
قبل الولاده جوزي اداني 15 الف جنيه علشان اولد بيهم عند اهلي لانه مسافر ومش هيحضر الولاده ، ولما رجع من سفره سألني على باقي الفلوس ، ومكانش فاضل معايا غير الفين جنيه ولما عدهم رد فعله كان صدمه بكل المقايس واللي عمله مع ابويا مش هنساه عمري كله !!!
قبل ولادتي بأسبوعين، جوزي عادل كان بيستعد عشان يسافر الغردقة؛ هو شغال هناك في السياحة، وإحنا عايشين في المنصورة. طبعاً عشان شغله وظروفه، قال لي إنه مش هيقدر ينزل يوم الولادة خالص. خدني ووداني بيت أهلي عشان أكون في رعايتهم، وقبل ما يمشي حط في إيدي 15 ألف جنيه وقال لي: “دول عشان المصاريف والولادة يا سمر”. أنا ساعتها اتضايقت وزعلت جداً إن جوزي وأبو ابني مش هيكون جنبي في لحظة زي دي، بس بلعت زعلي وسكت، قلت معلش ما هو بيشقى عشان خاطرنا وعشان خاطر الولد اللي جاي.
سافر عادل، وفضل طوال الأسبوعين دول يكلمني كل يوم في التليفون وكان كل مكالمة يكرر نفس الجملة: “حاسبي على الفلوس يا سمر، خد بالك من كل مليم، الفلوس دي للضرورة القصوى!”.. كنت بقوله حاضر متقلقش واطمنه.
عدت الأيام، وراحت أختي وأمي معايا مركز الولادة، وولدت بالسلامة. طبعاً أبويا راجل على قد حاله وعلى المعاش، وأنا عارفة ظروف بيتنا كويس وعارفة إن الدنيا غالية، فما رضيتش أتقل عليه ولا أخليه يشيل فوق طاقته. بقيت أشتري حفاضات الولد، واللبن الصناعي، والمستلزمات، وحاجتي أنا الشخصية بتاعة النفاس والعلاج من الـ 15 ألف اللي معايا.. حاسبة كل مليم بالورقة والقلم.
بعد ولادتي بعشرين يوم، عادل نزل من السفر، جه أخدني أنا والبيبي ورجعنا شقتنا. بعد العصر، دخل أخد دش محترم، وصحي وفاق، وجالي الصالة. أول كلمة قالها لي بعد ما قعد:
”هاتي الفلوس يا سمر.. باقي الـ 15 ألف كام؟”
قمت جبت له الباقي.. كانوا ألفين جنيه.
مسكهم وعدهم، وفجأة وشه تحول، وعينيه جابت ألوان، وقال بذهول وصدمة:
”إيه دول؟! فين باقي الفلوس؟!”
”دول اللي باقيين يا عادل..”
”باقيين إزاي يعني؟! أنا مديكي 15 ألف جنيه بحالهم!”
قعدت جنبه وقلت له بالهدوء: “يا عادل، المركز أخد 10 تلاف جنيه بالتمام والكمال للعملية والدكتورة والمستشفى، وأنا صرفت 3 تلاف جنيه في فترة النفاس لمستلزمات الولد وليا”.
لقيته قام وقف وصرخ في وشي بزعيق هز الشقة:
”مركز ياخد 10 تلاف ليه؟! ما فاصلتوش معاهم ليه؟! وبعدين إزاي تصرفي 3 تلاف جنيه في بيت أبوكي؟! هي مش كل الناس نفاسها بيبقى على أهلها وأبوها هو اللي بيصرف عليها؟!”
بصيت له بصدمة ومش مصدقة اللي بسمعه، قلت له: “إنت بتقول إيه يا عادل؟! أبويا راجل على المعاش! وابنك كان محتاج بامبرز والاول اللبن مكانش نازل واشتريت لبن، واشتريت مستلزمات صحيه ليا وكمان اشتريت لبس اول يوم وملايه للطفل وأنا كنت طالعة من عملية ومحتاجة علاج وأكل عشان صحتي وعشان أعرف أرضع الولد!”
رد عليا بقلة ذوق وقسوة عمرها ما تتقال:
”وهو مفيش أكل في بيت أبوكي؟! جايين تاكلوا وتعيشوا على قفايا؟! اسمعي بقى.. أبوكي قال إنه جاي يطمن عليكِ بكرة، تكلّميه وتخليه يجيب الـ 3 تلاف جنيه معاه وهو جاي! أنا أول مرة أشوف واحدة تروح تاكل وتشرب عند أهلها على حساب جوزها!”
الدموع اتجمعت في عيني وقلت له: “إنت بتقول إيه؟! أنا مستحيل أقول لأبويا كلمة زي دي ولا أعمل الحركة دي أبداً!”
قال لي بغضب وهو بيخبط على الترابيزة: “لو ما عملتيش كده، أنا اللي هعملها!”
ساعتها دماغي اتلخبطت، وقلت في بالي يمكن مضغوط من الشغل، يمكن السفر تعبه، ومستحيل ينفذ كلامه سكت ودخلت انيم الولد االلي طان بيصرخ وأنا قلبي مقهور.
تاني يوم، جه أبويا ومعاه أمي يطمنوا عليا وعلى البنت. أول ما دخلوا، عادل فضل قاعد مكشر ، لا رحب بيهم ولا حتى ابتسم.
أبويا أخد باله واستغرب، فبص له بحنية وقال له: “مالك يا ابني؟ فيك حاجة ؟ شكلك متضايق كدة ليه؟”
هنا كانت الصدمة.. عادل رد بكل بجاحة وقال: “بصراحة يا عمي.. اه فيه!”
أنا جسمي كله اتثبت في مكانه، وحاولت ألحقه وأوقفه قبل ما يتكلم، فناديت عليه بصوت مرعوب: “عادل!”
بس عادل ما سكتش، وقف وقال بثقة وبجاحة: “الحق ما يزعلش يا عمي.. بصراحة إنت عملت حركة مش تمام خالص! إزاي البنت تقعد عندك وتدفعها تمن أكلها وشربها، وتلطشوا مني 3 تلاف جنيه من غير ما اعرف راحت في إيه كل ده عشان كنت مسافر واستامنتكم
أنا ساعتها كنت هبكي من كتر الإحراج والكسوف، وكنت بتمنى الأرض تتشق وتبلعني من التصرف ده .. بس المفاجأة كانت رد فعل أبويا.
أبويا ، ولا انفعل، ولا زعق.. بالعكس، اتفاجأت بيه بيقعد بمنتهى الهدوء، وابتسم ابتسامة هادية جداً، وقال حاجه جابت وش عادل الارض من الكسوف وخلّاه يندم على اليوم اللي نطق فيه !!!
فجأة ساد السكون الشديد في الصالة، وأنا واقفة متسمرة في مكاني والدموع نازلة من عيني على خدي زي المطر، وأمي ماسكة صدرها ومش قادرة تاخد نفسها من الصدمة. كنت مستنية أبويا ينفجر، أو يرفع صوته، أو حتى ياخد بعضه ويمشي مرفوع الراس من البيت اللي صاحبه قليل ذوق بالشكل ده. لكن أبويا، بشيبته وهيبته، حط إيده في جيبه ببرود تام، وطلع محفظته، وطلع منها 3 تلاف جنيه عدّهم على مهله، وحطهم على الترابيزة قدام عادل.
عادل بص للفلوس بنظرة انتصار وبصلي بزهو كأنه أثبت إنه صح، لكن أبويا حط رجل على رجل، وبص له بعينين فيها كمية قسوة وكسرة عين عمر عادل ما شافها في حياته، وقال بصوت واطي جداً بس هز جدران الصالة:
“الفلوس اهي يا عادل يا ابن أصول.. الـ 3 تلاف جنيه اللي إنت شايف إننا ‘لطشناهم’ منك عشان بنتك وابنك أكلوا وشاربوا في بيت أبوها. بس تعالى بقى نحسبها صح وبـ الورقة والقلم، طالما إنت راجل بتعرف الأصول وتعرف الحساب. أنا راجل على المعاش، صح، بس أصولي ومقامي يشيلوا بلد..
أولاً: بنتي قعدت عندي 20 يوم قبل وبعد الولادة. اللقمة اللي أكلتها هي وأختها وأمها عشان يقدروا يقفوا على حيلهم ويخدموها ويخدموا ابنك اللي صريخه كان جايب آخر الشارع، من خير بيت أبوها، والـ 3 تلاف جنيه دول، بنتك صرفتهم بالمليم على لبن وابن أصلي مبيجيبش لبن، ومستلزمات طبيب ودكاترة ومصاريف علاج كانت المفروض تخرج من جيبك إنت مش من جيب حد تاني.
ثانياً بقى.. الفلوس دي حق أكل وشرب بنتي وابنك؟ تمام. أنا بقى لي عندك حساب تاني خالص.. مركز الولادة اللي إنت زعلان إنه أخد 10 تلاف جنيه؟ أنا اللي دفعت منه 5 تلاف جنيه حجز وتأمين من جيبي الخاص قبل ما تسافر وما رضيتش أقولك عشان ما أشيلكش الهم، وكان معايا الفواتير وراميتها في بيت أهلي عشان مكسفكش قدام مرتك.
وثانياً: أختها وأمها اللي سهروا 20 ليلة على إيد ابنك يرقوه ويخدموه، والمواصلات والأدوية اللي كنت بنزل أشتريها في نص الليل برجلي عشان علاج مرتك اللي إنت سايبها ومسافر تلم قرشين.. دول حسابهم كام يا ابن الناس؟”
عادل أول ما سمع كلام أبويا عن الـ 5 تلاف جنيه بتوع التأمين والفواتير، وشه اتحول مية لون، عينيه وسعت وبص للترابيزة بذهول، وحاول يتكلم ويقول: “بس يا عمي أنا..”
أبويا ما إدالوش فرصة ينطق، وقف وطول قامته وقال بلهجة جمدت الدم في عروق عادل:
“أنا ما أقبلش إن بنتي تأكل ابنها من جيب راجل مبيصنش الجميل، ولا أقبل إن بنتي تعيش مع واحد شايف إن أكل مرته وأم ابنه ‘حموله وقفا’. الفلوس اللي على الترابيزة دي، وعليهم الـ 5 تلاف بتوع التأمين، والـ 2000 باقي الـ 15 ألف.. يعني كدة ليا عندك حق وعلم. بس أنا مش هطلب منك مليم.. الفلوس دي ثمن إنك كشفت نفسك قدامي وقليت بيا وببنتي في بيتك.”
عادل بقى واقف مش عارف يرد، ريقه جف، وجسمه بدأ اترعش من الكسوفة الصريحة. كان فاكر إنه بيحرج أبويا وبيثبت إنه صح، فجأة أكتشف إن أبويا هو اللي كان شايل عنه ومغطي على قلة حيلته ومصاريفه، وإنه هو اللي طلع مديون وأصغر من السمسمة قدام راجل كبير على المعاش!
أبويا بصلي وقال بنبرة حنونة بس صلبة:
“لمي هدومك وهدوم ابنك يا سمر.. البيت اللي صاحبه يحسب على مراته لقمتها، ما ينفعش بنتي ولا حفيدي يعيشوا فيه دقيقة واحدة.”
عادل جرى على أبويا بسرعة ومسك إيده وقال بصوت متلخبط ووشه جاب الأرض من الخجل: “يا عمي استهدى بالله! أنا مكانش قصدي.. أنا كنت مضغوط من السفر ومصاريف الشغلة، والله ما أعرف إنك دفعت حاجة من جيبك!”
أبويا نفض إيده من إيد عادل بمنتهى القوة والبشاعة، وبص له وقال: “الضغط مش بيخلي الراجل يقل بأهله ويهين كرامة مراته، الضغط بيكشف معدن البني أدم يا عادل.. وإنت معدنك بانس سوءه النهارده.”
أبويا مسك إيدي ودخل معايا أوضة النوم. كنت برتجف، والدموع مغرقة وشي، مش عارفة ألم هدومي إزاي والطفل بين يديا بيبكي كأنه حاسس بالنار اللي ولعت في الشقة. أمي كانت واقفة جنب الباب بتعيط بالراحة وتساعدني تحط هدوم البيبي في الشنطة، وعادل بره في الصالة عمال يروح ويجي زي المجنون، يضرب كف بكف، ويقول بصوت واطي: “أنا عملت إيه.. أنا غبي.. أنا ضيعت الدنيا!”
خرجت من الأوضة وأنا شايلة ابني على إيدي، وشايلة شنطة هدومي وشنطة مستلزمات البيبي. أول ما عادل شافني طالعة، وقف قدام الباب وقفل الطريق بجسمه، وقال بكسرة عين وتوسل عمره ما كان في عينيه:
“سمر.. علشان خاطر الولد، متعمليش كده. أنا آسف، أنا جزمتك على راسي، أنا هبوس إيد أباكي دلوقتي قدامك، بس متخرجيش من الشقة دي قدام الناس!”




