روايات وقصص

حكايات امانى 2

الوقفة اللي وقفتها قدامه في معرض الكتاب، والنظرة اللي شفناها في عيونه وهو مش مصدق التحول الهائل اللي حصل في حياتي، مكنتش مجرد رد اعتبار لشخصي، دي كانت نقطة فاصلة لعالم جديد بالكامل. وسط زحام المعرض وهتافات الناس وتشجيعهم ليا، سابني ومشي وهو بجر أطراف الخيبة والذهول، ووسط هجوم الصحفيين وكاميرات القنوات اللي كانت بتجري ورايا عشان تسجل معايا لقاءات عن قصة نجاحي الملهمة، قدرت أكمل يومي بثبات وقوة عمر ما كنت أتخيل إنهم في يوم هيكونوا جزء من شخصيتي.

 

روحت البيت، والهدوء كان مالى المكان، ولأول مرة أحس إن جدران الشقة دي بقت بتاعتي أنا لوحدي بجد، مش مجرد مكان بستنى فيه رضا حد ولا بتحمل فيه الإهانة عشان خاطر العرف والناس. الأولاد كانوا نايمين في سريرهم بهدوء وأمان، بصيت لهم وبست في جبينهم، وأنا عارفة كويس إن الخطوة الجريئة اللي خدتها دي مش بس عشاني، دي عشانهم هما كمان، عشان يشوفوا أم قوية قادرة تحميهم وتقف على رجلها وسط عواصف الدنيا.

تاني يوم الصبح، بدا الشغل الحقيقي لمعركة الانفصال. كنت مجهزة كل الأوراق والمستندات، ورفعت فعلاً قضية الخلع رسميًا بعد ما استشارت محامي شاطر فهم موقفى القانوني كويس جدًا. طليقي، أو الراجل اللي كان جوزي، مكنش مستوعب الصدمة في الأول، وفاكرها “دلع ستات” أو غضبة هتعادي وتعدي زي كل مرة، فبدأ يبعت رسايل تهديد ووعيد عبر الواتساب من رقمه المسافر، وبعدها بشوية لما حس إن الموضوع جد وإن الرواية حققت أرباح خيالية واسمى بقى معروف في السوق، انقلبت طريقته تمامًا لمسكنة وتوسلات واستعطاف بمشاعر الأولاد وباسم العشرة القديمة.

“حرام عليكِ يا أم الأولاد، تهدمي بيتنا عشان شوية كلام على النت وفلوس جت كده بالصدفة؟ دانا أبو عيالك وسافرت وشقيت عشانكم!”.. دي كانت عينة من رسايل كتير بيبعتها، بس كنت بقرأها وأنا حاطة إيدي على قلبي بابتسامة سخرية خفيفة، وأمسح الرسالة فورًا من غير ما أرد بحرف واحد. الصمت المطبق كان أبلغ رد ممكن أقدمه لواحد فضل أهله وإهانت لي على مراته وأم ولاده.

أهله، طبعًا، مقعدوش ساكتين. أخت جوزه اللي كانت كاتبة البوست الساخر واللي كانت شايفة إنها كسبت المعركة، نزلت بوست تاني طويل بتهاجم فيه “النشوز والخروج عن طاعة الزوج والجحود”، وإن الفلوس والشهرة نسوا الست أصلها وبيتها. لكن العجيب والغريب، إن المتابعين بتوعي والجمهور اللي قرأ الرواية وعاش معاناتي، عرفوا الحساب ودخلوا عليها هجوم كاسح، لدرجة أنها اضطرت تمسح البوست وتقفل صفحتها خالص من كتر التعليقات اللي فضحت طريقتهم وأسلوبهم الرخيص. ده غير إن أمه كلمتني في التليفون وعينها قوية تعاتبني، ففتحت السبيكر وقلت لها بكل هدوء وثقة: “ابنكِ اختاركم، وأنا اخترت كرامتي وولادي، والخاتم اللي بعته عشان أأكلكم خلصت قيمته، واديني بكتب كتاب جديد من تعرقي ودماغي.. سلام يا خالتي.” وقفلت السكة في وشها من غير ما أديها فرصة تنطق بحرف واحد.

في الوقت ده، دار النشر عرضت عليا عقد جديد لسلسلة مقالات ورواية تانية تدور في نفس فلك تمكين المرأة وتجاوز الصدمات العاطفية، وفعلاً بدأت أشتغل على مشروعي الجديد بكل شغف. حياتي بقت عبارة عن توازن دقيق وممتع بين تربية أولادي بحب واهتمام، وبين متابعة جلسات المحاكم بهدوء وثبات نفسي، وبين القعدة قدام اللاب توب أكتب حكايات جديدة تلامس قلوب آلاف الستات اللي بيعتبروني قدوة ومثال حقيقي للست المصرية اللي بتقوم من تحت الأنقاض.

بعد شهرين من المعركة القانونية، وبسبب تهربه الدائم وعدم حضوره للجلسات وتوكيل محامي فشل في إثبات أي شيء قصاد الأدلة والرسائل والمستندات اللي قدمناها، صدر الحكم النهائي بالخلع لصالحي. يوم صدور الحكم، حسيت إن فيه جبل كبير اتقلع من على صدري. نزلت من المحكمة وأنا رافعة راسي، الشمس كانت منورة وشي بطريقة حسيت فيها بطعم الحرية لأول مرة من سنين طويلة.

رجعت البيت، ولميت كل هدومه وحاجاته البسيطة اللي كانت باقية في الدولاب، وحطيتها في كرتونة مقفولة وبعتها مع حد لبيت أهله، وكتبت ورقة قصيرة حطيتها فوق الكرتونة: “خلصت الحكاية.. وعوض ربنا كان أكبر بكتير من خسارتك.”

دخلت على أولادي لقيتهم قاعدين بيعملوا الواجب بابتسامة وصوت ضحكهم مالي الشقة. جريوا عليّا اول ما دخلت وقالوا لي: “ماما، إحنا فخورين بيكي أوي، وكل أصحابنا في المدرسة بيقرؤوا كتابك.” حضنتهم بقوة ونزلت دموعي، بس المرة دي كانت دموع فرحة ونصر حقيقي.

لكن، القصة مكنتش انتهت عند النقطة دي.. في يوم وأنا قاعدة في مكتبي الجديد في البيت، براجع المسودة الأولى للرواية التانية، جاني اتصال من رقم غريب. فتحت الخط، فلقيت صوت راجل عجوز ووقور بيعرفني بنفسه إنه مدير أكبر معرض دولي للكتاب في دولة عربية كبرى، وبيبلغني رسمياً إنه تم اختيار روايتي لتكون ضمن الروائع الأدبية اللي هتحظى بندوة خاصة وتكريم رسمي في الدورة القادمة للمعرض، مع عرض لترجمة الرواية للغة أجنبية!

قعدت على الكرسي وأنا مش مصدقة وداني، حسيت إن تعب السنين اللي فاتت كله, وساعات السهر والوجع والقهر، بيتحول قدام عيني لوسام شرف حقيقي. شكرت المدير بكل امتنان، وقفلت الموبايل، وبصيت من البلكونة على الشارع، وقولت لنفسي بصوت عالي: “دي لسه البداية يا أم الأولاد.. واللي جاي أحلى وأكبر بكتير.”

خبر الترجمة والتكريم الدولي نزل عليّا زي البشارة الكبيرة، وحسّسني إن تعب السنين اللي فاتت كله اتقدر أحسن تقدير. بدأت أشتغل على الرواية الجديدة بنَفَس تاني خالص؛ نَفَس الست اللي اتطهرت من كل قيود الماضي وبقت بتكتب بروح حرة طليقة مفيش حاجة تخوفها ولا تقلقها. كنت بصحى الفجر، أصلي وأدعي ربنا يديم عليّا نعمة السكينة والثبات، وبعدين أقعد أكتب الفصول الجديدة بكل شغف وتدفق فكري. الوجع القديم مبقاش مصدر لكسري، بالعكس، بقى البنزين والوقود اللي بيحرك إبداعي وبيخلي قلمي ينطق بصدق يوصل لقلب كل قارئ.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى