روايات وقصص

حكايات امانى السيد 1

ماما انا عايزك تمثلى انك تعبانه عشان اجبلك حنين تقعد معاكى ـ بس انا مش تعبانه ـ عارف بس انا عايز حنين تخرج من الشقه عشان اوض بها واتجوز فيها انا عايزك تمثلى انك تعبانه وتشغليها كام يوم عشان اعرف اوضب براحتى واتجوز من غير مشاكل وبعد كده لما هى تعرف هحطها قدام الامر الواقع يا توافق تعيش معاكى تخدمك يا اطلقها

 

مقالات ذات صلة

بصتلها بنظرة كلها رجاء، وقربت من السرير وقعدت على طرفه: “يا أمي افهميني، حنين لو عرفت إني هقلب الشقة عشان أتجوز فيها هتقلب الدنيا وتعمل مشكلة مع العروسة الجديدة من قبل ما تدخل، لكن لو راحت عندك بحجة إنك مريضة ومحتاجة رعاية، هتبقي مشغولة معاكي وأنا أخلص كل حاجة في هدوء.”

الأم سكتت ولفت وشها الناحية التانية وهي حاسة بتقل في قلبها، ردت بصوت واطي: “والأمر الواقع ده يا ابني مش قاسي شوية؟ دي حنين شايلاني في عينيها من يوم ما دخلت البيت، تطلع من شقتها تلاقي ضرة ولما تعترض نقولها يا تخدمي يا تطلقي؟”

رد عليها بحدة وهو بيقوم يقف:

ـ “الجيل ده مبيجيش غير كده، وبعدين أنا مش هرميها، أنا عامل حسابي إنها تفضل موجودة عشان تخدمك وتشيل عنك، والعروسة الجديدة ليها حق تعيش في مكان متوضب وجديد.. يلا يا ست الكل، مفيش وقت، غمضي عينك وطلعي الآه، وأنا هتصل بيها دلوقتي أقولها إنك وقعتِ وتعبانة ومحتاجة حد يبات معاكي.”

مستناش يسمع ردها، وطلع موبايله وبدأ يمثل اللهفة والخوف في صوته وهو بيطلب رقم “حنين”. أول ما فتحت السكة، بدأ ينهج:

ـ “أيوة يا حنين.. إلحقيني، أمي تعبانة جداً وشكلها مش قادرة تتحرك، لازم تيجي حالاً تقعدي معاها، أنا مش هعرف أسيبها لوحدها وأنا في الشغل!”

على الناحية التانية، حنين مكدبتش خبر، وفي أقل من ساعة كانت واقفة قدام باب البيت بشنطة صغيرة، وقلبها واكلها على حماتها، من غير ما تعرف إن الشنطة دي هي أول خطوة في خطة “الخروج بلا عودة” لشقتها اللي عاشت فيها سنين.

دخلت حنين الشقة وهي بتنهج، وشها كان أصفر من الخضة. رمت شنطتها وجريت على أوضة حماتها، لقت الأوضة مضلمة والأم نايمة ومغطية وشها باللحاف.

ـ “سلامتك يا ماما.. ألف سلامة عليكي، إيه اللي حصل بس؟” سألت حنين بصوت مرعوش وهي بتمسك إيد حماتها اللي كانت بتترعش فعلاً، بس من الكسوف والذنب مش من المرض.

الأم ردت بصوت مخنوق ومتقطع:

ـ “الله يسلمك يا بنتي.. تعب مفاجئ.. معلش تقلت عليكي.”

حنين بسرعة بدأت تتحرك في البيت، جهزت كمادات وعملت شوربة دافئة، وكل شوية تدخل تطمن عليها وتعدل لها الغطا، وهي مش عارفة إن جوزها في اللحظة دي واقف في شقتها “شقة الزوجية”، ومعاه “مقاول” وصنايعية، بيشاورلهم ببرود:

ـ “الحيطة دي تتهد، والأوضة دي تتفتح على الصالة، عايز الشقة دي تبقى عروسة في أسبوع واحد، مش عايز أثر لأي حاجة قديمة كانت هنا.”

مرت تلات أيام، وحنين محبوسة في خدمة حماتها، تليفونها مبيفصلش وهي بتطمن جوزها:

ـ “متقلقش يا حبيبي، ماما بدأت تتحسن شوية بس لسه مش قادرة تقف على رجليها، خليك أنت في شغلك وأنا معاها متشلش هم.”

وهو يرد بمنتهى الخبث:

ـ “عارف يا حنين إنك أصيلة، خليكي معاها كمان يومين لحد ما أتأكد إنها بقت كويسة تماماً، أنا حتى مش عايز أشغل بالك بمشاكل الشقة عندنا، خليكي مركزة مع أمي.”

وفي اليوم الخامس، والأم مش قادرة تداري عينيها اللي مليانة دموع كل ما تبص في وش حنين، قررت حنين إنها تروح شقتها تجيب غيارات تانية وتطمن على حال البيت.

في اليوم الخامس، كانت الشمس غاربة، والسكون يخيم على شقة الأم التي امتصت برودة الخدعة طوال الأيام الماضية. حنين، بزفرة تعب شريفة وابتسامة راضية، كانت تقف أمام مرآة الصالة الصغيرة تلملم شعرها المجهد. التفتت إلى غرفة حماتها وهي تحمل حقيبتها الصغيرة فارغة إلا من بضع أغراض، وقالت بصوت ناعم يحمل كل الدفء:

ـ “ماما حبيبتي، أنا نازلة الشقة تحت ساعة واحدة بس.. هغير هدومي، وأجيب شوية غيارات ناضيفة، وأجيب ملايات جديدة أفرشهالك، وهطلع فوراً نعمل عشا دافي مع بعض.. محتاجة أي حاجة من تحت قبل ما أنزل؟”

الأم، التي كانت ترقد تحت الغطاء، انقبض قلبها انقباضة شديدة حتى كادت تتنفس بصعوبة. فتحت عينيها المغرورقتين بالدموع، ومدت يدها المرتعشة وتمسكت بكرة قماش فستان حنين بكل ما أوتيت من قوة. بلعت ريقها المر وقالت بصوت متهدج:

ـ “بلاش يا حنين.. بلاش تروحي تحت يا بنتي دلوعتي.. خليكي جنبي، أنا… أنا حاسة إني خايفة أقعد لوحدي، اطلبي أي حاجة بالتليفون، بلاش تنزلي الشقة النهار ده!”

ابتسمت حنين بحنان، وقبلت يد حماتها الجافة وهي تظن أن هذا الخوف مجرد عرض من أعراض المرض والتعلق الكبير بها:

ـ “يا حبيبتي يا ماما، متخافيش، مش هتأخر والله! ده هما دورين بالسلم، عشر دقائق بالظبط وهكون قدامك.. أنتِ زي الفل أهو، وأنا مش هغيب.. لازم أطمن على شقتي برضه، جوزك -قصدي ابنك- سايبها تضرب تقلب أكيد من يوم ما جيتلك!”

خرجت حنين من الغرفة بخطوات سريعة متفائلة، تسبقها نيتها الطيبة وصوت كعب حذائها المنخفض على السلم. بينما ظلت الأم في مكانها، تجلس على السرير، تشبك يديها وتنهمر دموعها بكسرة وعجز، تمتم بكلمات خافتة: “يا رب استر.. يا رب سامحني على الذنب ده.. يا رب ما تتكسرش كسرة مالهاش جبر.”

وصلت حنين إلى باب شقتها. أخرجت المفتاح من حقيبتها، وأدخلته في القفل، لكن المفتاح دار في الفراغ! تعجبت.. جربت مرة أخرى، لكن الباب كان مفتوحاً على غير العادة، ومردوداً فقط بشعر بسيط.

دفعت الباب ببطء، وهي تتساءل في سرها إن كان زوجها قد عاد من عمله مبكراً ليسبقها إلى البيت. لكن بمجرد أن خطت أول خطوة داخل العتبة، استقبلتها رائحة نفاذة.. رائحة غبار دهانات حديثة، وسمنت رطب، ورائحة ثينر حادة تملأ الأجواء!

وقفت حنين في منتصف الصالة، وسقطت حقيبتها الصغيرة من يدها ببطء شديد على الأرض، بينما اتسعت حدقتا عينيها في صدمة شلت تفكيرها لثوانٍ.

الصالة لم تكن صالتها!

الصالون الذهبي الجميل الذي اختارته مع زوجها قطعة بقطعة، كان مكدساً فوق بعضه في أقصى الزاوية ومغطى بملاءات بلاستيكية مليئة بالتراب الأبيض. جدار الغرفة المجاورة للصالة كان مهدوماً بالكامل، وأكياس السمنت والجبس تملأ المكان. والأمر الذي جعل قلبها يسقط في صدريها كالحجر، هو جدار الصالة الرئيسي الذي كان مدهوناً بلون وردي زاهٍ (بيبي بينك) ملفت، لم تكن هي تحبه أبداً، وأثاث جديد تماماً ملفوف بالكرتون والمطاط يملأ الممر!

تجمعت الدموع في عيني حنين فوراً، واعتصر قلبها. تخيلت أن زوجها أراد أن يفاجئها بتجديد البيت كهدية لاهتمامها بوالدته، لكن الرعب تسلل إلى قلبها من شكل الدمار والسرعة التي تم بها الأمر دون علمها.

في تلك اللحظة، خرج زوجها من داخل غرفة النوم وهو يرتدي ملابس منزلية كاجوال، يحمل في يده شريط قياس متري، ويتحدث في الهاتف بضحكة وصوت مرتفع:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى