
سحبته بصعوبة بالغة حتى أصبح فوق سطح الأرض. كان ثقيلاً، ومغلقاً بقفل حديدي قديم. تذكرت المفتاح الثاني الصغير الذي كان داخل الظرف الأبيض مع الصورة. أخرجته بسرعة، ويدي تكاد ترتجف تماماً. أدخلته في القفل، ودار بصعوبة بالغة حتى سمعت صوت “تكة” الفتح.
رفعت غطاء الصندوق ببطء شديد، وكأنني أفتح صندوقاً للأسرار المدفونة.
ما رأيته داخل الصندوق جعلني أتراجع إلى الخلف وأنا أطلق شهقة مكتومة حبست في حلقي!
لم يكن الصندوق يحتوي على أموال أو مجوهرات كما توقع ابن أخو الحاج سليم وأقاربه الطامعون… بل كان يحتوي على ثلاثة أشياء أساسية:
دفتر يوميات قديم يحمل اسم والدي، وصفحاته مليئة بخط يده وتفاصيل شراكة تجارية قديمة جمعته بالحاج سليم وأشخاص آخرين من كبار تجار الحي.
وثائق قديمة وأوراق رسمية باهتة، عليها آثار بقع داكنة تحولت إلى اللون الأسود بفعل الزمن، بجانبها ظرف مغلق لم يُفتح بعد!
وثيقة اعتراف رسمية ومكتوبة بخط يد الحاج سليم وموقعة ببصمته وخاتمه، مؤرخة منذ سبعة وثلاثين عاماً، وبجانبها مستندات بنكية وأوراق ملكية أصلية تثبت تورط أشخاص آخرين نافذين في الحي في جريمة تدبير اختفاء والدي والتخلص منه عندما رفض المشاركة في أعمال غير مشروعة!
تناولت دفتر اليوميات بيديّ المرتجفتين، وفتحت أول صفحة، فوجدت رسالة موجهة لي خصيصاً بخط يد الحاج سليم، كُتب فيها:
«يا ليلى… لو قرأت هذه السطور، فهذا يعني أنكِ نجحتِ في الاختبار، وأنكِ امتلكتِ الشجاعة التي افتقدتها أنا طوال حياتي. أبوكِ لم يخُنكِ، ولم يهرب. لقد رفض التوقيع على صفقاتهم غير المشروعة، فدبّروا له مكيدة ليلة زفاف والدتكِ، وخبأوا جثمانه هنا. وأنا… كنت شريكاً بالصمت خوفاً على عائلتي، فبات ضميري يؤرقني كل يوم حتى جعلني أكرس حياتي لمراقبتكِ وحمايتكِ من بعيد، واليوم حان الوقت ليرتاح هو، وترتاحي أنتِ أيضاً.»
غرقت في نوبة بكاء مرير وصامت، دموع تبلل صفحات الدفتر العتيق. لقد ظهرت الحقيقة كاملة، حقيقة أعادت لأبي شرفه واسمه الطاهر، وألقت بالجرائم القديمة في وجه من استحقوها.
لكن، وقبل أن أستوعب هول ما قرأت، سمعت صوت حركة خفيفة وصوت خطوات ثقيلة تنزل على سلالم القبو من الأعلى!
التفت بذعر شديد نحو السلالم، وكان الظلام يمنعني من رؤية القادم بوضوح، لكنني سمعت صوتاً غليظاً ومألوفاً يقول بهدوء بارد:
— يبدو أنكِ شاطرة يا ليلى، ولقيتي اللي دورنا عليه سنين طويلة… بس للأسف، الحكاية لسه فيها كلام تاني!




