روايات وقصص

جارنا كان بيكرهني حكايات اسما 1

جارنا كان بيكرهني كره غريب، وكل يوم كان بيختلق مشكلة معايا، وكل أسبوع ألاقي بلاغ جديد ضدي! ولما رحل، افتكرت إني أخيرًا هرتاح من شره… لكن تاني يوم، جالي اتصال من محاميه، وقاللي: «لازم تحضري فتح وصية الحاج سليم!»

ضحكت من شدة استغرابي، وقلتله:

— وصية إيه يا أستاذ؟! ده الراجل ده كان نفسه يطردني من الحي كله!

لكنه رد بجدية:

— صدقيني يا مدام ليلى، اللي هتسمعيه هيغير حياتك كلها!

وفعلًا، روحت مكتب المحامي، وكانت الصدمة لما فتح الوصية وقال قدام قرايب الحاج سليم:

— البيت والأرض وكل ممتلكات المرحوم، بما فيها الحسابات البنكية، أوصى بيها كلها للسيدة ليلى!

اتجمدت مكاني، وبصيتله وأنا مش مصدقة:

— أنا؟! إزاي يعني؟! ده كان بيكرهني!

لكن المحامي كمل:

— فيه شرط واحد كتبه الحاج سليم بإيده… ولو رفضتي تنفذيه، هتخسري الميراث كله!

ولما فتح الظرف الأبيض وبدأ يقرأ الشرط… حسيت إن الأرض بتتهز من تحت رجليا!

اسمي ليلى، وعندي أربعة وأربعين سنة.

من سبع سنين، اشتريت بيت صغير في حي هادي، بعد سنين طويلة من التعب والشقا.

كنت فاكرة إني أخيرًا هعيش في راحة، بعيد عن المشاكل والدوشة.

لكن أول شخص قابلته هناك كان جارنا الحاج سليم.

راجل في السبعين من عمره، ملامحه جامدة، وصوته عالي، ونظراته كلها حدة.

ومن أول يوم، حسيت إنه مش طايق وجودي!

لو الزرع اللي قدام بيتي طال شوية، يروح يقدم شكوى في الحي.

لو صحابي جم يزوروني، يتصل بالجهات المختصة ويشتكي من الإزعاج.

ولو ركنت عربيتي قدام بيتي، يطلع يتخانق معايا ويقول إن المكان ده بتاعه!

ومرة، زرعت شوية ورد في الجنينة الصغيرة اللي قدام البيت.

صحيت تاني يوم، لقيت الورد كله مدفون تحت شوال تراب!

ولما راجعت كاميرا المراقبة، اكتشفت إن الحاج سليم بنفسه هو اللي عمل كده!

روحت خبطت على بابه، وأول ما فتح، قلتله بغضب:

— هو أنا عملتلك إيه يا حاج سليم علشان تكرهني بالشكل ده؟!

بصلي ببرود وقال:

— الأرض دي أصلًا مش مكانها عندك!

قلتله:

— دي أرض بيتي، ومعايا ورق يثبت ده!

رد وهو بيقفل الباب في وشي:

— الأيام هتعرفك الحقيقة!

فضلت الجملة دي ترن في ودني، لكن ما فهمتش قصده.

عدت السنين، والمشاكل بينا ما انتهتش.

لدرجة إن الجيران كانوا بيهزروا ويقولوا:

— اليوم اللي واحد فيكم يمشي من الحي، التاني هيعمل فرح!

لكن في صباح يوم اتنين، صحيت على صوت عربية إسعاف واقفة قدام بيته.

وبعد ساعة، عرفت إن الحاج سليم رحل.

وقفت عند الشباك، وبصيت على بيته المقفول، وحسيت بمشاعر متلخبطة.

رغم كل اللي عمله معايا، زعلت إنه رحل لوحده.

دعيتله بالرحمة، وقلت لنفسي:

— خلاص يا ليلى… الحكاية انتهت.

لكن اللي ما كنتش أعرفه، إن الحكاية الحقيقية لسه هتبدأ!

تاني يوم، رن موبايلي من رقم غريب.

— ألو، مدام ليلى؟

— أيوه، مين معايا؟

— أنا محامي المرحوم الحاج سليم، وحضرتك مطلوب حضورك لفتح الوصية.

افتكرت إنه متصل برقم غلط.

— وصية مين؟! الحاج سليم جاري؟!

— أيوه يا فندم، وحضرتك مذكورة فيها بالاسم.

قفلت المكالمة وأنا مش فاهمة حاجة.

لكن الفضول غلبني، وقررت أروح.

ولما دخلت مكتب المحامي، لقيت اتنين من ولاد أخوه وابن أخته قاعدين، وكلهم باين عليهم إنهم مستنيين يعرفوا نصيبهم من الورث.

أول ما شافوني، واحد منهم قال بسخرية:

— وإنتِ جاية تعملي إيه هنا؟! مش كفاية المشاكل اللي عملتيها لعمي وهو عايش؟!

قبل ما أرد، المحامي قال بحزم:

— مدام ليلى موجودة بناءً على طلب المرحوم نفسه.

فتح الملف، وعدل نضارته، وبدأ يقرأ.

وبعدين نطق بالجملة اللي خلت كل اللي في الأوضة يتجمدوا:

— أوصى المرحوم الحاج سليم بجميع ممتلكاته للسيدة ليلى، جارتِه المقيمة بالمنزل المجاور!

واحد من قرايبه قام من مكانه وقال بانفعال:

— مستحيل! دي الست اللي كان بيكرهها! أكيد الوصية دي غير صحيحة!

لكن المحامي رفع إيده وقال:

— الوصية موثقة، وفيه شرط أساسي لازم يتنفذ.

بصيتله وقلبي بيدق بسرعة.

— شرط إيه؟!

طلع ظرف أبيض قديم، مكتوب عليه اسمي بخط إيد الحاج سليم.

وقال:

— المرحوم طلب مني ما أفتحش الظرف ده غير في وجودك.

فتح الظرف، وطلع منه ورقة مطوية وصورة قديمة.

وأول ما بص على الصورة، ملامحه اتغيرت.

وبعدين رفع عينه ناحيتي وسألني سؤال غريب:

— مدام ليلى… هو حضرتك تعرفي إيه اللي حصل لأبوكي من سبعة وتلاتين سنة؟!

ساعتها حسيت إن جسمي تجمد في مكانه… لأن أبويا كان مختفي من وأنا طفلة، وأمي رحلت من غير ما تحكيلي الحقيقة!

والأغرب إن الصورة اللي كانت في إيد المحامي… كانت صورة أبويا واقف جنب الحاج سليم!

لكن الصدمة الأكبر كانت في الشرط اللي مكتوب تحت الصورة… شرط لو وافقت عليه، هضطر أفتح قبر سر دفنته عيلتي من سنين!

اتسع نطاق الصمت داخل مكتب المحامي كأنه بئر بلا قرار. العيون كلها تحولت نحوي، تارة بالدهشة، وتارة بالاستغراب والغيظ. أما أنا، فكنت كمن تلقى صفعة أذهلته عن الصراخ.

أبويا؟ كيف ظهر أبويا في صورة مع الحاج سليم، الرجل الذي قضى سنوات عمره معي في خصام ومطاردات ومحاضر؟

مددت يدي المرتجفة نحو المكتب، وخطوت خطوة بطيئة كأنني أمشي على زجاج مكسور. تناولت الصورة القديمة، المصفرة أطرافها بفعل الزمن. كانت بالأبيض والأسود. رأيت فيها شابين في مطلع العشرينيات، يقفان أمام نفس البيت الذي أعيش فيه الآن، لكنه كان يبدو قديماً ومتهالكاً. أحدهما كان أبي بملامحه الشابة التي حفظتها من صور طفولتي المحدودة، والآخر… كان الحاج سليم في شبابه، يبتسم ابتسامة خفيفة مختلفة تماماً عن عبوسه الذي عرفته طوال السنين الماضية!

همست بصوت متهدج بالكاد يخرج من حلقي الجاف:

— هـ… هؤلاء… كيف؟ متى التقطت هذه الصورة؟

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى