
في الوقت ده، كانت أخبار نجاحي وتكريمي بتوصل لبلد جوزي القديم وأهله، وساطت الدنيا هناك وصارت حديث الناس في كل مكان. طليقي اللي كان فاكر إنه هيقدر يكسرني بفلوسه وجفاه، لقى نفسه في موقف لا يحسد عليه؛ الناس في شغله وبلده بقوا بيتكلموا عن جحوده وغبائه إنه فرط في واحدة كانت مستعدة تبيع دهبها عشانه وعشان أهله، وفي النهاية استبدلته بنجاح وشموخ مبهر. حاجة زي كده هدت غروره تماماً، وبدأ يبعت ناس من أعمامه وقرايبه الكبار عشان يتدخلوا و”يلموا الموضوع”، بحجة إن “العيش والملح والعشرة” ما يهونوش، وإن ممكن نرجع لبعض في السر أو نصلح الأمور عشان خاطر العيال.
طبعاً، كنت برفض أقابل أي حد منهم، وكنت ببلغ الوسطاء بكلمات حاسمة وقصيرة: “اللي باعني برخيص ملوش مكان عندي، والحمد لله بقيت أعرف أشتري نفسي وعيالي بكل غالٍ وعزيز.” مبقاش يهمني كلام الناس ولا نظرات المجتمع القديمة اللي كانت بتخاف من كلمة مطلقة، لأن الكلمة بقت وسام شرف على صدري؛ مطلقة بس حرة، ملكة نفسي وبيتي، ومش محتاجة لراجل يمن عليا بقرشين ولا يبيع كرامتي عشان يرضي أهله.
مع اقتراب موعد معرض الكتاب الدولي ودورة التكريم الكبرى الخاصة بروايتي المترجمة، كانت التحضيرات ماشية على قدم وساق. دار النشر جهزت لحفلة توقيع ضخمة جداً، وصوريف الملصقات الكبيرة بتاعتي اتملت بيها شوارع وميادين رئيسية. الأولاد كانوا بيمشوا معايا وهم راسهم مرفوعة للسماء، وبيقولوا لي بكل فخر وإعجاب: “احنا بنحبك أوي يا ماما، وأنتِ أحسن أم في الدنيا.” نظرة الفخر في عيون ولادي كانت عندي بالدنيا وما فيها، وكانت هي الجائزة الحقيقية اللي مفيش أي مال في الدنيا يقدر يشتريها.
جه يوم الافتتاح للمعرض الدولي. كنت لابسة فستان راقي وأنيق باللون الأسود الملكي مع تطريز هادئ، ومغطية شعري بطرحة منسقة شيك جداً، وخطواتي ثابتة وواثقة وأنا داخلة صالة الاحتفالات الكبرى. الصحافة والكاميرات كانت في كل مكان بتصورني، والجمهور كان مالي القاعة عن أخرها. وسط هتافات التصفيق الحاد، طلعت على المسرح عشان أستلم درع التكريم وألقي كلمة قصيرة أهديها لكل ست عربية عانت من الخذلان وقدرت تقف من تاني.
قلت في كلمتي بصوت ثابت ومؤثر: “كل دمعة نزلت في الظلمة، وكل قطعة دهب بعتها عشان أصون بيت، وكل خذلان عشته.. كانوا هما الطوب اللي بنيت بيه صرح حياتي الجديدة. أوعي يا ست في يوم تقبلي تكوني على الهامش، أوعي تفقدي ثقتك في نفسك، لأن اللي يفرط فيكي ميسواش دقيقة من عمرك.”
القاعة هزها التصفيق الحاد، وناس كتير عيطت متأثرة بكلماتم الخارجة من صميم الوجع والنجاح. وبعد انتهاء الندوة، قعدت على منصة التوقيع عشان أمضي آلاف النسخ للجمهور المتدفق.
وفجأة، وسط الزحام الشديد، حسيت بحركة غريبة قدام الطاولة. رفعت عيوني، فلقيت شخص واقف ورا آخر واحد في الصف.. كان هو.. طليقي! بس شكله كان مكسور ومنهك، شعره شاب، وعيونه تائهة وذليلة، كأن السنين هدت حيله في شهور معدودة. وقف قدامي بثقل، وبص لي بنظرة كلها رجاء وتوسل مكسور، وقال بصوت مهزوز وحزين: “ممكن… ممكن تسامحيني؟ أنا عرفت غلطي ومتأكد إن مفيش حد هيحبني ويصوني زيك… رجعينا لبعض عشان خاطر العيال.”
بصيت له بثبات وهدوء تام، ولا كأن جواه أي ذرة مشاعر قديمة. حطيت القلم من إيدي بهدوء، وبصيت في عيونه بابتسامة خفيفة وواثقة، وقليت له بصوت هادئ وصل لكل اللي واقفين حوالينا: “البيت اللي هديته بإيدك وبستهانة بكرامتي، مينفعش يتبنى تاني يا فلان. والأيام اللي فاتت دي علمتني إن الست اللي بتقدر تفتح قفل بابها بنفسها، مش محتاجة لمفتاح من برا. الله يسامحك في اللي فات، بس حياتي أنا وولادي بقت في حتة تانية خالص… عن إذنك، ورايا جمهور مستني.”
سحبته خطواته المكسورة ومشي في وسط زحام الناس اللي كانوا بيهتفوا لي ويصفقوا، كأنه بينتهي تماماً من الحكاية، بينما أنا كملت توقيع النسخ وسط ضحكات ولادي وفرحتهم العارمة اللي كانت مالية المكان. في اللحظة دي حسيت إن روحي طارت في السما، وإني فعلاً كتبت النهاية الأجمل لقصة عمر حقيقية، وبدأت صفحة جديدة تماماً عنوانها العزة والشموخ والاستقلالية.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




