
معتز ما ردش.. فضلت عينه مثبتة على الأرض، وشفايفه بتمتم بكلام مش مفهوم، كأنه غرق في جنونه الخاص.
بس المفاجأة المرعبة اللي جمدت الدم في عروقنا كلنا مكانتش الجثة.. المفاجأة كانت لما النيابة أمرت بتكسير باقي السيراميك بتاع الأوضة عشان يستخرجوا الجثة بالكامل للتشريح.
صوت الحفر والشاكوش كان بيرن في البيت كله. وفجأة، الحفار وقف، وصوت العمال سكت تماماً!
خرج خبير الأدلة الجنائية ووشه شاحب بشكل مرعب، وقرب من وكيل النيابة وهمس له بكلام.. وكيل النيابة بص لـ معتز بذهول ورعب، وبعدين بص لبابا وليا وقال بصوت متقطع:
“يا جماعة.. الحفر تحت السيراميك كشف عن حاجة ثانية.. فيه بقايا خرسانة قديمة أعمق من جثة رانيا.. وتحتيها.. جثة ثانية مدفونة من أكتر من أربع سنين!”
أنا صرخت وغطيت وشي بإيدي، وبابا قام وقف وهو مش مصدق اللي بيسمعه. الشقة دي ما كانتش مجرد مسرح لجريمة واحدة.. الشقة دي كانت مقبرة جماعية لضحايا معتز!
معتز رفع رأسه فجأة، وضحك ضحكة هستيرية عالية جمدت شعر رأس كل اللي في الأوضة، وقال بنبرة جنونية: “سعاد.. سعاد كانت الأولانية! كانت فاكرة إنها تقدر تسيبني وتتجوز غيري.. دفنتها تحت السيراميك، ورانيا جت بعدها وسكنت على قبرها من غير ما تعرف.. وأنتِ يا هدى.. أنتِ كنتِ هتبقي التالتة! السيراميك كان هيكفينا كلنا!”
في اللحظة دي، الضباط هجموا عليه وغموا بؤه وكسروا رأسه للأرض وأخدوه وسحبوه بره الشقة وسط صراخ البواب والناس في الشارع اللي اتجمعوا بأعداد مهولة بعد ما الخبر انتشر زي النار في الهشيم.
أنا مشيت من الشقة دي وأنا ماسكة في يد بابا، مش قادرة أبص ورأيا. العتبة اللي تيته رفضت تخطيها كانت لسه بقع الدم ناشفة تحتها، والبيت اللي دخلته وأنا عروسة بأمل وبكرة، خرجت منه وأنا حاسة إن روح تيته غالية كانت أخر حبل نجاة ربنا بعتهولي عشان ما أندفنش حية تحت السيراميك.
نزلنا للشارع، والناس كلها كانت بتبصلي بأسى ورحمة. أخدوني على بيت أهلي.. البيت اللي كان فيه جسم تيته غالية ملفوف بالملاية البيضاء في أوضتها، مستنية الغُسل والصلاة.
دخلت أوضتها، وقعدت على ركبتي جنب سريرها. مسكت إيدها الباردة النحيفة، نفس الإيد اللي شدّتني بقوة مش طبيعية قبل ما تمشي، وبستها وأنا ببكي بدموع حارقة: “سامحيني يا تيته.. سامحيني إننا افتكرناكي كبرتي وخرفتي.. إنتِ أنقذتيني يا بركة العيلة.. إنتِ شفتي اللي كلنا كنا عمي عنه.”
ورغم إن الجريمة أتكشفت، والقاتل بقى في إيد العدالة.. إلا إن القصة مكانتش لسه انتهت.. لأن المحققين لما فتشوا المذكرات الخاصة بـ معتز في خزنته السرية اللي لقوها ورا الدولاب.. اكتشفوا حاجة عن الشقة وعن تيته غالية هتقلپ كل الموازين!
انقضت أيام الجنازة ثقيلة زي الكابوس. بيت أهلي كان مليان بالناس اللي جايين يعزوا في تيته غالية، بس نظراتهم لي كانت مختلفة.. نظرات مزيج من الشفقة والذهول، كأنهم بيبصوا لناجية خرجت من القبر في آخر لحظة.
كنت قاعدة في أوضتي القديمة، سارحة في السقف، ومش قادرة أستوعب إن الأسبوع اللي فات ده كان حياتي الحقيقية. تليفون بابا رن، وكان المتحدث هو وكيل النيابة المباشر للقضية. طلب حضورنا فوراً لمقر النيابة لسماع أقوال جديدة وتفريغ أدلة تم العثور عليها في الشقة بعد ما خضعت للتفتيش الدقيق من قبل فريق الأدلة الجنائية.
رحت أنا وبابا، وكانت المكاتب هناك خلية نحل. وكيل النيابة استقبلنا بوجه جاد جداً، وقبل ما يسألني أي سؤال، حط قدامنا على المكتب كراسة قديمة بغلاف جلد أسود، حوافها متهالكة ومكتوب عليها بخط إيد متوتر ومضطرب.
قال وكيل النيابة وهو بيبصلنا بتركيز: “احنا فتشنا الشقة بالكامل بعد ما نقلنا الجثتين للطب الشرعي. ورا الدولاب الكبير في أوضة النوم، لقينا تجويف سري في الحيطة، جوا صندوق حديد مقفول.. لقينا الكراسة دي. دي مذكرات معتز الشخصية، كاتب فيها كل خطوة عملها من أربع سنين لحد النهاردة.”
بابا اتنفس بصعوبة وقال: “وهي المذكرات دي فيها إيه يا حضرة الناظر؟ مش الجرائم اتكشفت خلاص والواد اعترف؟”
رد وكيل النيابة وهو بيفتح صفحة علم عليها بالقلم الأحمر: “الاعتراف الشفهي حاجة، والدوافع والتفاصيل حاجة تانية.. الكراسة دي كشفت إن معتز ما كانش بيختار ضحاياه عشوائياً، ولا الموضوع كان مجرد غيرة أو شجار اتطور لقتل!”
جسمي اتشنج وأنا بسمع الكلام. قربت من المكتب وسألت بصوت خائف: “يعني إيه؟”
بدأ وكيل النيابة يقرأ سطور من المذكرات بصوت منتظم:
“اليوم 14 أغسطس.. سعاد اكتشفت الخزنة. عرفت إن الشقة دي أصلها مش ملكي، وإن صاحب الشقة الأصلي الراجل العجوز اللي مات من خمس سنين هو جدي.. وعرفت السر اللي سابهولي في الوصية المكتوبة تحت بلاط أوضة الخزين. الشقة دي مبنية على أرض كان فيها دفينة قديمة، والجدار القبلي للأوضة الصغيرة هو الخيط الوحيد للوصول للشيء المدفون. سعاد كانت عايزة تبلغ وتفضح كل حاجة، وما كانش فيه حل غير إنها تتسد أفكارها للأبد وتحرس المكان بروحها.”
الدم اتجمد في عروقي. وكيل النيابة قلب الصفحة وقرأ سطر تاني:
“اليوم 20 نوفمبر.. رانيا بدأت تحس بحركة تحت السيراميك. الأرواح بتنادي على بعضيها، والدم الأولاني بدأ يحرك بلاط الأوضة. رانيا كانت أذكارها قوية وكانت بتحلم باللي تحت الأرض كل ليلة.. عشان كده لازم تنضم لسعاد، عشان السيراميك يتقفل بدم تاني والسر يفضل مكتوم.”
شهقت بصوت عالي وغطيت بؤي. وكيل النيابة بصلي كمل قراءة لآخر صفحة اتكتبت قبل فرحنا بيومين فقط:
“هند هي الضحية التالتة.. بس هند مختلفة. هند حفيدتها غالية.. غالية اللي من صغرها عندها مكاشفة وتشوف اللي استخفى. أنا خايف من الجدة، عينها بتخترق الصدور. لو غالية خطت عتبة البيت ده، الدم اللي تحت السيراميك هيصرخ، والسر هيتدمر.. لازم أخلص من هند قبل ما الجدة تقرب من البيت.”
صوت وكيل النيابة سكت، والصمت خيم على الأوضة زي المقبرة. بابا كان بيترعش من الغضب والذهول، وأنا كنت حاسة إن الأرض بتدور بيا.
معتز ما اتجوزنيش عشان بيحبني أو عايز يعمل بيت! معتز اختارني أنا بالذات، واستدرجني للشقة دي كجزء من المخطط، وكان عارف إن تيته غالية عندها البصيرة اللي تخوفه، عشان كده كان بيحاول يبعدها، ولما جُت لحد العتبة، الروحين اللي مدفونين تحت الإسمنت حسوا بالخطر اللي هيطولني، فتواصلوا مع طهارة روح تيته في اللحظة دي!
صاح وكيل النيابة وقفل الكراسة: “معتز مش مجرد قاتل مريض.. معتز كان حافر الشقة ومكسر الخرسانة في جدار الأوضة المقفولة لعمق أربعة متر تحت الأرض! وفريق الأدلة الجنائية وهو بيستخرج الجثة التانية، اكتشف فتحة نفق صغير مستخبية ورا جدار الجص المكسور.. الفتحة دي نازلة لأعماق العمارة، ولحد دلوقت النيابة بتفحص الفتحة دي بمساعدة خبراء الآثار والطب الشرعي!”
في اللحظة دي، دخل ضابط تاني المكتب وهو شايل ملف أحمر وأعطاه لوكيل النيابة وهو بيلتقط أنفاسه بصعوبة وقال: “يا فندم.. التقرير المبدئي لمعاينة النفق جه من الموقع.. الخبراء نزلوا النفق اللي تحت بلاط الأوضة، ولقوا حاجة تحت الشقة ما كانتش على البال ولا على الخاطر!”
وكيل النيابة فتح الملف بسرعة وقرأ السطور الأولى، ووشه اتغير تماماً وانعقدت حواجبه بذهول وهو بصلي وقال: “التقرير بيقول إن النفق الممتد تحت بلاط شقتك مش واصل لأرض العمارة بس.. النفق ممتد بسرداب قديم جداً واصل لغاية المقابر القديمة اللي ورا الشارع الرئيسي.. وجوة السرداب ده لقوا متلقيات ومتعلقات شخصية تخص بنات تانين غير سعاد ورانيا!”




