روايات وقصص

أنا وأخت جوزي حكايات رومانى مكرم 2

تركتُه واقفاً في منتصف الشارع، يندم على ما فوت، ويدرك متأخراً أن الكنز الحقيقي كان بين يديه، لكنه فرط فيه إرضاءً لغطرسة زائفة. أما أنا، فقطعت عهداً على نفسي أن تكون ملك هي ملكة حياتي، وأن الأيام السوداء أصبحت مجرد ذكرى بعيدة لامرأة ولدت من جديد من رحم المعاناة.

الفصل الرابع: بداية التمكين.. ورياح الماضي تعود من جديد
مرت سنة كاملة على يوم طلاقي من أحمد وخرومي من ذلك البيت المظلم. خلال هذه الفترة، لم أكن تلك المرأة التي تكتفي بالبكاء على الأطلال، بل تحولت “مشغولات هنادي” اليدوية وخياطتي إلى اسم معروف في منطقتنا والمناطق المجاورة. بفضل الله ثم بفضل مساندة أهلي ودعم أخي، استطعت استئجار ورشة صغيرة مستقلة قريبة من منزل أبي، وعيّنت معي مساعدتين لمساعدتي في تلبية الطلبات المتزايدة.

ملك ابنتي أتمت عامها الثاني، وأصبحت تشبه البدر في جمالها وبراءتها، وصوت ضحكاتها يملأ البيت بهجة وحياة. لم تعد تنقصنا أي حاجة مادية، وكنت أرى في عيني أبي وأمي نظرة الفخر والاعتزاز بابنتهما التي كسرت قيود الذل وأثبتت نفسها بنفسها.

لقاء غير متوقع في السوق التجاري
في أحد المساءات، كنت أشتري بعض الأغراض لورشة الخياطة من السوق التجاري الكبير وسط المدينة، وكنت أجر عربة تسوق صغيرة وأمامي ملك تركض بخطواتها الصغيرة وتضحك. وبينما كنت منشغلة باختيار بعض الأقمشة الجديدة، سمعت صوتاً ضعيفاً ومتردداً ينادي خلفي:

ـ هنادي.. بنتي.. ازيك يا هنادي؟

التفتّ بسرعة، وكانت الصدمة! كانت حماتي (أم أحمد) هي الواقفة أمامي. لكنها لم تكن تلك المرأة المتغطرسة التي كانت تملأ البيت صخباً وغروراً؛ بل بدت عجوزاً منكسرة، شعرها الأبيض قد غزا رأسها بالكامل، وظهرها منحني قليلاً، وعيناها مليئتان بالدموع والتوسل.

نظرت إليها بملامح هادئة وخالية من أي شماتة، ووقفت مستندة إلى طاولة الأقمشة، وقلت بصوت حاسم وخالٍ من الانفعال:

ـ أهلاً يا أم أحمد.. خير؟ فيه حاجة؟

انهارت الدموع على وجهها العجوز، وقالت بصوت متهدج وهي تحاول مد يدها لتلمس يدي:

ـ سامحيني يا بنتي.. حقك عليا. أنا عارفة إني ظلمتك، وإني كنت شيطانة أعمى قلبي الغل والجهل.. البيت من بعدك خرب يا هنادي. أحمد لحد دلوقتي رافض يتجوز، وقاعد زي المكسور، وريهام جوزها طلقها بعد ما الهنا والمشاكل كثرت، وابنها عينه باين فيها التشوه والندبة اللي بتفكره كل يوم باللي حصل.. إحنا بندفع ثمن ظلمنا ليكي غالي قوي يا بنتي!

نظرتُ إلى عينيها المليئتين بالندم، ولم أجد في قلبي أي رغبة في الانتقام أو الشماتة، لأن الله قد أخذ لي حقي وزيادة، لكن الكرامة لها ثمن غالي لا يُشترى بكلمات عابرة. قلت لها بنبرة هادئة وحازمة:

ـ الندم مش بيصلح اللي انكسر يا أم أحمد. أنتِ ظلمتني في أكتر وقت كنت محتاجة فيه لكلمة طيبة وحضن دافئ، واتهمتني في شرفي عشان بنت وولد. ربنا سبحانه وتعالى عادل، ودايماً بياخد حق المظلوم. أنا تجاوزت الصفحة دي من حياتي، وبقيت عايشة ملكة مع بنتي في بيت أهلي، وربنا يهديكِ ويهدي الجميع.

حاولت التكلم وقالت بانهيار:

ـ طب أحمد.. أحمد لسه بيحبك وعاوزك ترجعي له، و…

قاطعتها بابتسامة هادئة وثقة بالغة:

ـ أحمد اختار أهله وطاعته العمياء وقت الجد، ودلوقتي فات الأوان يا أم أحمد. حياتي بقت تخصني وحدي أنا وبنتي ملك، ومعادش فيه مكان ورا. عن إذنك.

تركتها واقفة مكانها تمسح دموعها بعباءتها، وسرت بخطوات ثابتة ومرفوعة الهامة وأنا أضم بيد ملك التي رفعت وجهها البريء لي وقالت: “ماما.. إحنا رايحين فين؟”، فأجبتها بابتسامة واسعة: “رايحين بيتنا الجميل يا روح قلب ماما”.

مفاجأة جديدة في ورشة العمل
بعد مرور أسبوعين على ذلك اللقاء، كنت في ورشتي منشغلة بتصميم فستان سهرة لإحدى العرائس، فدخلت عليّ مساعدتي “حنان” وهي تبدو مرتبكة وقالت:

ـ يا مدام هنادي.. فيه برة شخص بيسأل عنك بإلحاح، وشكله مش غريب.. ده يبدو إنه مهندس أو رجل أعمال، وبيقول إنه زبون وعنده طلبية كبيرة للورشة كلها.

تركت الماكينة وقلت بجدية:

ـ دخليه يا حنان، الشغل شغل.

دخل الرجل إلى غرفة الاستقبال بالورشة، وكان شاباً في أوائل الثلاثينات، وسيم الملامح، يرتدي بدلة أنيقة، وبدا على وجهه الاحترام والوقار. وقف وقال بصوت هادئ:

ـ السلام عليكم.. أهلاً بيكي يا مدام هنادي. أنا المهندس “حازم”.

قلت وأنا أشير إلى المقعد أمامي:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً بحضرتك يا بشمهندس. تفضل، سمعت إن عندك طلبية خاصة للورشة؟
ابتسم حازم ابتسامة رقيقة وقال:

ـ الحقيقة.. الشغل مش مجرد طلبية عادية. أنا صاحب مؤسسة خيرية ومحلات لتجهيز العرائس والأيتام، وشفت شغل إيديك وتصاميمك عند قريبة ليا اسمها “سعاد” (وعرفنا أن سعاد جارتنا القديمة هي قريته)، وانبهرت بدقتك وأمانتك في الشغل، وحبيت أتعاقد معاكي لتكوني المورد الأساسي لكل تصاميم المؤسسة في المحافظة كلها!

شَعرت بالفخر يسري في عروقي؛ هذا الثمرة الحقيقية لتعب وجهادي وسهري طوال الشهور الماضية، ولم يكن سوى دليل جديد على أن الله يفتح أبواب الرزق لمن يصدق معه.

أجبتُه بثقة واحترافية:

ـ يسعدني جداً يا بشمهندس حازم، وشغلنا في ورشة “هنادي” مبني على الجودة والأمانة في الميعاد. اتفضل نقرأ تفاصيل العقد ونحدد الكميات.

بداية طريق النور
جلسنا نناقش تفاصيل العقد لقرابة الساعة، وكان حازم طوال الوقت يبدي إعجابه الكبير بقدرتي على إدارة العمل بمفردي بعد كل الظروف التي مررت بها (حيث كانت سعاد قد حكت له نبذة عن قصتي وكفاحي). وعندما همّ بالانصراف، وقف وقال بنبرة صادقة تكسوها الاحترام:

ـ مدام هنادي.. أنا أعرف جزءاً من قصتك من خالتي سعاد، وأحب أقولك إن اللي زيك ده نموذج حقيقي للست المصرية الأصيلة اللي بتبني نفسها من رماد الصعاب. أتمنى يكون التعاون ده بداية لخير كبير لورشَتِك.

شكرته بابتسامة امتنان، وخرج وهو يترك خلفه ليس فقط عقداً تجارياً ضخماً، بل طاقة إيجابية جديدة وأملًا متجدداً بأن القادم أفضل بكثير.

في تلك الليلة، وأنا جالسة في شقتي مع ملك التي كانت نائمة بعمق وبراءة، نظرت من النافذة إلى النجوم الساطعة في السماء، وتذكرت تلك الليلة المظلمة التي طردت فيها من بيت العيلة وأنا باكية ومقهورة. أدركت حينها أن كل دمعة نزلت من عيني كانت تغسل قلبي من الضعف، وكل محنة مرت بي كانت تبني مني امرأة لا تقهر.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى