
الفصل الخامس: أوراق جديدة.. وعهد مع السعادة
مرت الشهور، وتحولت ورشة “هنادي” من مجرد مشروع صغير أدارته بين جدران بيت أهلي إلى واحدة من أبرز وأرقى ورش ومصانع تصميم الأزياء وتجهيز العرائس في المحافظة كلها. بفضل عقود الشراكة المستمرة مع مؤسسة المهندس “حازم”، توسع العمل وزاد طاقم العمل، وأصبح اسمي مرتبطاً بالأناقة والجودة العالية.
ولكن النجاح العملي لم يكن هو التحول الوحيد في حياتي؛ فالجانب الإنساني والعاطفي بدأ يكتب فصولاً جديدة هادئة ونقية، بعيداً عن صخب الماضي وجحيمه.
تقارب تملؤه الشيم النبيلة
المهندس حازم لم يكن مجرد شريك عمل عادي. فمع تكرار اللقاءات واجتماعات العمل لمناقشة خطوط الإنتاج والطلبيات الخيرية، أظهر حازم معدناً أصيلاً واحتراماً مطلقاً. كان يلاحظ كيف أدير عملي بكل تفانٍ، وكيف أوازن بين كوني أماً لرعاية ابنتي ملك وكوني سيدة أعمال مسؤولة عن ورشتها ومساعداتها.
وفي أحد الأيام، وبعد الانتهاء من تسليم إحدى أكبر الطلبيات للمؤسسة، وقف حازم متردداً قليلاً قبل أن يهم بالانصراف، ثم نظر إليّ بعيون صادقة وقال بصوت هادئ:
ـ مدام هنادي.. أرجو ألا أكون متجاوزاً حدود الأدب لو قلت لكِ شيئاً يتردد في داخلي منذ فترة طويلة.
نظرت إليه بتركيز وهدوء، وقلت:
ـ تفضل يا بشمهندس، سامعاك.
تنفس عميقاً وقال بصدق:
ـ أنا راقبْتُ كفاحك، وقوة شخصيتك، وإنسانيتك، وطريقة تربيتك للجميلة ملك.. ووجدت فيكِ الزوجة والسند الذي يتناهى إليه أي رجل عاقل. أنا متزوج سابقاً وانفصلت لعدم التوافق وليس لدي أبناء، وأتمنى بشرف أن أطلب يدكِ للزواج، وأن أكون أباً لـ “ملك” وأحميها وأصونكما معاً، فهل تقبلين أن نبدأ صفحة جديدة معاً؟
كلماته دخلت قلبي بهدوء ونقاء، لم تكن مجرد كلمات إعجاب، بل كانت تعبيراً حقيقياً عن رجل يقدر القيمة الحقيقية للمرأة، لا ينظر إليها باعتبارها جارية لخدمة أهله أو أنثى تنجب ولداً أو بنتاً، بل شريكة حياة بكل ما تحمله الكلمة من معاني الاحترام والتقدير.
ابتسمتُ برقة، وقلت له بصوت ثابت:
ـ يا بشمهندس حازم، أنا ممتنة جداً لمشاعرك ولتقديرك. لكنك تعلم ظروفي جيداً، أنا أم ولدي ابنة أعيش لأجلها، ولن أقبل أبداً بأن يكون هناك أي مساس بكرامتي أو بكرامة ابنتي ملك.
قاطعني بحماس واحترام بالغين:
ـ أقسم لكِ يا هنادي، أن كرامتك ومكانتك ستكون هي خط أحمر بالنسبة لي، وملك ستكون في عيوني ومنزلي كابنتي تماماً، ولن أطلب منكِ تنازلاً واحداً يضر بكيانك المستقل أو بعملك الذي تعبتِ فيه.
عودة الماضي وظلاله الخاوية
في نفس الأسبوع الذي حدث فيه ذلك الحوار، وصلني خبر من أخي الصادق الذي كان يتابع أخبار الحي القديم بحكم عمله وعلاقاته. قال لي وهو يبتسم بتهكم:
ـ هل تعلمين ماذا جرى في بيت العيلة القديم يا هنادي؟
قلت باهتمام خفيف:
ـ خير يا صادق؟ ماذا حدث؟
رد بابتسامة واسعة:
ـ ريهام طليقها أخذ منها ابنها بحكم محكمة بعد مشاكل طاحنة وقضايا نفقة وإيصالات أمانة، وهي الآن قاعدة عند أمها مكسورة الجناح. وأحمد مسافر في بلد عربي شغال في ظروف صعبة جداً عشان يسدد الديون اللي تراكمت عليه بسبب قضايا النفقة والخلع، وأم أحمد قاعدة لوحدها في الدور الأرضي لا حد يخدمها ولا حد يسال فيها، والبيت اللي كان ماليان صوت وصخب وجبروت، بقى جحراً خاوياً مظلماً!
لم أشعر بأي شماتة، بل شعرت بحكمة الله العادلة؛ فالظلم ظلمات، وكما تدين تدان، ومن يزرع الشوك لا يحصد إلا الوخز والألم. قلت لأخي بهدوء:
ـ الله يهدي الجميع يا صادق.. كل واحد أخذ جزاء ما اقترفت يداه. أنا الآن في عالم آخر، ولا يعنيني من ماضيّ إلا “ملك” ومستقبلنا.
زفاف يليق بروح جديدة
بعد مرور شهرين على طلب حازم، وبعد جلسات تعرف ومصارحة كاملة، تمت خطبتنا في حفل عائلي بسيط وراقي في منزل أهلي، وسط فرحة عارمة من أبي وأمي اللذين رأيا في حازم العوض الجميل عن كل قسوة السنين الماضية.
أما ملك، فقد أحبت حازم منذ اللحظة الأولى، وكانت تناديه بـ “بابا حازم” بعفويتها وبراءتها، وهو كان يحملها ويلعب معها وكأنها قطعة من روحه، ما جعل قلبي يطمئن تماماً ويغلق باب الخوف والتردد للأبد.
في ليلة زفافنا، التي أقيمت في قاعة هادئة وأنيقة، كنت أرتدي فستاناً أبيض من تصميم خياطتي الخاصة، وكنت أنظر إلى المرآة وأرى تلك المرأة التي دخلت بيت العيلة وهي تبكي وتخاف من ظلها، وكيف خرجت منه مكسورة الظن، لتعود وتبني نفسها بنفسها، وتصبح سيدة مصنعها، وزوجة لرجل يحترمها ويقدر إنسانتيّتها.
احتضنت ملك وهي ترتدي فستاناً مشابهاً لفستاني، وهمست في أذنيها:
ـ شفتي يا ملك؟ ربنا دايماً بينصر المظلوم، ومفيش ست بتتكسر طالما وراها رب كريم وإرادة لا توهن.
عشنا أنا وحازم وملكة حياتنا ملك في بيت واسع ومستقل، حيث استمررت في إدارة ورشتي وتطوير أعمالي، بينما كان حازم الداعم الأول لي في كل خطوة. وعرفت أن الحياة الحقيقية لا تبدأ بالبدايات السهلة، بل بالقلوب القوية التي تقرر أن تولد من جديد من رحم المعاناة.
الفصل السادس: أوراق الخريف وسقوط الأقنعة الأخيرة
مرت ثلاث سنوات كاملة على زواجي المبارك من حازم. خلال هذه السنوات الثلاث، كانت حياتي معه أشبه بواحة هادئة وجميلة بعد عاصفة طويلة من الألم والظلم. حازم لم يكن مجرد زوج، بل كان السند الحقيقي والأب الحنون لملك، التي أصبحت تناديه بـ “بابا” بكل حب وعفوية، حتى إنها كانت تكاد تنسى ملامح أبيها الحقيقي وسط هذا الحنان الجارف والرعاية الصادقة.
مشروعي “ورشة هنادي للتصميم” تطور وتحول إلى مصنع صغير يضم عشرات العاملات والعاملين، وأصبح اسمي يتردد باحترام في عالم الموضة والأزياء بالمحافظة. كنت أقف كل يوم في مكتبي المستقل، أنظر إلى صوري القديمة وأتذكر تلك الفتاة التي كانت تبكي بصمت في زاوية المطبخ، فأبتسم بامتنان وعزة نفس لكل قطرة دموع جعلتني المرأة القوية التي أنا عليها اليوم.
لقاء في مهب الريح




