
فتح الشنطة وطلع شيك بمبلغ ضخم جداً، وحطه على الترابيزة قدام أمي!
كلنا اتجمدنا في مكاننا.
أمي بكت بصوت عالي، وقالت وهي بترفع إيديها للسماء:
— يا رب.. لك الحمد والشكر يا رب!
المهندس نبيل كمل وقال وهو بيبص لي:
— يا محمود.. أمك مكنتش بتفضل أخوك على حسابك، أمك كانت بتموت وهي بتحاول تنقذ العيلتين مع بعض، وكانت مخبية عنك حكاية البيت والأرباح عشان تسيبها لك مفاجأة يوم ما تقف على رجليك.. أمك دي مافيش زيها في الدنيا دي كلها.
بصيت لأمي، لقيتها بتعيط وهي باصة ليا بحب كوني ابنها اللي مهما كبر بيفضل طفلها الصغير.
جريت عليها، وحضنتها بكل قوة، ودموعي نزلت من غير عتر ولا كبرياء. قلت بصوت مكسور من الفرحة:
— أنا أسف يا أمي.. ألف مرة أسف.. حقك عليا إني شكيت في قلبك الطاهر ده يوم واحد.
أمي طبطبت على ظهري وقالت:
— مفيش أسف بين الأم وضناها يا محمود.. العمر اللي اتعاش في العند راح، والمهم إننا عرفنا في الآخر إننا سند بعض، وإن مفيش في الدنيا أحن من حضن العيلة.
خالد جه وحضننا احنا الاتنين، ومراتي وولادي دخلوا في الحضن الكبير ده، وحسيت ساعتها إن الحكاية اللي بدأت بخصام أسود، انتهت بنور ودفء ماكنتش أتخيل في يوم إننا هنوصل له.
مرت سنين على الليلة دي، كأنها كانت علامة فارقة في عمر عيلتنا. البيت اللي كان في يوم من الأيام ماليان بالخصام والعناد والغيظ المكتوم، بقى بفضل الله واحة من السكينة والمحبة.
أنا بقيت أشوف نفسي في المراية فخور بالراجل اللي بقيته.. مش الراجل اللي فاكر إن كرامته بتكمن في صوته العالي أو قراره اللي مبيراجعش، لأ.. الراجل الحقيقي هو اللي بيعرف إمتى ينكسر قدام أمه، وإمتى يتراجع عن الغلط، وإمتى يحضن أخوه ومراته اللي استحملوا قسوته ومراره.
أمي ربنا أطال في عمرها، وبقت هي بركة البيت وأساس كل جمعة. الشيك الكبير اللي جابه المهندس نبيل، أم رفضت تاخد منه مليم واحد لنفسها، وقالت بالحرف:
— الفلوس دي تتوزع بالعدل بين ولادي الاتنين، دي ثمرة صبر السنين، وتذكرة لكل واحد فيكم إن دعوة الأم والرضا هما رأس مال الإنسان الحقيقي.
أخدت نصيبي وحطيته في حساب لعيالي، وخالد كمان عمل نفس الحقي، وعلاقتنا ببعض بقت أقوى وأعمق بكتير من الأول. بقينا نقعد كل أسبوع على نفس الترابيزة، نضحك ونفتكر أيام الغباء والعند، ونحمد ربنا إن الكارثة دي انتهت بأننا نرجع أحن على بعض من الأول.
أما مراتي.. الشريكة اللي وقفت جنبي في وقت الضيق من غير ما تنتظر كلمة شكر، بقت ملكة البيت بحق وحقيق. بقيت كل ما أشوفها بتصلي ولا بتدعي، أفتكر الليلة اللي سمعتها فيها في البلكونة وهي بتترجي أمي، وأحس إن ربنا رزقني بنعمة لو قعدت عمري كله أشكر ربنا عليها ما هكفيها حقها.
في يوم، واحنا قاعدين في البلكونة نشرب الشاي بالليل، وولادي نايمين جوه، بصتلي وقالت بابتسامة دافية:
— بتفكر في إيه يا محمود؟ شكلك سرحان من بدري.
بصيت لعيونها، مسكت إيدها وبستها وقلت بحب صادق:
— بفكر في نفسي.. لو مكبرتش دماغي ومسمعتش لقلبي ذكاء، كنت زماني خسرت كل حاجة.. خسرت أمي، وخسرت أخويا، وخسرتك إنتِ وأولادي، وكل ده عشان إيه؟ عشان كلمة كبرياء كدابة.
حطت إيدها على وشي بحنان وقالت:
— الإنسان بيتعلم يا محمود، ومفيش عيب في إن الغلط يصحيه، العيب إن الواحد يفضل مكمل في الغلط وهو شايف نهايته الخراب.
حضنتها، وبصيت للسماء، ودمعة شكر نزلت من عيني وأنا بقول في نفسي:
«الحمد لله.. الحمد لله إن العند ما استمرش للأخر، وإن ربنا حبني لدرجة إنه صحاني من نومة الغرور قبل ما يفوت الأوان».
الخاتمة الحقيقية لأي حكاية مش بتبدأ بنهاية الأحداث، بل ببداية الحياة اللي بعدها.
بعد مرور السنين دي كلها، وتحديداً في يوم عيد ميلاد أمي السبعين، كنا كلنا متجمعين في بيتها القديم.. البيت اللي شهد على دمعتنا وعلى فرحتنا. الشباشب بتاعة الولادي كانت مليانة في المدخل، وريحة الأكل الجميل كانت مالية الشقة، وضحكات العيلة كانت واصلة لآخر الشارع.
أنا وخالد كنا واقفين في المطبخ بنساعد مراتي في تحضير التورته، وبنضحك على مواقف زمان، لحد ما دخلت علينا أمي.. مشية ببطء، وابتسامتها الواسعة منورة وشها اللي خط الزمن فيه أحلى خطوط الرضا.
قربت منا، وحضنتنا إحنا الاتنين مع بعض، وقالت بصوت دافئ مليان بالدموع والفرح:
— أنا مش عارفة ربنا بيحبني قد إيه عشان يجمعني بكم بالشكل ده.. أنتم مش بس ولادي، أنتم روح قلبي اللي رجعت لي سليمة.
بصيت لعينين أمي، وبعدين بصيت لخالد، ولقيت مراتي واقفة بتطمش علينا بعيون لمعت فيها الدموع.. حسيت ساعتها بمعنى الآية الكريمة: (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا). فهمت إن بر الأمهات والترابط بين الأخوات والبيوت العامرة بالحب، هما الكنز الوحيد اللي الإنسان بيخرج بيه من الدنيا دي.
طفنا الشمع مع بعض، وأول شمعة طفتها أمي، تمنيت دعوة واحدة في قلبي:
«يا رب.. احفظ لي عيلتي دي من كل شر، واجعلنا دايماً سند لبعض، وابعد عنا الشيطان والعند اللي بيخرب البيوت».
الدنيا علمتني إن الراجل مش بشدته وعصبيته، ولا بتمسكه برأيه وهو غلطان.. الراجل الحقيقي هو اللي بيعرف يوطي راسه عشان يبوس إد أم تاهت منه، ويحضن أخوه، ويعرف قيمة الست اللي صبرت عليه ودارت عيوبه.
والحكاية دي خلصت.. بس حبنا لبعض.. هيفضل مكمل ليوم الدين.



