
اتسعت عين وكيل النيابة وهو بيقرأ سطور التقرير المبدئي، والصمت اللي خيم على المكتب كان أثقل من الجبال. بابا مسك في إيد الكرسي بكل قوته، وعينيه كانت متثبتة على التقرير الأحمر كأنه بيحاول يقرأ اللي فيه من بعيد.
كمل وكيل النيابة كلامه بصوت خافض ومليان بالذهول: “خبراء الأدلة ومعاينة الموقع نزلوا النفق باستخدام أحبال وكشافات ضخمة. السرداب اللي تحت الأوضة الصغيرة ممر مكسو بالحجر القديم، بيوصل لمتاهة تحت المنطقة كلها.. وجوا السرداب ده لقوا متعلقات شخصية؛ شنط حريمي، مفاتيح، وسلاسل أطفال وكبار.. متعلقات تخص أكتر من أربع بنات تانيين غير سعاد ورانيا!”
الكلمة نزلj على ودني زي الصاعقة. صرخت وأنا بحط إيدي على رأسي: “يعني إيه؟ يعني الشقة دي كانت مصيدة للمنطقة كلها؟”
رد الضابط اللي جاب الملف وهو بيمسح العرق من جبهته: “يا فندم، التخمين المبدئي للطب الشرعي إن الجاني كان بيستغل الممر السري ده من سنين. الممر ده أصله سرداب أثري قديم بيمتد من تحت عمارات الشارع لحد المقابر القديمة اللي ورا المنطقة. معتز ما كانش بس بيلف حولين الضحايا اللي بيتجوزهم أو يخطبهم.. الشقة دي كانت نقطة التحكم والستر لكل جريمة بيعملها في الخفاء من غير ما حد يحس بوجود أي حركة غريبة في العمارة!”
في اللحظة دي، تليفون وكيل النيابة الأرضي رن برنة حادة قطعت الكلام. فتح الخط وحطه على السبيكر، وجاء صوت مفتش المباحث من موقع الشقة، والصوت كان متداخل مع أصوات أجهزة حفر وهدير معدات ثقيلة:
“يا فندم.. احنا بنوسع الفتحة اللي ورا الجدار القبلي للأوضة بمرخص النيابة، بس فيه حاجة غريبة جداً حصلت دلوقتي! الحفارين وهما بيكسروا الجزء السفلي من السرداب، لقوا صندوق حديد ضخم مقفول بسلاسل ومصدي، ومكتوب عليه بالبارز أرقام وتواريخ ترجع لـ خمسين سنة فاتوا!”
وكيل النيابة وقف من على الكرسي وقال بسرعة: “صندوق إيه؟ أوعوا تفتحوه من غير فريق الحماية والأدلة الجنائية!”
رد المفتش بنبرة متوترة: “يا فندم الصندوق مش محتاج يتفتح.. السلاسل بتاعته مكسورة من جنب واحد، وجواه أوراق ومستندات وصور قديمة جداً.. وعلى وش الصندوق من فوق لقين صورة لست كبيرة في السن، مكتوب على ظهرها بخط اليد: ‘غالية عبد الرحمن’.. صورة جدة المدام يا فندم!”
شهقت بصوت هز جدران المكتب، وبابا وقف على رجليه وهو بيبص للتليفون بذهول وعينيه مليانة دموع وصدمة: “صورة أمي؟! أمي أنا؟! إيه اللي جاب صورة غالية تحت الأرض في الشقة دي من خمسين سنة؟!”
مفتش المباحث كمل كلامه من التليفون: “مش بس الصورة يا فندم.. الوثائق اللي جوة الصندوق بتثبت إن ملكية الأرض والعمارة دي بالكامل كانت أصلها ورث شرعي يخص الجدة غالية من زمان، وإن جد معتز استولى على الأرض بعقود مزورة بعد ما اختفى الشريك الأصلي للمكان في ظروف غامضة سنة 1976!”
كل حاجة في دماغي اتلخبطت وتجمعت في ثانية واحدة! الصورة وضحت بشكل مرعب ومخيف..
تيته غالية ما كانش عندها مجرد “بصيرة” أو فراسة تقرأ بيها الوجوه بس.. تيته كانت عارفة المكان! تيته كانت حاسة بالطاقة الشريرة اللي اتبنت على حقها ومقبرة أسرتها القديمة! يوم ما جأت تزورني ووقفت على العتبة، روحها والدم اللي بيجري في عروقها تعرف على الأرض اللي اتسرقت منها والدم اللي اندفن تحتها!
زادت دقات قلبي وأنا بفتكر نبرة صوتها لما شدّتني وهمست لي: “الشقة دي مش بيت.. الشقة دي مقبرة مدموسة!”
تيته ما كانتش بتحذرني من معتز بس.. تيته كانت بتفك سحر وسر مظلم ممدود من خمسين سنة، سر كان معتز وأبوه وجده بيحرسوه بالدم والتضحية ببنات ملهمش ذنب عشان الممر يفضل مقفول والسر ما ينكشفش!
وكيل النيابة بصلي وبص لبابا وقال بنبرة قاطعة: “احنا لازم نتحرك فوراً لموقع الشقة. النيابة لازم تعاين الصندوق والمستندات دي بنفسها، وأنتِ يا هند لازم تيجي معانا.. لأن المستندات دي فيها وصية موجهة باسمك أنتِ بالذات، اتكتبت وتدفنت تحت الأرض قبل ما تتولدي بـ عشرين سنة!”
ركبنا عربية النيابة وأنا حاسة إن الطريق للشقة كان عبارة عن ممر طويل بين الحياة والموت. الشارع اللي فيه العمارة كان مقفول بالكامل بكردون أمني أسود، ومئات من أهل المنطقة واقفين متجمعين تحت، وشوشهم مليانة ذهول ورعب وهم بيتابعوا رجال الأدلة الجنائية والطب الشرعي وهم طالعين ونازلين بالمعدات.
أول ما رجلي لمست مدخل العمارة، جسمي اتنفض. نفس البرودة اللي حسيت بيها أول يوم جيت فيه مع تيته غالية كانت لسه مالية المكان، بس المرة دي كانت أشد وأقسى. طلعنا الأسانسير، وبابا كان ماسك إيدي بكل قوته، عروقه بارزة وأنفاسه متقطعة من الصدمة.
الباب بتاع الشقة كان متخلع كلياً من مكانه، والنور الأبيض العالي بتاع كشافات الأدلة الجنائية كان طالع من الممر الداخلي. دخلنا الشقة، وكان البيت متقلب رأس على عقب؛ السيراميك مرفوع، والحيطان مكسورة، وريحة التراب والجص والرطوبة العتيقة طالعة من الأوضة المقفولة كأنها ريحة مقبرة اتفتحت بعد قرون.
وكيل النيابة مشي قدامنا ودخل الأوضة الصغيره، وتبعتُه أنا وبابا وأنا بحاول أتحكم في رعشة رجلي. الأوضة مكانتش أrenة أصلية؛ الحيطة القبلية كانت مهدومة بالكامل، وظاهر وراها فتحة سرداب سحري ومظلم نازل بميل لأسفل أرض العمارة. وعالتراب اللي على جنب، كان محطوط الصندوق الحديدي الضخم اللي طلّعوه العمال.
الصندوق كان مصدي، وسلاسله الثقيلة مقطوعة. وجنبه كانت محطوطة الوثائق والصورة القديمة.. صورة تيته غالية وهي شباب، ملونة بالألوان القديمة الباهتة، وعلى ظهرها مكتوب بخط يد أنيق وواضح: “حق غالية لا يموت.. والأرض بترد لأهلها ولو بعد حين.”




