
جدتي عندها 90 سنه جات تزورني في بيت جوزي لاول مره بس لما وقفت على باب الشقه اتنفضت مكانها وحلفت ما تخطي عتبتنا ، الكل قال الست كبرت و خرفت متزعلوش منها ، بس قبل ما تمشي شدتني وهمست بجمله طيرت عقلي حرفيا!!
البيت كان متزوق وكل حاجة بتلمع، ما انا عروسه جديده مبقاليش اسبوع
بس اليوم ده مكانش عادي..في اليوم ده اخيرا اهلي هيزوروني وكنت واقفة مستنياهم بابا وماما و تيته غاليه. تيته غاليه دي مش مجرد ست كبيرة وخلاص، دي بركة العيلة، الناس بتاعة زمان اللي روحهم خفيفة وشايفين الدنيا بصفاء نؤمن بيه من غير ما نفهمه
كانت غريبه جدا مش بتعلم الغيب حاشا لله بس كانت تبص في وش البني آدم وتقولك ده فيه كذا وكذا، وتطلع صح. تقدروا تقولوا بتقرا الملامح
كانت ست فيها لله مبتفوتش فرض ولما كنا صغيرين وكنت اقوم مفزوعه بالليل، تقرأ عليا بس الفاتحة ومعوذتين، كنت اهدى ونام في ساعتها.
لما جه معتز جوزي عشان يتقدم لي، أول واحدة جريت أخد رأيها كانت هي. فاكرة يومها كأنه النهاردة، قعدت جنبها ومسكت إيدها وقلت لها: “إيه رأيك يا تيته في معتز؟” سكتت شوية، وسرحت بعيد بعينها اللي غطاها الضباب بتاع السن، وقالت بنبرة هادية وبطيئة: “كويس يا بنتي.. بس مخبي في قلبه كتير.” الكلمة ورنت في ودني، بس الفرحه خلتني أعدي الجمله دي وما أقفش عندها كتير.
ومرت الأيام، واتجوزنا، وتيته عشان صحتها والتسعين سنة اللي شايلاهم على ظهرها، ماقدرتش تحضر لا الفرح ولا تجهيز الشقة. فكان اتفقنا إن بابا وماما يجيبوها لحد عندي، تشوف بيتي وتفرح بيا.
أول ما الأسانسير فتح ووصلوا قدام باب الشقة، كنت واقفة فاتحة دراعاتي وبضحك، وبقولها: “نورتي بيتي يا تيته!”.. بس قبل ما رجليها تلمس العتبة، حسيت بجسمها كله اتفض فجأة! اتنطرت لورا كأن حد زقها بعيد، وحلفت يمين قاطع: “والله ما أنا داخلة! والله ما أحط رجلي جوه العتبة دي أبدا!”
في اللحظة دي انا اتجمدت مكاني وجوزي وأهله اللي كانوا واقفين يستقبلوا اتغيرت وشوشهم، والإحراج أكل الوشوش. بابا اتكسف جدا ومسك إيدها بيحاول يهدّيها: “جرى إيه يا أما؟ متفضحيناش قدام الناس! الشقة شقة بنتك هندخل ونبركلها ونمشي.” بس هي كانت ناشفة زي الشجرة ، وقالت بإصرار: “هاتولي كرسي هنا.”
فعلاً جيبت لها كرسي وقعدت عليه بره قدام باب الشقة المفتوح. جوزي انسحب لجوه وهو متضايق وبيحاول يداري غضبه، وبابا قعد يعتذر ويقولهم: “معلش يا جماعة، الست كبرت وعدت التسعين والمخ خلاص مش مجمع، كبرت وخرفت متزعلوش منها.” الكلمة وجعتني، بس ما كنتش قادرة أتكلم.
القعدة جوه كانت تقيلة ومخنوقة. بابا وماما مقعدوش كتير، الموقف كان مالي الجو توتر، وبعد أقل من نص ساعة استأذنوا عشان يروحوا. خرجوا بره الشقه عشان يأخدوا تيته من على الكرسي ويمشوا. وقفت جنبها وأنا حزينة وعيني مليانة دموع، وبمد إيدي أساعدها تقوم.
في اللحظة دي، مسكت في إيدي.. مسكة قوية أوي! قوة مش بتاعة ست عندها تسعين سنة أبداً، كأنها بتستغيث أو بتحذرني شدّتني ليها وأنا تلقائياً وطيت بدماغي عشان أسمعها، وحطت بؤها قريّب جداً من ودني وهمست لي بنبرة هادية بس مرعبة، نبرة خالية تماماً من أي خرف أو قلة عقل، وقالت لي كلام طيّر عقلي من مكانه، كلام مش قادر استوعبه او استوعب إزاي هي عرفت حاجة زي دي!!!!!
مسكت تيته إيدي بقوة غريبة، وشدتني ليها لحد ما ودني بقت قصاد شفايفها بالظبط. نبرة صوتها اتغيرت تماماً، راحت منها بحة السن ورعشة الخرف، وتكلمت بصوت حاد وواضح زي السيف وقالتلي:
“الشقة دي مش بيت يا عروسة.. الشقة دي مقبرة مدموسة! العتبة دي مقفولة بدم، وتحت السيراميك اللي بيلمع ده فيه حاجة مدفونة تخص واحدة كانت مكانك وقبل ما تمشي سابت حسرتها في الأركان. الراجل اللي جوه ده مش مخبي في قلبه كتير وبس.. ده عايش مع روح غيرك، والحيطان دي بتصرخ من غير صوت. لو دخلت كملت ليلتك جوه، مش هتطلعي منها على رجليكي!”
الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة. ثلج مشي في عروقي، وعيني وسعت وأنا بصالها ومش قادرة أتنفس. قبل ما ألحق أستوعب أو أسألها حرف واحد، سابت إيدي فجأة، ورجعت بظهرها على الكرسي وعينيها أطفت، ورجعت تاني نبرتها الضعيفة المكسورة وهي بتقول لبابا: “يلا يا بني روحني.. حيلتي اتهد.”
بابا وماما أخدوها ونزلوا في الأسانسير. وقفت في الطابق لوحدي قدام الباب المفتوح، الهواء كان بارد جداً على غير العادة. الشقة من جوه كانت منورة، والريحة الحلوة اللي كنت رشّاها ملية المكان، بس فجأة بقيت شايفاه مكان مرعب والغرفة اللي جوه بقت شبه الكهف.
دخلت الشقة بخطوات تقيلة، ورجلي بتترعش وهي بتعدي نفس العتبة اللي تيته رفضت تخطيها. معتز كان قاعد في الصالة، ماسك تلفونه ووشه مشدود وغضبان. أول ما شافني دخلت وقف وقال بنبرة مليانة غيظ:
“إيه الجنان ده يا هدى؟ هي جدتك جاية تتمنظر علينا ولا جاية قدام أهلي؟ يعني إيه تحلف متخشوش وتعد على الكرسي بره كأننا جربانين؟”
كنت بصاله ومبتردش. عيني كانت بتتحرك في وش معتز وبحاول ألمح أي أثر للراحة، بس كلمتها كانت بترن في دماغي: “الراجل ده مخبي في قلبه كتير.. عايش مع روح غيرك.”
سكوتي ده نرفزه زيادة، قرب مني ومسك دراعي وقال: “أنا بكلمك! مالك متنحة كده ليه؟ هي قالتلك إيه وهي بتشدك؟”
هزيت راسي بسرعة وقلت بصوت مقطوع: “مماقالتش حاجة.. كانت بتعتذرلي وبتقولي متزعليش مني.”
معتز بصلي بشك، عينيه دايقت وهو بيمعن في وشي، وبعدين ساب دراعي وقال: “طب خشّي غيري هدومك دي، اليوم اتنكد عليه خلاص.”
مشيت على أوضة النوم. الأوضة اللي بقالي أسبوع بدخلها وأنا حاسة إني ملكت الدنيا. قفلت الباب عليا بالمفتاح، وقعدت على حرف السرير وبدأت بصري يطوف في الأركان. مقبرة مدموسة؟ دم وتحت السيراميك؟
كلام تيته مكانش ينفع يتجاهل. تيته عمرها ما قالت كلمة للهوا، طول عمرها بتشوف اللي استخفى عن عيون الناس.
افتكرت حاجة غريبة جداً حصلت في أول يوم دخلنا فيه الشقة بعد الفرح. معتز كان مأجر شركة تنظيف وتعقيم للمكان قبل الجواز بيومين، ولما جيت أدخل الأوضة الصغيرة اللي في آخر الممر — اللي اتفقنا نخليها أوضة للأطفال بعدين — لقيتها مقفولة بمفتاح تقيل، ولما سألته عنها يومها، اتوتر وقال بثبات زائف: “دي فيها كراتين وكركبة الحاجات القديمة بتاعتي وبتاعت الشقة، سبيها مقفولة عشان الكراكيب متعملش تراب.”




