روايات وقصص

9 شهور حكايات رومانى مكرم 2

البيت عندنا تحول لخلاية نحل، لكن المرة دي مش حزن وبكاء، المرة دي كانت حركة ووقفة رجالة. من تاني يوم للجلسة، أبو بنتي أخد أحمد وأخوه وطلعوا على المحامي في البندر، أخدوا معاهم قايمة المنقولات، وعقد الجواز، وشهادة ميلاد الولد “يوسف”، وفواتير المستشفى والدكاترة اللي اندفعت طوال شهور الحمل والولادة.

 

المحامي قعد يقلب في الورق، وبص لأبوها وقال:

* “القضية مضمونة يا حاج، نفقة زوجية، نفقة صغار، مصاريف علاج وولادة، وتمكين من شقة الزوجية لأن البنت معاها طفل صيد.. بس لازم تنشفوا دماغكم لأن نوعية مجدي وأمه دي هتلف وتدور وهتدخل في سكك ملتوية عشان يهربوا من الدفع.”

وفي نفس الوقت اللي كنا بنحرك فيه الدعاوى في المحكمة، مجدي وأمه ما سكتوش. أمه راحت للمأذون في بلدهم، وتحايلت عشان تعمل حيلة، خلته يبعت لبنتي إنذار طاعة على عنوان قديم، عشان البنت ما تستلموش وتعتبر ناشز ويسقط حقها في النفقة! بس ربنا كان بالمرصاد، البوسطجي اللي هناك كان راجل راعي ضمير، عرف اللعبة واتصل بأحمد أخو بنتي وقال له:

* “يا أحمد باشا، فيه جواب إنذار طاعة جاي لأختك على بيت قديم مقفول عندكم، تعالوا استلموه واعملوا اعتراض في الميعاد قبل ما المدة تعدي وينضحك عليكم.”

أحمد جري واستلم الإنذار، والمحامي عمل اعتراض على بيت الطاعة في الوقت المناسب، وكتب في أسباب الاعتراض: “عدم أمانة الزوج على نفس الزوجة ومالها، وطردها أثناء الحمل، وعدم الإنفاق.”

لما مجدي عرف إن حيلته بتاعة بيت الطاعة اتكشفت وبطلت، اتجنن. بدأ يبعت ناس ورسايل تهديد على تليفون بنتي:

* “أنا هسيبك معلقة زي البيت الوقف، ولا هعرفك طلاق ولا جواز، والولد ده مش هتشوفي منه جنيه، وإن ما جيتيش تبوسي إيد أمي وتتأسفي على اللي عملتوه، هعرفك شغل المحاكم على أصوله!”

بنتي كانت بتشوف الرسايل وإيدها ترتعش وهي ماسكة يوسف، أقول لها: “يا بنتي ما تخافيش، اللي أكلنا في العسر يوكلنا في اليسر، والراجل اللي يهدد مراته وأم ابنه ما يخوفش غفر.”

مرت أسابيع، وجاه يوم أول جلسة لنفقة الصغار والزوجية. مجدي حضر، بس ما جابش معاه محامي كبير، أمه كانت واقفة بره القاعة بتابع كل خطوة. لما القاضي نادى على القضية، مجدي وقف وقال للقاضي بكل افتراء:

* “يا سيادة القاضي، أنا راجل شغال أرباب حرف، يوم أشتغل ويوم لأ، ومكتسبيش غير مبالغ بسيطة، ومراتي هي اللي سابت البيت ورفضت ترجع، وأهلها ناس مقتدرين وهما اللي بيصرفوا على الولد بمزاجهم، أنا ما قدرش أدفع المبالغ اللي بيطلبوها دي!”

محامي بنتي وقف وقدم للمحكمة مفاجأة تقلب الترابيزة على دماغه. قدم مفردات مرتبه الحقيقية من الشركة اللي شغال فيها في المحافظة التانية، وقدم صور وشهدات أثبتت إن عنده محل إيجار جديد فتحه باسم أمه عشان يهرب من الضرائب والنفقة!

المحامي قال للقاضي بصوت جاد:

* “سيادة القاضي، المدعى عليه يمارس التدليس على المحكمة، يتهرب من مسؤولية طفله الرضيع اللي ما كملش شهور، وترك زوجته في أشد أوقات حاجتها إليه وهي بين الحياة والموت في غرفة العمليات، ومستعدين بنقدم تسجيلات ورسايل بتهديده لها بعدم الإنفاق.”

القاضي بص لمجدي ونظر له نظرة حادة وقاطعة، وهز رأسه وقال: “حجزت الدعوى للحكم في نهاية الجلسة.”

مجدي خرج من القاعة ووشه جايب ألوان، وأمه أول ما شافته طالع وشه مهزوم، قعدت تصرخ في الطرقة بتاعة المحكمة وتدعي علينا وتقول:

* “يا خراب بيتك يا بني! حريم عاوزة تخرب بيتك وتاخد شقاك! والله ما هتشوفوا منا قرش واحد ولو على رقبتنا!”

أحمد أخو بنتي قرب منها بهدوء وقال لها كلمة واحدة بس هزت طولها:

* “القانون بياخد حق الضعيف يا أم مجدي.. واللي ما اتقاش ربنا في بنات الناس، ربنا بياخد منه حقه بالقسطاس المستطيل، واستنوا قرار التمكين من الشقة!”

أمه بصلته بذهول وقالت: “تمكين إيه؟! الشقة باسمي أنا مش باسمه!”

وهنا كانت المفاجأة الكبيرة اللي أمه ومجدي ما كانوش عامليين حسابها خالص، واللعبة اللي كانوا مفكرين إنهم محبكينها طلعت هتهد السقف فوق دماغهم.

أمه صرخت في وسط طرقة المحكمة وهي بتضرب على صدرها:

* “تمكين إيه يا ابن العياش؟! الشقة باسمي أنا، شاريها بفلوسي وكاتباها باسمي من قبل ما ابنك يفكر يتجوز! روحوا العبوا غيرها، الشقة دي ما تحلموش تحطوا فيها رجليكم!”

أحمد ابتسم ابتسامة هادية وثابتة، وقرب خطوة كمان وقال بقلب جامد:

* “الشقة اللي بتتكلمي عنها دي يا أم مجدي، ابنك كاتب في قائمة المنقولات الزوجية إنها شقة الزوجية الكائنة بالعنوان الفلاني، والأهم من كده، إننا حدمنا عقد الإيجار المستتر اللي ابنك عامله معاكي عشان يهرب بيكِ من الحقوق.. والتحريات بتاعة المباحث أثبتت إن المكان ده هو مقر الزوجية الفعلي والوحيد للطفل الرضيع وأمه. والتمكين صادر بقوة القانون للصغير وأمه الحاضنة، مش ليكِ ولا لابنك!”

مجدي أول ما سمع كلمة “التحريات” و”تمكين الحاضنة”، ووشه اصفر وشفايفه جفت. بص لأمه بقلة حيلة وقال بصوت واطي:

* “إنتي مش قولتيلي إن العقد اللي بيني وبينك ده يحميني وما حدش يقدر يقرب للشقة؟”

أمه مسكته من دراعه بغل وزقته:

* “اسكت أنت خالص! بقى شوية فلاحين يضحكوا علينا وياخدوا شقتنا؟ والله ما يحصل!”

في نفس اليوم، المحكمة أصدرت حكمها المبدئي بفرض نفقة بنوعيها (زوجية وصغار) بمبلغ محترم يدفع شهرياً، وجارٍ استكمال إجراءات قرار التمكين من المحامي العام.

رجعت أنا وأولادي للبيت، وبشرنا بنتي بالحكم. بنتي كانت قاعدة تحضن يوسف وتعيط، بس المرة دي دموعها ما كانتش دموع قهرة.. كانت دموع إحساس بالرد للكرامة. بصت لي وقالت:

* “يا أمي، أنا مش فارق معايا الفلوس ولا الشقة.. أنا كل اللي كان وجعني إنهم استرخصوني، وداسوا على كرامتي ورجموني بالتهم، لكن الحمد لله إن ربنا ما بيرضاش بالظلم.”

أبوها قعد جنبها وطبطب على رأسها وقال:

* “الحق أحق أن يُتبع يا بنتي. اللي يحسب إنه يقدر يظلم بنات الناس ويطلع منها سالك يبقى ما يعرفش ربنا.”

بس مجدي وأمه ما سكتوش عند نقطة القضاء، ولما لقوا إن القانون بيلف حبل المشنقة حولين رقبتهم، قرروا يلعبوا بره القانون!

بعد أسبوعين بالضبط، وفي يوم من أيام الشتا، كنا قاعدين في البيت أمان الله، وبنتي جوه بترضع يوسف. فجأة، سمعنا صوت خبط ورزع جامد على باب الشارع عندنا، صوت دوشة وصريخ بره!

أحمد وإخواته جريوا فتحوا الباب، اتفاجئنا بمجدي ومعه ثلاثة من بلطجية بلدهم وشايلين في إيديهم شوم وشرار طالع من عينيهم، وأمه واقفة في أول الشارع بتصوت وتلم الناس وتقول:

* “يا ناس يا عالم! الناس دول خاطفين ابن ابني وحارمني منه ورامين ابني في المحاكم! تعالوا شوفوا الظلم!”

مجدي كان واقف في وش أحمد، زقه بعنف وقال بصوت طالع من مناخيره وعينيه زايغة:

* “أنا جاي أخد ابني! هاته بالذوق بدل ما أطربق البيت ده على دماغكم كلكم النهارده! مش هتاخدوا شقة ولا هتاخدوا مليم، والولد ده هيتربى في أحضان أمي!”

أبو بنتي طلع على صوت الصريخ، ماسك عكازه وبيترعش من الغضب، وقف قصاد مجدي وقال:

* “إنت جايب بلطجية وتيجي لحد بيتي وتستقوى بالشارع يا مجدي؟ الولد ده مش هتاخده إلا على جثتي!”

مجدي رفع إيده بالشومة وصرخ:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى