
دخلت أمي وهي ماسكة في جلبابها، وشبابيك البيت كأنها بتهتز بصوت أنفاسها المتهدجة. بصّت لي، وعنيها مليانة دموع قديمة وموجوعة، وقالت بصوت مكسور:
— سيبوهم يا ولاد.. محدش ينطق بكلمة.. أنا اللي شلت السر سنين، وأنا اللي لازم أكشفه لابني عشان أريحه وأرتاح.
قعدت على أول كرسي قابلها وهي بتترعش، وخالد نزل راسه في الأرض، ومراتي قربت مني بحذر كأنها خايفة أنفجر في الكل. أما أنا، فكنت واقف في نص الصالة، وماسك الظرف في إيدي كأني ماسك جمرة نار.
قلت بصوت شبه مشعوط:
— فهمني يا خالد.. يعني إيه فلوسي؟! وإيه حكاية الظرف ده؟ وأمي خبت إيه عني كل السنين دي؟
أمي رفعت إيدها وقالت بصوت ضعيف:
— اقعد يا محمود.. اقعد عشان تقدر تسمع وتتحمل.
قعدت غصب عني، كأن رجلي مبقتش شالاني. بصيت لأمي واستنيت.
بدأت أمي تحكي والحكاية بترجع بينا للسنين اللي فاتت، وقالت:
— من خمس سنين يا محمود، لما أنت نقلت شغلك الجديد وربنا كرمك وبدأت تحوش أول قرش عشان تشيلي جزء من مصاريف البيت وتأمن مستقبل عيالك.. أنت جيت حطيت عندي مبلغ كبير وقلتلي: «يا أمي، دي تحويشة عمري، خبيها عندك عشان ما أضعفش وأصرفها، ولما أحتاجها في جواز أو مشروع كبير ابقه اديهاني».
أنا خدت الفلوس وحطيتها في الخزنة.. بس بعدها بشهرين حصلت المصيبة الكبيرة لخالد. شركة أخوك فلست، واتعرض لقضية نصب ومطالب بدفع مبلغ مالي ضخم كان ممكن يدخله السجن ويهدم بيته وعياله.. خالد جه عندي وهو منهار، بيعيط ويبوس رجلي ويقولي: «الحقيني يا أمي، أنا ضعت».
أنا مكنش معايا في الوقت ده مليم أبيض.. تحويشتي كلها كانت خلصت على علاج أبوك الله يرحمه. قعدت أعيط وأتحسر، وفجأة افتكرت فلوسك اللي في الخزنة!
وقفت عن التنفس لحظة وأنا سامع الكلمة دي، وبصيت لخالد اللي كان بيعيط بصوت عالي. أمي كملت:
— وساعتها الشيطان ضحك عليا وقال لي: «خالد في خطر وأزمته السوداء، ومحمود أخوه وسنده، استلفي الفلوس من محمود دلوقتي، ولما ربنا يفرجها على خالد هنردهم من غير ما محمود يحس ولا يشيل هم».
أخدت الفلوس من وراك يا محمود، واديتها لخالد، وكتبت الورقة دي وحطيتها جوه الظرف، وقلت لنفسي: «لو جرى لي حاجة فجأة، الورقة دي هتعرف محمود إن الفلوس دي حقه، وإن أخوه مش حرامي، وإن أنا اللي اتصرفت من غير إذنه».
بصيت لخالد وقلت بصوت بيترعش من الغضب والذهول:
— يعني إنت كنت عارف إن الفلوس دي بتاعتي؟! كنت عارف إنها تحويشة عمري اللي شقيان فيها سنة ورى سنة، وخدتها بكل برود؟!
خالد رفع راسه، وعنيه كلها دموع الندم، وقال:
— والله يا محمود ما كنت اعرف في الأول! أنا كنت فاكر إنها فلوس أمي الخاصة أو بيعة باعت دبلتها عشان تسترني.. لكن بعد ما الأزمة عدت بشهرين، لقيت أمي بتعيط وبتحكي لي الحقيقة.. وساعتها ركبتني الغباوة.. قلت لنفسي لو محمود عرف هيغضب مني جداً ومش هيسامحني، وفضلت ساكت.. كنت كل ما أجي أقولك، ألاقي نفسي خايف من عصبيتك، ففضلت هارب لحد ما الكارثة دي وقعت فوق دماغنا!
كنت حاسس بنار بتسري في جسمي كله. بصيت لأمي اللي كانت منكمشة على نفسها، وبصيت لخالد اللي مكسور قدامي، ولفيت بعيني لمراتي اللي كانت واقفة بعيد وعنيها بتترجاني أهدى.
ساعتها افتكرت كل كلمة قلتها لأمي في شهر الخصام ده.. كل مرة قلت فيها إنها بتفضل خالد عليا، وكل مرة عيرتها بالفلوس، وكل كلمة قسوة طلعت مني وأنا فاكر نفسي صاحب الحق والكرامة.
وقعت على الكرسي وإيدي على وشي، وطلعت مني صهوة وجع ما شعرتش بيها من سنين. قلت بصوت مكسور:
— للدرجادي كنت أعمى؟ للدرجادي كبريائي وعصبيتي خلوني مش شايف إن أمي كانت بتتوجع من القهر بين ابنها اللي هيضيع في السجن، وبين ابنها التاني اللي جارحها بكلامه؟
مراتي قربت مني ببطء، ونزلت على ركبتها قدامي، مسكت إيدي وقالت:
— عشان كده يا محمود.. أنا كنت بكلم أمك كل ليلة من وراك.. كنت بروح أترجاها تدعي لك، وكنت بقولها اصبري عليه، لأن قلبه طيب بس العند عاميه.. أمك مكنتش بتبكي عشان الفلوس يا محمود، كانت بتبكي عشان ابنها الكبير معرض للحبس، وابنها الصغير كسر قلبها وجرحها بكلامه وهي ساكتة عشان تحميني أنا وعيالك من إنه يعرف ويتهور.
بصيت لمراتي، ولاول مرة حسيت بقيمة الإنسانة دي اللي استحملت قسوتي وعصبيتي، وكانت بتصلح ورايا من غير ما تمن عليا بحرف واحد.
قمت من مكاني، وقربت من أمي اللي كانت بتعيط بصمت.
نزلت على رجليها، وبستها وأنا باكي زي الأطفال، وقلت:
— سامحيني يا أمي.. سامحي ابنك اللي شاف كرامته أهم من رضاكي.. سامحي الجاحد اللي معرفش قيمتك إلا لما شافك بتتوجعي بحسرتك.. أنا أسف يا أمي، والله العظيم أسف.
أمي مدت إيديها التعبانة، وحضنت رأسي لصدرها، وقالت بصوت مليان حنان الدنيا كله:
— مسامحاك يا ضلعي، مسامحاك يا محمود.. ربنا ما يكتب على أم وجع قلب على ضناها.. إنت ابني الغالي، وخالد أخوك.. وكل اللي راح فداكم.. المهم إن بيوتكم تفضل معمورة بالستر والرضا.
خالد جه ووقع جنبنا، وحضننا احنا الاتنين، وفضلنا قاعدين في الأرض بنعيط سوا لحد ما نور الفجر دخل من شباك الصالة، كأن الشمس جاية تغسل كل السواد والزعل اللي كان مالي قلبنا طول الشهر اللي فات.
مراتي وقفت بعيد بتطمس دموعها بابتسامة دافية، وقالت بصوت هادئ:




