روايات وقصص

أنا وأخت جوزي حكايات رومانى مكرم 2

الفصل الثالث: رياح التغيير.. وكسر القيود
جلستُ في حجرة الصالون بمنزل أهلي، وكانت رائحة الشاي القديم ودفء جدران البيت تلامس روحي بعد أشهر طويلة من الاختناق في بيت العيلة. أمي كانت تحضن حفيدتها ملك وتقبلها بحنان مفرط، بينما أبي كان يجلس أمامي على المقعد الجلدي القديم، ووجهه يكسوه الوقار والغضب المكتوم مما عانيته طوال الفترة الماضية.

قال أبي بنبرة هادئة ولكنها حاسمة:

ـ إرتاحي يا بنتي، ولا تشيلي هم بكرة أبداً. اللي يحملك على الاهانة والذل لا يستحق دقيقة واحدة من عمرك، وأحمد إن كان فاكر إننا هنرضى بالمرمطة دي فهو غلطان. البيت ده بيتك، وملك دي نُور عينينا اللي هتربى في عز وكرم، مش في جو مليان سموم وحقد.

قبلت يد أبي وأنا أشعر بغصة في حلقي، لكنها كانت غصة راحة وارتواء بعد عطش طويل. في تلك اللحظة، كان جرس الدباغة أو باب الشقة الخارجي يدق بنغمات متقطعة تعبر عن التردد والارتباك. نهض أخي الصادق وفتح الباب، ليفاجأ بوجود أحمد، الذي بدا وكأن السنين قد تراكمت على وجهه دفعة واحدة، وكانت عيناه تدوران في المكان بحثاً عني.

دخل أحمد بخطوات بطيئة ومتثاقلة، ولم يجرؤ على رفع عينيه في وجه أبي، بل وقف على أطراف الصالون وقال بصوت منكسر:

ـ عمي.. أنا جاي عشان أصلح الغلط.. جاي أخد مراتي وبنتي لبيتها.

وقف أبي بكل طوله، وقال بصوت رعدي هز أرجان الشقة:

ـ بيتها؟! أي بيت يا أحمد اللي بتتكلم عنه؟ بيت أمك اللي اتهمت مراتك زوراً وبهتاناً في شرفها وأخلاقها وعايزة تاخد إجراء قانوني ضدها؟ ولا بيت أختك اللي ربت الحقد في قلبها لحد ما ربنا أذاها في ابنها؟ ولا بيتك أنت اللي كنت ساكت وشاهد على كل إهانة، وكنت بتيجي كل يوم تزيد الطين بلة وتعاتبها عشان مابتخدمش سيدة الموقف أختك؟

تلعثم أحمد في الكلام، وحاول الدفاع عن نفسه بوهن:

ـ يا عمي.. أمي كانت في لحظة غضب عشان ابن ريهام كان بيصاطر الموت.. وأنا.. أنا كنت ضاغط عليّا الشغل والظروف..

قاطعه أخي الحاد النبرة:

ـ الشغل والظروف مش مبرر للظلم يا جوز أختي! أختي قعدت خمس شهور تبكي وتتحمل قسوتكم، وأنتم ما تشوفوش غير الجنس والنوع.. بنت وولد! كأن البنات دي مش رزق من ربنا!

في هذه اللحظة، خرجتُ من الغرفة وأنا أحمل حقيبة يدوية صغيرة، ونظرت إليه نظرة باردة لا تحمل أي مشاعر سابقة، وقلت بصوت حاسم:

ـ اسمع يا أحمد.. الكلام خلص. أنا مش هرجع البيت ده تاني إلا بشرط واحد.. استقلال تام وشقة بعيدة عن بيت العيلة، وكرامة مصانة، واعتذار رسمي من أمك وأختك قدام الكل على التهمة اللي وجهوها لي!

اتسع عينا أحمد من الصدمة، وهتف بذهول:

ـ شقة لوحدنا؟! بس أنتِ عارفة ظروفي المادية.. الإيجار غالي جداً، وأمي مش هترضى أني أبعد عنها وأنا الوحيد اللي جنبها!

ابتسمت بسخرية مُرة، ورددت عليه:

ـ إذن.. فقد اختصرت الطريق عليّا وعلى نفسك. إذا كانت أمك أغلى عليك، وإذا كنت مش قادر تحمي مراتي وبنتك من لسانهم وظلمهم، يبقى كل واحد يروح لحاله، وأنا محاكم الأسود بيننا وبين بعض!

المحكمة.. وسقوط أقنعة الظلم
مرت أسابيع قليلة، ولم يفعل أحمد أي خطوة جادة لإرضائي أو تنفيذ شروطي، بل استسلم لضغط أمه وريهام، ورفض دفع أي نفقات خاصة بـ ملك، مما دفعني لرفع قضية نفقة وخلع أمام محكمة الأسرة.

في يوم الجلسة، حضرتُ ومعي محامي العائلة، وتفاجأت بوجود أحمد ومعه أمه ريهام وحماتي التي بدت وكأن العمر كبرها عشر سنين بعد حادث حفيدها الذي ترك ندبة واضحة وعميقة في وجهه، تذكره كل صباح بأن الظلم عاقبته وخيمة.

وقفتُ أمام قاضي الجلسة الجليل، وعندما سألني عن الأسباب، سردتُ تفاصيل ما عانيته طوال أشهر النفاس، من إهانة ومقارנות ظالمة واتهامات كاذبة، ومددتُ يدي بقرص صلب (فلاش ميموري) يحتوي على تسجيل الكاميرا الذي أثبت براءة تامة من حادث البط، بالإضافة إلى رسائل نصية من أحمد فيها إساءة لي.

نظر القاضي إلى المستندات، ثم وجه بصره الحاد نحو أحمد وحماتي، وقال بصوت جهوري:

ـ كيف يتسنى لمجتمع أن يظلم امرأة في أضعف أيامها، أيام الولادة والنفاس، لمجرد أنها أنثى؟ إن الإسلام كرم المرأة، وأنتم جعلتموها جارية لخدمة غروركم وجشعكم!

التفت القاضي إلى كاتب المحكمة وأملى قراره الحاسم:

ـ حكمت المحكمة بإثبات الطلاق للضرر، وتثبيت حضانة الصغار للأم (ملك)، وإلزام الأب بدفع نفقة شهرية شاملة ومؤخر صداق كامل، فضلاً عن رفض جميع الدعاوى الكيدية المقدمة من أهل الزوج!

خرجتُ من قاعة المحكمة وأنا أشعر كأن جبلاً من الحديد قد انزاح عن صدري. كانت الشمس ساطعة في الخارج، وكأن السماء تبتسم لي ولابنتي ملك.

ريهام وأم أحمد.. الندم الذي لا ينفع
بعد صدور الحكم، عاد أحمد إلى بيته الخاوي، ووجد أمه تبكي على حالها وحال ابن ريهام الذي أصبح يعاني من نظرات الناس في الشارع بسبب الندبة الكبيرة في وجهه، والتي ظلت علامة مسجلة لطمعهم وقسوتهم.

ريهام حاولت مرات عديدة الاتصال بأختي الكبرى لكي أتنازل عن القضايا، لكنني أغلقت جميع الأبواب في وجوههم، وقررت أن أفتح صفحة جديدة كلياً في حياتي.

سجلتُ في إحدى الدورات التدريبية المتقدمة في التجميل والخياطة، وبدأت أعمل من منزل أهلي بجهد واجتهاد. بفضل الله، سرعان ما عُرفت بمهارتي ودقتي، وأصبحت لدي زبائن كثر، وأصبح لدي دخل مستقل أستطيع به أن أربي ابنتي ملك في عز وكرامة، دون أن أمد يدي لأحد أو أتحمل منة رجل ظالم.

في أحد الأيام، وأنا أسير في الشارع ومعي ملك التي أتمت سنتها الأولى وبدأت تخطو خطواتها الأولى بضحكات بريئة تملأ الدنيا سعادة، تقاطعت طريقي مع أحمد. بدا أحمد هزيلاً، ملابسه غير منسقة، وعيناه مكسورتان.

وقف أمامي وقال بصوت خافت يملؤه الندم:

ـ ازيك يا هنادي.. وازيك يا ملك؟

وقفتُ ثابتة، رفعت رأسي بكل كبرياء، ونظرت إليه نظرة عابرة، وقلت بهدوء تام:

ـ ملك بخير وفي أحسن حال.. وأنا كمان بقيت أقوى بكتير من الأول. عن إذنك، ورانا مستقبل نبنيه.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى