.

قولتلها: — وأنا لما كنت محتاج فلوس عشان أعالج بنتي، قولتيلي دبر نفسك! دلوقتي لما خالد احتاج، فتحتي خزنتك واديتيه كل اللي طلبه!

اتنهدت وقالت: — يا ابني أنا ساعدته باللي قدرت عليه، وإنت كمان ربنا هيكرمك.

بس أنا كنت خلاص فقدت أعصابي، وقلت كلام عمري ما كنت أتخيل أقوله لأمي: — طول عمرك بتفضليه عليا، وأنا تعبت من المعاملة دي! من النهارده اعتبريني مش موجود.

ردت عليا وهي متأثرة: — يعني إيه مش موجود؟ أنا أمك يا محمود، ومهما حصل مش هبطل أحبك.

لكن الشيطان كان أقوى من عقلي وقتها.

خرجت من عندها، وقبل ما أمشي قلتلها: — وأنا مش هكلمك تاني غير لما إنتِ اللي تتصلي وتصالحيني، ومهما حصل مش هاجي هنا برجلي!

ورجعت بيتي، وحكيت لمراتي اللي حصل، وكنت متوقع إنها تقف في صفي وتقوللي إن أمي غلطانة.

لكنها بصتلي بهدوء وقالت: — طب يا محمود، إنت فكرت إن ممكن يكون عندها سبب إنها تساعد خالد أكتر منك المرة دي؟

بصتلها بحدة وقلت: — إنتِ كمان هتدافعي عنها؟ هو أنا مش جوزك؟

قالتلي: — أنا جوزي على راسي من فوق، وأمك برضه ليها حق عليك. ومش معنى إنها غلطت في حقك إنك تقاطعها شهر كامل.

زعقت فيها: — الموضوع ده مفيش كلام فيه تاني! إياكي تدخلي بيني وبين أمي، أنا أدرى بمصلحتي.

سكتت، ومن يومها مبقتش تتكلم في الموضوع.

وأنا افتكرت إنها اقتنعت بكلامي، وإنها خلاص بطلت تحاول تصلح بيني وبين أمي.

لكن اللي مكنتش أعرفه إن مراتي كانت بتعمل حاجات من ورايا، حاجات لو كنت عرفتها وقتها، يمكن كنت خسرت إنسانة عمرها ما فكرت في نفسها قبل ما تفكر في بيتي.

عدى أول أسبوع، وبعده التاني، وأمي متصلتش.

كنت كل يوم أمسك الموبايل وأبص على الشاشة، وأقول لنفسي: — هي معقول مستنية كل ده ومش عايزة تصالحني؟

ولما مراتي تلاقيني سرحان، تسألني: — مالك يا محمود؟

أرد عليها: — مفيش.

فتقولي: — طب ما تنزل تشوف مامتك، حتى لو هي غلطانة، إنت برضه ابنها.

وأنا أرد بنفس الجملة: — قلتلك متدخليش!

لحد ما جه يوم كنت قاعد فيه مع خالد في قهوة قريبة من البيت، وسمعته بيرد على مكالمة من أمي.

قالها: — حاضر يا أمي، هعدي عليكي بكرة أشوفك.

قلبي اتقبض، وسألته: — إنت بتكلم أمي كل يوم؟

بصلي باستغراب: — أيوه يا محمود، مالك؟

قلتله بمرارة: — يعني هي بتكلمك إنت، وأنا لأ؟

اتنهد وقال: — يا أخويا دي أمنا، وأنا مش هسيبها عشان زعلك منها. وبعدين هي بتسأل عليك كل يوم.

وقفت مكاني وقلت: — بتسأل عليا؟ أمال فين اتصالها؟ فين إنها تقول إنها غلطت؟

خالد بصلي بنظرة غريبة وقال: — إنت لسه فاكر إن الموضوع كله فلوس؟ يا محمود، فيه حاجات إنت مش واخد بالك منها.

قمت من مكاني وقلتله: — لو عندك حاجة قولها، متقعدش تلف وتدور!

لكنه هز راسه وقال: — لما تهدى هبقى أكلمك.

ومشي.

رجعت البيت وأنا نار من جوايا، وحاسس إن أمي وأخويا مخبيين عني حاجة.

دخلت لقيت مراتي بتحضر العشا، فحكيتلها اللي حصل.

فجأة، إيديها وقفت وهي بتقطع الخضار، وبصتلي وقالت: — محمود، هو خالد قالك إيه بالظبط؟

استغربت سؤالها: — إنتِ مالك اتوترتي ليه؟ هو إنتِ تعرفي حاجة؟

ارتبكت وقالت: — لا، بس يمكن فيه سوء تفاهم.

قربت منها وقلت: — إنتِ عارفة حاجة عن أمي وأنا معرفش؟

سكتت ثواني، وبعدين قالت: — أنا كل اللي أعرفه إن أمك بتحبك، ومش مستاهلة إنك تبعد عنها بالشكل ده.

زعقت: — للمرة المليون، متدخليش!

المرة دي شفت الدموع في عينيها، لكنها مسحتها بسرعة وكملت تحضير العشا من غير ما ترد.

ولأول مرة، حسيت إني قسيت عليها، لكن كبريائي منعني أعتذر.

عدى الأسبوع الرابع، وبدأت أحس إن البيت نفسه بقى غريب.

أمي مش موجودة، صوتها اللي كانت بتكلمني بيه كل يوم اختفى، وحتى ولادي بقوا يسألوني: — يا بابا، هو إحنا مش هنروح لتيتا تاني؟

وأنا أرد: — لما تيتا تكلم بابا.

لحد ما بنتي الصغيرة قالتلي جملة وجعتني: — طب يا بابا، ما يمكن تيتا مستنياك إنت كمان؟

بصتلها، ومقدرتش أرد.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى