روايات وقصص

جارنا كان بيكرهني حكايات اسما 1

نظر إليّ الأستاذ رؤوف، المحامي العجوز، بنظرات مليئة بالشفقة والجدية في آن واحد، وقال:

— اقعدي يا مدام ليلى، وتوسّعي صدرك لسماع ما سأرويه لكِ، لأن الحكاية أثقل بكثير مما تتخيلين.

أحد أولاد أخوة الحاج سليم هبّ واقفاً بانفعال وصرخ بوجه المحامي:

— كفاية مهازل! إحنا مش هنسمع خرافات! عمنا رحل وجنون الأواخر ده ملوش قيمة قانونية! البيت ده والأرض دي حقنا الشرعي، ومش هنخلي وحدة غريبة تاخد تعب سنين بعقود مشبوهة أو وصايا غير صحيحة!

لكن الأستاذ رؤوف لم يكترث لصراخه، وفتح درج مكتبه وأخرج ورقة رسمية مختومة بختم المحكمة، وقال بصوت حاسم:

— الوصية موثقة قانونياً بكامل العقل والاهلية قبل وفاة المرحوم بثلاثة أشهر، ومعها أوراق ملكية أصلية تمنح السيدة ليلى الحق الكامل. وإذا أراد أحدكم الطعن، فالباب مفتوح أمام المحاكم، لكن الأسبقية الآن لقراءة شرط المالك الأخير الذي تركه بخط يده.

جلس القريب مكرهاً، ووجهه يشتعل غضباً، بينما التفت إليّ المحامي وقال:

— اسمعي يا ليلى، والدكِ لم يختفِ صدفة، ولم يترككِ وأمكِ لمجرد القسوة كما كانت تظن أمكِ طوال حياتها. الحاج سليم لم يكن يكرهكِ… بل كان يراقبكِ طوال سبع سنوات ليتأكد من شيء واحد فقط.

— أؤكد من ماذا؟! — قاطعتُه بلهفة كادت تقتتل مع دقات قلبي.

أخذ المحامي نفساً عميقاً، وبدأ يقرأ ما هو مكتوب بخط يد الحاج سليم خلف الصورة القديمة:

«إلى ابنتي التي لم أولدها… ليلى. أعرف أنكِ لعنتِ اسمي ألف مرة، وكنتِ تتمنين زوالي من الوجود بسبب ملاحقاتي لكِ. لكن ما لا تعرفينه، هو أنني كنت أُطهّر ذنباً عظيماً اقترفته يداي ويد أبيكِ قبل سبعة وثلاثين عاماً. البيت الذي تشترينه ليس مجرد جدران، بل هو شاهد على سر دفنّاه في الخفاء. ولكي تملكي الميراث كاملاً، عليكِ تنفيذ شرطي الوحيد: أن تحفري في منتصف قبو البيت القديم تحت الأرض، وتستخرجي “الصندوق” الذي دفناه معاً ليلة اختفاء أبيكِ… وتسلّميه بنفسكِ للجهات المختصة، لتُعلني للعالم براءة أبيكِ الحقيقية التي رحل وهو يحمل وزرها!»
عمّ سكون مرعب في الغرفة.

قمت من مقعدي وأنا أنظر إلى المحامي غير مصدقة:

— حفر؟ قبو؟ أبي لم يهرب، أين كان كل هذه السنين؟ وأي سر تتحدث عنه؟!

أجاب المحامي بنبرة هادئة ومؤلمة:

— أبوكِ لم يهرب يا ليلى… أبوكِ فقد حياته في تلك ليلة، ودُفن جثمانه في السر تحت هذا البيت بالذات. والحاج سليم، طوال سنوات عمره، عاش بتأنيب ضمير قاتل، وكان يختلق معكِ المشاكل ليختبر شجاعتكِ وقوتكِ، ليرى إن كنتِ تستطيعين تحمل الحقيقة الثقيلة التي لم يجرؤ أحد على كشفها سواكِ.

شعرت أن الأرض تميد بي، وأن جدران المكتب تضيق حتى بالكاد تنفسي. الميراث، البيت، الأموال… كلها تهاوت أمام حقيقة أرعبتني أكثر من أي شيء. هل أذهب إلى ذلك القبو المظلم؟ هل أنبش ماضياً ظل دفيناً لعقود؟

نظر إليّ المحامي بانتظار إجابتي، وقال:

— القرار لكِ وحدكِ يا ليلى… إما أن تغلقي الملف وتتنازلي عن كل شيء وتعيشي بسلام، وإما أن تفتحي باب الحقيقة وتعرفي أين دفن أبوكِ حقاً.

ماذا تفعلين يا ليلى؟ هل تخوضين هذه التجربة وتفتحي السر الذي تركته العائلة؟ أم تتراجعين قبل فوات الأوان؟

وقفتُ أمام المحامي غير قادرة على النطق بكلمة واحدة، الحروف تجمدت في حلقي، وصوت دقات قلبي كان يعلو في أذني. كيف أختار بين حياة هادئة كاذبة، وبين حقيقة مدفونة تحت أرض بيتي منذ سبعة وثلاثين عاماً؟

لكن سرعان ما تبدد هذا التردد وحل مكانه غضب دافئ، واختلطت دموع الصدمة بيقين صارم. أبويا لم يهرب، لم يتخلى عني كما كانت تظن أمي وهي تقضي سنوات عمرها تبكي على أطلاله. أبويا فقد حياته، وظل مظلوماً طوال هذه السنين!

رفعت وجهي ونظرت إلى الأستاذ رؤوف بعينين تحترقان، وقلت بصوت حاسم ومتهدج:

— لن أتنازل عن شيء… وسأعرف أين دفن أبي، حتى لو كان الثمن هو راحتي.

حاول ابن أخو الحاج سليم الصراخ مجدداً مستنكراً، لكن المحامي أشار إليه بصرامة وأغلق الملفات قائلاً:

— لقد اختارت مدام ليلى طريقها، والوصية قانونية وموثقة، وعلى الجميع احترام رغبة المرحوم الأخيرة.

خرجت من مكتب المحامي كمن تسير في حلم ثقيل. الشارع كان صاخباً، والناس يمضون في حال سبيلهم، بينما كنت أرى العالم من زجاج فاصل وبطيء. رجعت إلى البيت، البيت الذي عشت فيه سبع سنين ألعن جاره العجوز، وأدعو عليه في كل صلاة، لأكتشف الآن أن هذا العجوز لم يكن سوى شريك في سر أليم، وحارس خفي انتظر طويلاً ليترك لي مفتاح الحقيقة.

فتحت باب البيت، وكان الشارع هادئاً بشكل مرعب. دخلت إلى الصالة، واتجهت مباشرة نحو الباب الخشبي القديم المكسور في زاوية المطبخ، الباب الذي طالما ظننته مجرد مخزن قديم للكراتين والمهملات القديمة، ولم أجرؤ يوماً على فتحه أو استكشافه.

أخرجت المفتاح الثقيل الذي سلمني إياه المحامي من ظرف الوصية. كان صدئاً وبارداً. أدخلته في القفل، فصدر عنه صرير مزعج وكأن الباب لم يفتح منذ عقود. دفعته بكتفي، فانبعثت رائحة غبار كثيفة ورطوبة قديمة جعلتني أسعل بقوة. أضأت كشاف هاتفي المحمول، وبدأت أنزل السلالم الحجرية المؤدية إلى القبو السفلي بخطوات بطيئة وحذرة.

الظلام كان حالكاً، والبرودة تسللت إلى عظامي. الجدران كانت محاطة بالحجارة القديمة، والأتربة تغطي كل شبر. وصلت إلى قاع القبو، فوقفت وسط المكان وميض النور يرتعش في يدي. تذكرت كلمات الحاج سليم في الوصية: «أن تحفري في منتصف قبو البيت القديم تحت الأرض، وتستخرجي “الصندوق” الذي دفناه معاً ليلة اختفاء أبيكِ».

نظرت حول فوجدت مجرفة قديمة وأداة حفر صغيرة مركونين في ركن المظلم، كأن شخصاً ما وضعهما هناك خصيصاً لي. تبسمت بمرارة؛ نعم، إنه هو… الحاج سليم، كان يجهز لكل شيء حتى بعد رحيله!

اقتربت من منتصف القبو، وتنفست عميقاً، ثم أمسكت بأداة الحفر وبدأت أضرب الأرض الصلبة. كانت الضربات ترد صداها في المكان الموحش. التراب يتطاير على وجهي وملابسي، وعضلات ذراعيّ بدأت تؤلمني بشدة، لكن شيئاً بداخلي كان يدفعني للاستمرار مهما كانت التكلفة.

بعد أكثر من ساعة من العمل المضني والمتواصل، اصطدمت الأداة بشيء صلب أصدر صوتاً معدنياً حاداً: طن!

جثوت على ركبتي فوق التراب، وبدأت أزيح التراب والحجارة بيديّ المرتجفتين بلا مبالاة بجروحي الصغيرة. ظهر لي صندوق خشبي قديم، محكم الإغلاق، ومغطى بطبقات من القماش البلاستيكي لحمايته من التآكل والرطوبة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى