
ـ “أيوة يا حبيبتي.. الشقة خلاص فاضلها التاتش الأخير، الدهانات تخلص بكرة والفرش الجديد يترص.. متقلقيش، كل حاجة على ذوقك بالظبط زي ما اتفقنا في الكتالوج.. الشقة هتبقى جديدة لنج ولا كأن حد سكن فيها قبلك!”
تجمعت الحروف في حنجرة حنين، وشعرت بركبتيها تترعان. سقط الهاتف من يد زوجها ببطء عندما التفت ورآها تقف كالتمثال في منتصف الركام. أُسقط في يده لثوانٍ، وتغيرت ملامحه من البهجة إلى التوتر، لكنه سرعان ما استجمع ثباته المزيف واستبدله بالبرود والسيادة.
-
حكايات زهره الربيع 1منذ دقيقة واحدة
-
رجعت حكايات رومانى مكرم 2منذ ساعة واحدة
-
رجعت حكايات رومانى مكرم 1منذ ساعتين
-
حكايات امانى السيد 2منذ 4 ساعات
أنهى المكالمة بسرعة، ووضع الهاتف في جيبه، ثم تقدم نحوها بخطوات بطيئة وهو يكتف يديه:
ـ “حنين؟! إيه اللي جابك دلوقتي؟ مش قلتلك تفضلي فوق مع أمي لحد ما أقولك ينفع تنزلي؟”
ردت حنين بصوت يرتجف من الهول، وأشار بيدين مرتعشتين نحو الجدران المهدمة والأثاث الجديد:
ـ “إيه ده يا مدحت؟… إيه اللي بيحصل هنا؟ شقتي مالها؟ ومين دي اللي بتكلمها في التليفون وتقولها الشقة هتبقى زي ما اتفقتوا؟… تتفق مع مين على شقتي؟!”
تنهد مدحت بتأفف، وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة ويستعجلها، وقرر ألا يضيع وقتاً في التبرير. نظر في عينيها ببرود قسوة أذهلتها:
ـ “بصي يا حنين.. طالما نزلتِ وعرفتِ بنفسك، يبقى بلاش لف ودوران ولا تمثيل. أنا راجل، ومن حقي أتجوز وأجدد حياتي. الشقة دي بتتعاد من جديد عشان عروسة جديدة هتدخلها الأسبوع الجاي.. العروسة ليها حق تبدأ في مكان جديد بفرش على ذوقها.”
شعرت حنين وكأن أحداً يسكب ماءً مغلياً على رأسها. ترنحت إلى الخلف خطوة، وتمسكت بحافة حائط ملطخ بالدهان حتى لا تسقط:
ـ “عروسة جديدة؟! تجيب عروسة جديدة في شقتي أنا؟ الشقة اللي تعبنا فيها وشقينا عشان نفرشها؟.. وأنا؟ أنا فين من كل ده يا مدحت؟”
ابتسم مدحت ببرود لا إنساني، وخطا خطوة قريبة منها:
ـ “أنتِ؟ أنتِ ست أصيلة يا حنين، ومكانك محفوظ وموجود.. أنتِ مكانك فوق مع أمي. أمي كبرت وتعبانة وأنتِ شايفاه بنفسك، الشقة فوق واسعة ومحتاجة حد يشيلها ويخدمها.. هتقعدي فوق مع أمي، معززة مكرمة، تخدميها وتاكلي معاها، وأنا هنا في شقتي مع مراتي الجديدة.. وده كل الموضوع.”
نزلت الدموع على خدود حنين كالجمر، لكنها لم تكن دموع ضعف، بل كانت دموع قهر وصدمة. بدأت الصورة تترابط في ذهنها كقطع البازل الشيطاني:
ـ “أُمك؟… استنى هنا… أمك تعبت فجأة؟ من خمس أيام؟.. أنت… أنت استغليت تعب أمك عشان تخرجني من الشقة وتبدأ تهد فيها من ورايا؟!”
ضحك مدحت بصوت خفيف وبسخرية:
ـ “بصراحة؟ أمي مكنتش تعبانة أوي ولا حاجة.. الموضوع كله كان تمثيلية صغيرة مني عشان تبقي مشغولة فوق وما تخرجيش تضايقي الصنايعية ولا تعمليلي مشاكل قبل ما أخلص الشقة وحطك قدام الأمر الواقع!”
ساد الصمت لثوانٍ معدودة.. صمت رهيب، كأنه الهدوء الذي يسبق الإعصار.
الكلمات سقطت على مسامع حنين كالصاعقة. لم تكن الصدمة في خيانته وزواجه من أخرى فقط، بل كانت الصدمة في أن الحرمة والمحبة التي أظهرتها لحماتها، والرعاية والسهد في الليالي الماضية، لم تكن سوى مسرحية قذرة استُخدمت فيها كمغفلة ومخدوعة! وحماتها.. المرأة التي ظنت أنها بمثابة أمها، كانت شريكة في هذا الإثم، سكتت ومثلت المرض لتسهيل خديعة ابنها!
تغيرت ملامح حنين في لحظة فارقة. اختفت نظرة الذهول والانكسار، وحل محلها جمود قاسي كالصلب. مسحت دموعها بسرعة وبقوة بظهر يدها، ونظرت إلى مدحت نظرة تجمد الدماء في العروق.
ـ “يعني… أمك كانت عارفة؟” سألت حنين بصوت منخفض جداً، يخرج من بين أسنانها كالفحيح.
ارتبك مدحت قليلاً من تحول نبرتها، لكنه حاول الاستمرار في كبريائه:
ـ “أمي مالهاش دعوة، أمي تنفذ اللي أقوله وخلاص! المهم دلوقتي أنتِ عرفتِ الوضع.. عندك حلين مالهمش تالت: يا تقبلي بالوضع وتطلعي تقعدي فوق وتخدمي أمي وتعيشي في هدوء، يا إما تفتحي صدرك وتعملي مشاكل، وساعتها ورقتك هتوصلك لبيت أهلك بشنطة هدومك اللي حيلتك، ومش هتنالي مني جنيه واحد!”
تقربت حنين منه بخطوات ثابتة وواثقة، وعيناها مثبتتان في عينيه بحدة غير مسبوقة جعلته يتراجع خطوة إلى الخلف دون أن يشعر.
ـ “ورقتي؟ وبيت أهلي؟” قاطفته حنين بنبرة حادة وساخرة، كأنها أصبحت إنساناً آخر تماماً غير حنين الطيبة الوديعة التي عرفها لسنين.
استطردت بجمود شجاع:
ـ “أنت فاكر إنك بتهددني؟ فاكر إني هعيط وأترجاك عشان تخليني خدامة لأمك اللي شاركتك في الوساخة دي؟ أنت عبيط يا مدحت؟ ولا فاكر إن حنين اللي دخلت البيت ده بشرع الله، هتخرج منه بتمثيلية رخيصة عملتها أنت وأمك؟”
غضب مدحت وارتفع صوته ورفع إصبعه في وجهها:
ـ “احترمي نفسك يا حنين وأنتِ بتتكلمي عن أمي وعني! كلمة زيادة وهرميكي بره الشقة دي حالاً!”
في هذه اللحظة، كان هناك صوت خطوات بطيئة ومتهادجة تأتي من على السلم. كانت الأم، التي لم تستطع البقاء في الأعالي تحترق بنار الذنب، قد نزلت ببطء مسندة يدها على السور، حتى وصلت إلى باب الشقة المفتوح. وقفت عند العتبة، تنظر إلى حنين بدموع ومذلة، ولابنها بخوف وخجل.
ـ “سامحيني يا حنين يا بنتي… والله ما كان بيدي…” قالت الأم بصوت مكسور وهي تبكي.
التفتت حنين نحو الأم عند الباب، ونظرت إليها من الأعلى إلى الأسفل بنظرة خالية تماماً من أي عاطفة، ثم عادت بنظرها إلى مدحت، وقالت بصوت جاف هز أركان الصالة:
ـ “سكتِ يا خالة.. سكتِ لما كان ابنك بيخطط يكسرني.. سكتِ وأنا كنت بسهر على راحتك وبسندك في ظلمات الليل وأنتِ بتدعي المرض وتتفرجي عليا!”
ثم التفتت حنين بكامل جسدها نحو مدحت، وأومأت برأسها عدة مرات بابتسامة مرعبة مليئة بالتحدي والتوعد، وقالت بكل قوة:
ـ “أنا مش هعيط، ومش هطلع الشقة فوق، ومش هخرج من هنا بشنطة هدومي زي ما أنت متخيل يا مدحت… أنت فاكر إنك حطيتني قدام الأمر الواقع؟ تمام أوي.. استناني بقى، عشان أنا اللي هحطك أنت وأمك وعروستك الجديدة قدام أمر واقع، عمرك في حياتك ما كنت تتخيله أو تحلم بيه في أتعس كوابيسك!”
سحبت حنين حقيبتها الملقاة على الأرض ببطء وثبات، ولم تنظر لأي منهما مرة أخرى، وخرجت بخطوات واثقة تشبه خطوات الفاتحين، تاركة مدحت يقف في منتصف الشقة المهدمة يربك حيرته، والأم تبكي على الباب بسواد مجهول ينتظرهم جميعاً.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




