
بالليل، مراتي كانت بتصلي، وبعد ما خلصت فضلت قاعدة على سجادة الصلاة تدعي وهي بتعيط.
سمعتها بتقول: — يا رب اهدي قلبه، يا رب ميجيش يوم ويندم إنه بعد عنها، يا رب متحرمش أمي من ابنها ولا تحرمه من أمه.
دخلت عليها وقلت ببرود: — بتعيطي ليه؟
مسحت وشها وقالت: — بدعي لينا كلنا.
قولتلها: — ادعي لنفسك أحسن.
رفعت عينيها ليا، وبصتلي كأنها كانت مستنية مني كلمة أحن من دي، لكني سيبتها ودخلت أنام.
ومكنتش أعرف إن الليلة دي بالذات هتكون آخر ليلة أقدر أنام فيها وأنا فاكر نفسي صاحب الحق.
الساعة كانت أربعة ونص الفجر، لما صحيت عطشان.
مديت إيدي على الناحية التانية من السرير، ملقيتش مراتي.
قمت أدور عليها، ولما قربت من البلكونة سمعت صوتها مبحوح من العياط: — أبوس إيدك يا ماما، متقوليلوش إني كلمتك، والله لو عرف هيزعل مني ومش هيصدقني تاني.
وقفت مكاني، وقلبي بيدق بسرعة.
صوت أمي جه من الناحية التانية: — يا بنتي أنا مش عايزة أخسركم إنتوا كمان، كفاية عليا اللي أنا فيه.
مراتي ردت: — طب اسمعيني بس، محمود مش وحش يا ماما، هو موجوع وحاسس إنك فضّلتي خالد عليه، بس والله قلبه متعلق بيكي حتى لو بيكابر.
أمي قالت بصوت مكسور: — وأنا كمان موجوعة يا بنتي. ده ابني، وأنا كل يوم ببص على صورته وأعيط. نفسي أسمع صوته، نفسي أعرف هو بخير ولا لأ، بس هو اللي حلف إني لو مكلمتوش يبقى أنا اللي قصرت في حقه.
مراتي قالت: — طب رني عليه الصبح، حتى لو مردش، حاولي تاني. قوليله تعال افطر معايا، وأنا هتصرف معاه من غير ما يعرف إننا اتكلمنا.
أمي سكتت شوية، وبعدين قالت: — يا بنتي، أنا مش عايزة أرجعه ليا غصب عنه. أنا عايزاه يرجع وهو راضي.
هنا مراتي انهارت في العياط وقالت: — ده لو يعرف إنتِ بتعملي إيه عشانه، عمره ما كان زعلك بالشكل ده!
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
كنت عايز أخرج وأواجهها، لكني سمعت أمي بتقول جملة خلت جسمي كله يتجمد:
— أنا مش زعلانة من محمود عشان الفلوس يا بنتي، أنا زعلانة عشان هو فاكر إني فضّلت خالد عليه، وهو ميعرفش إن…
وفجأة، صوت أمي اختفى، ومراتي قالت بلهفة: — لا يا ماما، استني! متقوليش الكلام ده دلوقتي!
أمي ردت: — بس لازم يعرف الحقيقة، يمكن لو عرفها يسامحني.
مراتي قالت بصوت مرتعش: — أرجوكي يا ماما، سيبيني أنا أقول له في الوقت المناسب، أنا مش عايزة أخسره هو كمان.
في اللحظة دي، موبايل مراتي وقع من إيديها على الأرض، ولما لفتت وشافتني واقف، وشها اصفر.
قالتلي وهي بتترعش: — محمود! إنت… إنت صاحي من إمتى؟
بصتلها، وبعدها بصيت للموبايل اللي على الأرض، وقلت بصوت مخنوق: — من أول ما قولتي لأمي متقوليلوش إني كلمتك.
دموعها نزلت، وحاولت تقرب مني: — محمود، أرجوك اسمعني للآخر، أنا عملت كل ده عشانك.
رجعت خطوة لورا وقلت: — عشانّي؟ إنتِ بتكلمي أمي من ورايا وبتخبي عليا، وبتتفقوا على إيه كمان؟
هزت راسها بسرعة: — والله مفيش اتفاقات، أنا بس مش قادرة أشوفك إنت وأمك بتضيعوا من بعض.
قلت بعصبية: — طب إيه الحقيقة اللي أمي بتتكلم عنها؟ وإيه اللي خالد عارفه وأنا معرفوش؟
مراتي فتحت بقها عشان ترد، لكن موبايلها رن فجأة.
بصت للشاشة، واتغير لونها في ثانية.
الاسم اللي ظهر كان: خالد.
ردت وهي مرتبكة: — أيوه يا خالد… إيه؟ دلوقتي؟!
سكتت تسمع، وبعدها قالت: — لا، لا، متجيش هنا! محمود موجود!
لكن كان خلاص، خالد كان وصل لباب الشقة، وسمعنا خبطه قوي على الباب.
خرجت أفتح وأنا غضبان، لقيته واقف ووشه شاحب، وفي إيده ظرف بني قديم.
بصلي وقال: — محمود، أنا عارف إنك هتكرهني بعد اللي هقوله، بس لازم تعرف الحقيقة قبل ما يفوت الأوان.
مسكت الظرف من إيده وقلت: — إيه ده؟
خالد بص ناحية مراتي، وبعدين رجع بصلي وقال: — دي ورقة كانت أمي مخبياها من يوم ما حصلت مشكلة الفلوس، وأنا كنت رافض إنها توصلك، لأني كنت خايف على نفسي.
حسيت إن قلبي بيخبط في صدري.
فتحت الظرف، لكن أول ما عيني وقعت على أول سطر، إيدي بدأت تترعش.
كان مكتوب بخط أمي:
«يا محمود، لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا فشلت إني أقولك الحقيقة بنفسي… والفلوس اللي اديتها لخالد مكانتش فلوسه، دي كانت فلوسك إنت، وأنا…»
وقفت عن القراءة، وبصيت لخالد، اللي كان بيعيط لأول مرة أشوفه فيها.
صرخت فيه: — فلوسي أنا؟! إنت تقصد إيه؟! أمي كانت بتديك فلوسي من ورايا؟!
خالد غطى وشه بإيده وقال: — يا محمود، أنا غلطت… بس والله الحكاية مش زي ما إنت فاهم!
وقبل ما يكمل، مراتي قربت مني، ومسكت الورقة بإيد بتترعش، وقالتلي:
— محمود، قبل ما تحكم على أخوك، لازم تعرف إن فيه حد تالت في الحكاية دي، وحد إنت عمرك ما تتخيل إنه السبب في كل اللي حصل.
بصيتلها وقلت: — مين؟!
فتحت بقها عشان تجاوب، لكن فجأة سمعنا صوت أمي من ورا الباب، بتقول وهي بتنهج:
— محدش يقول له حاجة… أنا اللي لازم أحكيله بنفسي!
لفينا كلنا ناحية الباب، وأول ما أمي دخلت ورفعت عينيها ليا، قالت جملة خلتني أحس إن الشهر اللي قاطعها فيه كان أهون بكتير من الحقيقة اللي مستنياني…




