
نزلت الخبر عليا وعلى عامر زي الصدمة، بس عامر مسك نفسه بسرعة، وبص لي بجمود وقال: “خليكي هنا مع الحاجة فاطمة، متفتحيش الباب لأي حد، وما تخرجيش مهما حصل. أنا هسافر البلد فوراً وأعرف إيه اللي بيحصل هناك.”
سابني ومشي، الليل كله بطوله بتنقل في الصالة مش عارفة أنام. أفكاري كانت بتطحن في عقلي.. هل محمد أكلته الندامة فعلاً ولا دي تمثيلية جديدة علشان يستدرجوني؟ وهل حماتي جرى لها حاجة بسببي؟ كان يأكل في قلبي، بس الحاجة فاطمة كانت بتصبرني بكلمتين طيبين .
-
حكايات اسما السيد 1منذ 3 ساعات
-
حماتي أقنعت جوزي 2منذ 3 ساعات
-
حماتي أقنعت جوزي 1منذ 3 ساعات
-
حكايات اسما السيدمنذ 3 ساعات
قربت منه بلهفة وقولت: “عامر! إيه اللي حصل؟ محمد وأمك كويسين؟”
عامر قعد على الكرسي ورجع راسه لورا وهو بيتنفس بعمق، وبعدين بص لي وقال : “طلعت لعبة جديدة يا لارا.. وحطيت إيدي على بقي، وعامر كمل بصوت : “وصلت المستشفى لقيت أمي قاعدة برة زي الفل بتعيط وتندب، ومحمد جواه متكتف بحجة إنه جاله شبه . أول ما دخلت عليه، المحامي بتاعهم كان واقف، وأمي دخلت ورايا وقالت لي بالحرف: ‘شفت يا عامر؟ أخوك بسبابك وبسباب اللي عندك! روح هاتها تنازل عن مراته!'”
سكت عامر لحظة وهو بيبص لي بعيون فيها شرار، وكمل: “بس هما نسوا إن عامر مبيتلوى بوزه. أنا طلبت دكتور الاستقبال قدامهم الدكتور إن محمد معندوش أي جلطة، وإنهم دفعوا له فلوس عشان يكتب التقرير! طلعت تليفوني وسجلت ، وبصيت لأمي ومحمد وقولت لهم: ‘التقرير ده والتسجيل نزلت من كتر الخوف والدهشة وقولت: “وبعدين؟ عملوا إيه؟”
عامر قام وقف وقرب مني خطوتين وقال: “محمد ووقع على رجلي يترجاني ما أضيعش مستقبله. وأمي فضلت . قلت لرب العائلة إن الشرط الوحيد عشان ما أرميش أخويا في هو إن ورقة توصل لك بكرة قبل الظهر، مع التنازل الكامل عن قضية الطاعة والبلاغ ، وتسميع كل ده في المحكمة.. وإلا والله العظيم بنفسي.”
بصيت لعامر ومش قادرة أصدق.. الإنسانية والحماية اللي بشوفها منه كانت حلم بالنسبة لي مقارنة بالذل اللي عشته مع أخوه.
صبيحة اليوم التالي، وفي تمام الساعة الحادية عشرة، رن تليفون عامر. فتح الميكروفون، وكان صوت المحامي وهو بيبغله إن محمد وقع رسمياً على وثيقة ، واتنازل عن كل ، والورقة في طريقها مع مندوب.
أول ما سمعت الكلمة.. “الطلاق. “.جسمي ، ووقعت على الكنبة وأنا بجهش بالبكاء. كانت ارتياح على حرية اتكتبت لي من جديد، ودموع وجع على سنين ضاعت هدر.
عامر قعد جنبي، ولأول مرة يمد إيده ويطبطب على كتفي بهدوء وقال بنبرة هادية جداً: “كده حقك رجع لك يا لارا.. ومحمد مابقاش ليه أي سلطة عليكي في الدنيا دي.”
ملامح عامر اتغيرت فجأة وبقت جادة وباردة، وقف وبص لي بحدة وقال: “تمشي تروحي فين؟ انتِ فاكرة إن دوري خلص لحد هنا؟”
استغربت وقولت: “يعني إيه؟ أنا خلاص والحمد لله، مش عاوزة أتقل عليك أكتر من كده.”
عامر قرب مني ببطء، وعينيه كانت فيها ثبات وثقة ، وقال بصوت واطي وثابت هز كياني: “انتِ مش هتمشي يا لارا.. انتِ هتفضلي هنا. وبكرة بعد ما عدتك تخلص.. انتِ هتبقي مراتي أنا.”
عامر ما ، فضل واقف مكانه بحبات خفيفة على جبينه، ونظرة عينيه كانت صلبة زي الحجر. قرب مني بخطوات هادية وقال بصوت منخفض بس مليان قوة: “الناس والعيلة يتفلقوا يا لارا.. أنا عمري ما عملت حساب لكمية القرف والتقاليد العفنة اللي عايشين فيها. أنا شوفتك قدام عيني سنين، شوفت أخويا وهو وبيعاملك كأنك خدامة، وأمي وهي بتدمرك بدم بارد عشان وهم. أنا طول السنين دي كنت ساكت عشان ماليش حق أتكلم.. بس دلوقتي أنتِ حرة، وأنا مفيش حاجة تمنعني.”
نازلة بغزارة: “تمنعك الأصول يا عامر! تمنعك إنك أخوه! أنت فاكر إن الجواز مني بسهولة دي؟ أنا مش ، أنا جرحي لسة ، وعاوزة أعيش في حالي بعيد عنكم كلكم!”
سحبت دراعي منه بحدة وقولت: “يعني أنت بتعمل كده ؟ أو في أخوك؟! أنا مش وسيلة يا عامر! ولا عاوزة حد يتجوزني عشان صعبانة عليه!”
ابتسم عامر ابتسامة وفيها مرارة غريبة، ورجع لورا خطوة وقال وهو بيطفي سيجارته: “؟ لو كانت شفقة كنت اديتك قرشين وبعتك تعيشي في أي مكان بعيد. أنا مابعرفش يا لارا، وأنتِ أذكار من إنك تصدقي إني بعمل كده عشان من محمد. القصة أكبر من كده بكثير.. بس أنا مش هضغط عليكِ دلوقتي. أنتِ قُدامك فترة العدة كاملة، هتقعدي هنا مع الحاجة فاطمة معززة مكرمة، محدش هيضايقك ولا .. وفكري في كلامي كويس.”
سابني ودخل وقفل الباب، وأنا فضلت واقفة في الصالة كله بيرتعد. كلامه كان بيخبط في عقلي زي المطارق.. هل عامر بيحبني من زمان؟ ولا ده مجرد كبرياء ظابط عاوز سيطرته ويصلح المايل؟
مرت الأيام والأسابيع في زي الساعات الثقيلة. عامر كان بيجي كل كام يوم، يجيب طلبات البيت، يتكلم مع الحاجة فاطمة، ويطمن عليا بنظرات من غير ما يفتح موضوع الجواز تاني. كان هادي، بس الهادئ اللي وراه بركان.
في نص فترة العدة، جاتلي : “يا لارا يا حبيبتي الحقيني! محمد جوزك السابق ومراته الجديدة ناهد رفعوا الخبر نزل عليا كأنه جمرة نار.. بيت جدتي! المكان الوحيد اللي فضل لي من ريحة أهلي، محمد ومراته عاوزين ياخدوه عين عينك؟
جريت على تليفون عامر وطلبت رقمه وأنا وببكي: “عامر! محمد وناهد بيت جدتي ! هما عاوزين من كل حاجة في الدنيا.. الحقني يا عامر!”
نزلت كلمات عامر على قلبي زي طوق النجاة في وسط بحر هايج، بس الخوف كان بياكل في أكل. اتصلت بيه بعدها بساعة وأنا برتجف، بس تليفونه كان مقفول. المرة دي أصعب ساعات في حياتي.. مش قادرة أقعد، ولا قادرة أقف، والحاجة فاطمة عمالة تتمتم بآيات القرآن وتبخر المكان .
في البلد، وتحديداً قدام بيت جدتي القديم، كان كأنه ساحة حربناهد واقفة في البلكونة اللي فوق، حاطة إيدها في وسطها وبترمي الهدوم القديمة والكركبة بتاعة جدتي في الشارع وهي بتضحك بصوت عالي، ومحمد واقف تحت مع اتنين من المنطقة بيغيروا الأقفال بتاعة الباب الخشبي عشان يثبتوا ملكيتهم للبيت كأمر واقع.
عربية عامر الكحلي وقفت ، ونزل منها وهو زيه العسكري الرسمي، ومعه عربية بوكس شرطة وثلاث عساكر ورائد ثاني من زمايله في جهاز السيطرة الميدانية. الشارع كله ، والناس خرجت من البلكونات والمحلات يتفرجوا بذهول على منظر عامر اللي كان محمد أول ما شاف أخوه بالطقم ده، إيديه على المفك اللي في إيده، عامر مشي بخطوات ثابتة وواثقة، عيونه كانت مثبتة على محمد. قرب منه، ومن غير ولا كلمة، مسكه من رقبة
محمد صرخ بخوف: “أنت بتعمل إيه يا عامر؟! أنت هترفع إيدك عليا عشان خاطر شوية حجارة وروبابيكيا؟ البيت ده أخت ناهد قالت إنه ملك عيلتها بالورثة القديم، وأنا أخدته لها عشان عن ذل المطلقات!”
عامر ضرب الباب برجليه ضربة هدت المفصلات القديمة، وبص لمحمد بنظرة خلته يتبول على نفسه من في اللحظة دي، نزلت حماتي تجري من الشارع وهي على وشها : “الحقوني يا ناس! الابن العاق جايب لأخوه وأمه عشان خاطر العقربة المكسورة! يا عامر اتخزيت في عينك؟ بتبيع أخوك ابن بطنك عشان واحدة مابتخلفش وبور؟!”
عامر لف لأمه ببطء شديد، كله . قرب منها وقابل عينيها وقال ببرود : “أنتِ اللي بعتِ دينك وأصولك يا أمي لما ودخلتِ البيوت واستخدمتِني أنا وأخويا كباري لأطماعك. لارا مش بور.. لارا ست البنات،
ناهد صرخت من فوق: “أنت بتقول إيه يا سي الظابط؟! البيت ده بتاعي ورجلي على رقبتكم كلكم فيه!”
رجع عامر في القاهرة على الساعة أربعة الفجر. كنت قاعدة مستنياه وأنا من القلق. أول ما فتح الباب ودخل، لقيت هدومه متبهدلة ووجهه مجهد، بس عينيه كانت مليانة انتصار.
حط مفاتيح بيت جدتي الجديدة على الترابيزة قدامي وقال بنبرة هادية بس ثقيلة: “حقك ورجع لك.. البيت مقفول تحت حراسة، ومحمد ومراته وأمي باتوا الليلة دي في القسم بيتحقق معاهم .”
شفت المفاتيح، ودموعي نزلت زي المطر.. بس المرة دي كانت ذهول. قربت منه وقلت بصوت : “أنت عملت كل ده عشان بيت قديم؟ أنت أخوك وأمك يا عامر؟”
حسيت بقلبي بيدق شديد، ومشاعر متناقضة بين الخوف والذهول والدفء غمرتني.. وقبل ما أقدر أرد، رن تليفون عامر برقم مجهول، ولما رد وفتح الميكروفون، كان صوت ناهد وتعيط وتتوسل وهي بتقول: “الحقنا يا عامر! محمد جاله في التخشيبة والدكاترة بتقول قلبه بيقف!”






