
عدى أسبوع كامل، البيت اللي كنت فاكره هيستحمل غياب فاتن كام يوم، اكتشفت إنه من غيرها مابقاش بيت أصلًا. الولاد بقوا طول الوقت ساكتين، وكل واحد فيهم بيحاول يتصرف على قد سنه، وأنا بقيت بصحى الصبح مش عارف أبدأ منين ولا أخلص إيه.
كنت باخدهم المدرسة بالعافية، وأرجع أجهز أكل، وأدخل أطمن على أم غزل اللي كانت لسه محتاجة رعاية، ولما كنت بتصل بغزل علشان أطلب منها ترجع أو حتى تبعت حد يساعدني، كانت بترفض ترد عليا، ولو ردت تقولي إنها مش هترجع البيت ده تاني.
وفي يوم، كنت قاعد في الصالة والولاد لسه راجعين من المدرسة، سمعت خبط على الباب.
قمت أفتح، وأول ما شفت فاتن واقفة قدامي، حسيت إن روحي رجعتلي.
كانت لابسة عبايتها، وفي إيدها شنطة صغيرة، ووشها هادي بشكل خلاني أفتكر إنها أخيرًا هديت وراجعة بيتها.
قولتلها بلهفة: ـ فاتن! أخيرًا رجعتي! إنتي مش متخيلة البيت عامل إزاي من غيرك، والولاد كل يوم بيسألوا عليكي، وأنا…
قاطعتني بهدوء: ـ أنا مش جاية أرجع يا محمود.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، وبصيتلها مش مستوعب.
ـ أمال جاية ليه؟
دخلت، وحطت الشنطة على الترابيزة، وبصتلي وقالت: ـ جاية أطلب الطلاق.
فضلت باصلها ثواني، وبعدها ضحكت ضحكة عصبية وقلتلها: ـ طلاق إيه يا فاتن؟ إنتي اتجننتي؟ يعني عشان زعلتي مني تسيبي بيتك وولادك وتطلبي الطلاق؟ طب والعيال ذنبهم إيه؟
بصتلي بوجع وقالت: ـ ماتجيبش سيرة العيال علشان تضغط عليا يا محمود، أنا عمري ما قصرت معاهم، وحتى وأنا ماشية، كنت حريصة أسيبهم في أمان، لكن إنت اللي خليتهم يدفعوا تمن قراراتك.
ـ طب ما ترجعي ونحل كل حاجة، وأنا أوعدك إني هتغير، وهصرف على الولاد، وههتم بيهم، ومش هخليكي محتاجة حاجة تاني.
هزت راسها وقالت: ـ الكلام ده سمعته منك كتير، وكل مرة كنت بصدقك وأديك فرصة جديدة، لحد ما بقيت بتعتبر تنازلاتي حق مكتسب ليك.
قربت منها وحاولت أمسك إيدها، لكنها بعدت عني وقالت: ـ أنا مش جاية أتناقش في اللي فات، أنا جاية أقولك إني خلاص خدت قراري، وعايزة أنهي الجوازة دي باحترام، وكل واحد فينا ياخد حقه.
اتعصبت وقلتلها: ـ وحقوق إيه اللي بتتكلمي عنها؟ إنتي عايزة تطلقي وتاخدي حقوقك كمان؟ بعد كل السنين دي؟
بصتلي بثبات وقالت: ـ أيوه يا محمود، عايزة كل حقوقي، ومش هاخد أقل من حقي علشان خاطر العشرة، لأنك إنت اللي ضيعت العشرة دي بإيدك.
وبعدين طلعت ورقة من شنطتها وحطتها قدامي.
ـ دي قائمة منقولاتي، ودي الأوراق اللي تخص حقوقي، وأنا كلمت محامي، وكل حاجة هتم بالطريقة القانونية. أنا مش جاية آخد حاجة مش من حقي، لكن مش هتنازل عن حاجة من حقي علشان إنت اتعودت إني أسكت.
مسكت الورق وأنا حاسس إن الدنيا بتضيق حواليا، وقلتلها: ـ يعني إنتي مجهزة كل ده من ورايا؟ إنتي كنتي بتخططي للطلاق من يوم ما مشيتي؟
ردت من غير تردد: ـ لأ، أنا يوم ما مشيت كنت محتاجة أبعد علشان أفكر، لكن كل يوم عدى بعيد عنك أكدلي إني كنت عايشة مع راجل مش شايفني، ومش مقدر وجودي، وبيفتكرني بس لما يحتاج مني حاجة.
ـ طب والولاد؟
اتغيرت ملامحها، ودموعها لمعت في عينيها، لكنها تماسكت وقالت: ـ ولادي هيفضلوا ولادي، وعمري ما هتخلى عنهم، وهشوفهم وأراعيهم، لكن مش هرجع أعيش معاك علشان أربيهم وأربيك معاهم.
في اللحظة دي، الولاد خرجوا من أوضتهم، وأول ما شافوا أمهم، جريوا عليها.
ابني الصغير حضنها وهو بيعيط: ـ ماما، إنتي هتمشي تاني؟ أنا عايز أروح معاكي!
فاتن نزلت لمستواه، وحضنته بقوة، ودموعها نزلت وهي بتقوله: ـ يا حبيبي، إنتوا ولادي، وعمري ما هبعد عنكم، بس أنا وبابا لازم كل واحد فينا يعيش في مكان لوحده.
ابني الكبير بصلي وقال: ـ يعني إنتوا هتتطلقوا يا بابا؟
ماعرفتش أرد، وفاتن مسحت دموعها وقالتله: ـ دي مشاكل بين الكبار يا حبيبي، وإنتوا مالكوش ذنب فيها، ومحدش فينا هيبطل يحبكم.
وقتها حسيت إن كل كلمة بتقولها بتكشف قد إيه أنا قصرت في حقهم، وإن حتى في لحظة فراقها، هي لسه بتحاول تحميهم من اللي أنا سببته.
حاولت أتكلم معاها مرة أخيرة: ـ فاتن، أنا مش هقدر أعيش من غيرك، والله ندمت، وأنا مستعد أعمل أي حاجة علشان ترجعي.
بصتلي وقالت: ـ لو كنت ندمت بجد، كنت فكرت فيا قبل ما توصلني للمرحلة دي، لكن إنت ماحسيتش بغيابي غير لما لقيت نفسك مضطر تعمل كل حاجه بنفسك.
سكت، لأنها كانت عندها حق.
وبعد ما طمنت الولاد إنها هتشوفهم قريب، قامت وخدت شنطتها، واتجهت ناحية الباب.
جريت وراها وقلتلها: ـ طب رايحة فين دلوقتي؟
بصتلي للمرة الأخيرة وقالت: ـ راجعة بيتي يا محمود.
استغربت وقلتلها: ـ بيتك فين؟ ده بيتك أهو!
ردت بهدوء: ـ لأ، ده البيت اللي كنت عايشة فيه معاك، إنما بيتي هو المكان اللي أحس فيه بالأمان والاحترام، والمكان اللي محدش يعتبر وجودي فيه خدمة مجانية بيقدمها له. أنا هعيش في مكان يخصني، وإنت هتفضل في البيت ده لحد ما ننهي الإجراءات، وبعدها هتتصرف في سكنك بنفسك.
وقتها فهمت إنها مش بتهددني، وإنها فعلًا مش راجعة.
وبعد أسابيع، تم الطلاق، وفاتن أخدت حقوقها كاملة، ورجعت البيت تانى.
أما أنا، فلقيت نفسي مضطر أسيب البيت اللي كنت عايش فيه، لأن ملكيته كانت تخص فاتن، وماكانش عندي حق أفضل فيه بعد ما انتهت علاقتنا، رجعت تانى قعدت مع غزل وامها.
غزل فضلت بعيدة عني، وبعد ما ولدت، قررت إن علاقاتنا مش هتستمر بالشكل اللي كنا عايشين بيه، خصوصًا بعد ما اكتشفت إني مش قادر أكون الزوج اللي هي محتاجاه، ولا أنا قادر أديها الحياة اللي وعدتها بيها، خصوصاً أن نص مرتبى رايح نفقه للولاد.
وفي النهاية، بقيت لوحدي، بحاول أتعلم أعمل كل حاجة فاتن كانت بتعملها، وأحاول أعوضهم عن غيابى، كنت بفتكر إني خسرت ست كانت مستعدة تشيل عني الدنيا كلها، وأنا اللي خليتها في يوم تقرر تشيل نفسها من حياتي.
وعرفت متأخر إن العدل مش إنك تدي كل واحدة وعد، ولا إنك تفضل ترضي دي على حساب دي، العدل إنك ماتظلمش حد علشان تريح نفسك، وإنك ماتعتبرش طيبة اللي قدامك ضعف، لأن أصعب خسارة مش إن حد يمشي من حياتك، أصعب خسارة إنك تكون إنت السبب، وتفضل طول عمرك فاكر إنك كنت تقدر تمنع ده، لو بس كنت قدرت تشوف غير نفسك.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



