روايات وقصصمنوعات

جدتى حكايات زهره الربيع 3

قرب خبير الآثار والخطوط من وكيل النيابة وحط قدامه ملف أوراق صفراء جداً أُخرجت من قاع الصندوق، وقال بصوت حاسم: “يا فندم.. الأوراق دي هي العقود الأصلية لأرض العمارة والمنازل المجاورة. الأوراق بتثبت إن جّد معتز استولى على المكان بالتزوير بعد ما غدر بوالد الجدة غالية سنة 1976 ودفنه في نفس السرداب ده! الصندوق ده كان مخصص لحفظ أسرار العيلة القاتلة، وكل جيل كان بيضيف فيه حراسة المكان.. بالحرام والدم!”

بابا انهار وقعد على ركبتيه قدام الصندوق وهو بيبكي بصوت يقطع القلب: “يعني جدي أنا انقتل هنا؟ وأمي غالية عاشت طول عمرها حاسة إن فيه سر مدفون تحت الأرض دي؟”

في اللحظة دي، قرب ضابط الأدلة الجنائية ومسك ورقة مطوية بخيط أسود كانت مستخبية في جيب سري جوا غطاء الصندوق الحديدي. فتح الورقة بحرص وقرأ العنوان المكتوب عليها بالبونط العريض: “وصية وإقرار”.

بصلي وكيل النيابة وقال: “الورقة دي كتبها جّد معتز قبل ما يموت بساعات.. واسمعي كاتب إيه يا هند:”

بدأ وكيل النيابة يقرأ بصوت جهوري هز الأوضة المظلمة:

“أنا يعقوب، أقر وأعترف وأنا على فراش .. إن الدم اللي سقينا بيه عتبة الأرض دي مش هيسكت. حيدر والد غالية دفنته بإيدي تحت الممر، ووصيت ولادي وأحفادي إن المكان ده ما يخرجش بره العيلة، وإن أي حد من دم غالية يقرب من العتبة دي، المكان هيصرخ ويفضح المستخبى. لو طفلة أو صبية من نسل غالية دخلت البيت ده كعروسة، السرداب هينادي على دمها ويبقى موتها هو الثمن الأخير لتثبيت السحر والسر.. يا معتز يا بني، لو دخلت هند بنتها  دي، لازم الدم يكتمل أو السر ينتهي للأبد.”

الكلمات كانت بتنزل عليا زي المطر ! اللغز اتفك كلياً وبشكل يرعب العقول!

معتز مكانش مجرد  متسلسل أو مريض نفسياً بيقتل خطيباته؛ معتز كان بيستكمل الطقس الإجرامي المظلم اللي بدأه جده! كان مستدرجني بالذات، وباني خطته على إني أكون الضحية الأخيرة اللي بتكمل الدائرة عشان يقفلوا سر السرداب والجريمة التاريخية للابد!

وكانت تيته غالية.. تيته غالية كانت حاسة بالرعب اللي مستنيني. روح والدها المقتول تحت الأرض، وطهارة قلبها، وبصيرتها اللي ربنا رزقها بيها، خلوها توقف على العتبة وتشوف الشبكة الشيطانية اللي اتنصبت لحفيدتها! رفضها لدخول الشقة وصراخها على العتبة كان الكاسر للطقس المظلم، وهمسها في ودني كان الشرارة اللي فجرت الكابوس وأنقذت حياتي في أخر ثواني!

وفجأة.. ونحن واقفين في منتصف الأوضة المهدومة، سمعنا صوت صريخ جاي من الشارع تحت، وصوت أجهزة اللاسلكي بتاعة الشرطة بدأت تذيع بلاغ عاجل وسريع!

الضابط مسك اللاسلكي ورد وهو متوتر: “حول.. فيه إيه عندك تحت؟”

جاء صوت الملازم المكلف بنقل معتز للنيابة، وصوته كان مرعوب وبيصرخ وسط هيجان الشارع: “يا فندم!! عربية الترحيلات اللي فيها معتز اتعرضت لحادثة مفاجئة على أول الشارع! معتز هاجم العسكري وغفل الحراسة وحاول يهرب في الاتجاه المائل للمقابر القديمة.. ودلوقتي دخل جوه ممر المقابر وورا القوات!”

وكيل النيابة زعق في اللاسلكي: “حاصروا المقابر فوراً! الممر السري اللي تحت الأوضة واصل للمقابر من تحت الأرض.. الواد راجع للمكان!”

في نفس اللحظة.. سمعنا صوت خبط مكتوم وقوي جاي من أعماق السرداب المظلم اللي تحت رجلينا.. صوت خطوات سريعة بتجري في الضلمة وبتصعد السلم الحجري المكسور باتجاه الأوضة اللي إحنا واقفين فيها!

الصوت تحت الأرض كان بيقرب بسرعة جنونية، صوت أنفاس متهدجة وخطوات حافية بتخبط في الطين والحصى جوه السرداب المظلم. رجال الشرطة سحبوا أسلحتهم فوراً ووجهوها لفتحة النفق، والصمت خيم على  كأن الزمن اتوقف.

وفجأة، خرج معتز من ضلمة النفق! كان هدومه متقطعة، وشه مغطى بالطين ، وعينيه زايغة بشكل يرعب العقول. كان ماسك في إيده سيخ حديد مكسور ومسنن. أول ما طرد النور في وشه وشافني واقفة جنب بابا والضباط، صرخ صرخة شيطانية وهجم باتجاهي وهو بيصيح: “السر مش هينتهي! الدم لازم يكتمل يا هند!”

قبل ما يوصل لي بـ خطوة واحدة، وصوت إطلاق النار يرن في الأوضة، معتز تعثر في السلسلة الحديدية المكسورة اللي كانت طالعة من صندوق الجد يعقوب. اختل توازنه بشكل غريب، وكأن إيد خفية سحبته من رجله لورا! سقط بكل قوته على حرف الجدار القبلي المهدوم، والسيخ الحديدي اللي كان ماسكه انقلب وانغرس في صدره!

وقع معتز على الأرضية المكسورة، بقعة الدم بدأت تنتشر بسرعة وتتغرق نفس الإسمنت والسيراميك اللي دفن تحته ضحاياه. بصلي بعيون بتنطفي، وشفايفه بتمتم بأخر أنفاسه: “غالية.. غالية كانت واقفة بره..” ومات في نفس المكان اللي ظلم فيه أرواح بريئة لسنوات.

انتهى الكابوس. اتفضت المحاضر، واسترجعت عيلتنا حقها التاريخي والأرض اللي اتسرقت بالدم والغدر من خمسين سنة. تم استخراج رفات الضحايا ورُفات جدي حيدر، واندفنوا جميعاً في جنازة مهيبة أقيمت لهم تكريماً لأرواحهم الصافية. أما الشقة والعمارة، فتم هدم الجزء الملوث منها وردم السرداب المظلم للابد بالإسمنت والخرسانة المسلحة، عشان ما يفضلش منه غير ذكرى الحقيقة التي أبت أن تُدفن.

الحكمة:

إن الحق قد ينام، لكنه لا يموت.. والظلم مهما أُحكمت جدرانه ورُدمت فوقه طبقات الإسمنت، سيبقى له صوت يصرخ من تحت الأرض حتى يجد طريقه للنور.

تعلمتُ أن البركة والبصيرة التي يمنحها الله لأصحاب القلوب الطاهرة والنفوس الصافية ليست خرفاً ولا أوهاماً، بل هي نور يضيء في أشد اللحظات ظلاماً ليحمي الأبرياء ويكشف زيف الخداع. “تيته غالية” لم تكن مجرد ست كبيرة طاعنة في السن، بل كانت الدرع الروحي والحارس الأخير الذي أرسله القدر ليفك سحر الباطل، ويُثبت لنا أن نقاء الروح يرى ما تعمى عنه الأبصار، وأن العدالة الإلهية قد تتأخر، لكنها تأتي دائماً في الوقت المناسب تماماً.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى