
مرت ستة أشهر على ذلك اليوم الأغبر الذي انهار فيه السقف الزجاجي لعائلتنا. ستة أشهر وأنا أحاول ترميم ما يمكن ترميمه من أرواحنا المكسورة، لكن الجراح التي حُفرت في العظام على مدار خمسة عشر عاماً لا تندمل بقرار من النيابة ولا بصدور حكم قضائي.
البيت الذي طالما شهد طفولتنا، صار يسكنه صمت ثقيل. أمي “مديحة” عادت لتعيش معنا، لكنها لم تعد تلك المرأة الصافية الضحكة التي عرفتها قبل فاجعتنا. كانت تقضي معظم ساعات النهار جالسة بجوار الشباك، وتتطلع في الفراغ بنظرات غائرة، وكأن روحها بقيت معلقة بآلام الماضي. أما “مايا”، فكانت ترفض الخروج، وتهرب من الضوء، وتبكي في نومها بصراخ مكتوم كلما مر سائر في الطرقات.
كنت أنا العمود الأخير الذي يمسك هذا البيت المتداعي. ألقيت بفكرة الزواج جانباً، وطلبت من “زياد” بكل حزن وألم أن نؤجل كل شيء حتى أستعيد أختي وأمي من ظلمات الماضي. كان زياد رجلاً بنبل فريد، وقف بجانبي، يتكفل بالمتابعة مع المحامين والجلوس مع الأطباء النفسيين الذين بدأوا رحلة علاج طويلة مع مايا وأمي.
كان يفترض أن تكون القصة قد انتهت عند هذا الحد؛ المتهم خلف الأسوار ينتظر محاكمته النهائية، والضحايا يحاولون التعافي. لكن الأزمات لم تكن قد انتهت بعد.
في صباح يوم أربعاء كئيب، وأثناء جلوسي مع المحامي لاستكمال أوراق قضية “التزوير والاحتجاز القسري”، التفت إليّ المحامي بوجوم، وحط ملفاً أسود على الطاولة وقال بصوت خفيض:
“نسمة.. فيه تطور جديد في القضية. أبوكي عيّن طاقم محاماة كبير جداً، والظاهر إن عندهم خطة بديلة.”
شهقت بضيق وقلت: “خطة إيه؟ الدليل قاطع! الصور والشريط والتسجيلات وإفادة الأطباء في المستشفى كلها ضده!”
رد المحامي وهو يهز رأسه بقلة حيلة: “المشكلة مش في الأدلة الجنائية يا نسمة.. المحامون قدموا طعناً بطلب إعادة عرض أمك على لجنة ثلاثية من الطب الشرعي، وادعوا إن الأدلة تم الطعن في صحتها بسبب ظروفها الصحية السابقة. والأفظع من كده.. إنهم بيستغلوا تاريخ أمك الطبي المدون على مدار 15 سنة لقطع الطريق على شهادتها!”
حسيت بالدم بيهرب من وشي: “يعني إيه؟ يعني ممكن يخرج؟!”
“مش بس يخرج..” قالها المحامي بمرارة، “لو المحكمة اقتنعت بالطعن، ممكن الحكم يتخفف بشكل كبير، أو يتحول لقضية نزاع أسري. والأنكى من كده.. فيه أوراق اتعرفت بتثبت إن أبوكي نقل ملكية البيت والشركة وكل أصوله باسم حسابات وأشخاص تانيين قبل القبض عليه بأيام.. يعني حتى لو اتسجن، هو ناوي يرميكم في الشارع من غير مليم!”
خرجت من مكتب المحامي ورجلي مش شايلاني. الشارع كان بيغلي من الحر، وعقلي بيغلي من العجز.
وصلت البيت، وفتحت الباب بالراحة. لقيت أمي قاعدة على الأرض في الصالة، ومايا قاعدة جنبها حاطة رأسها في حضنها. أمي كانت بتسرح شعر مايا ببطء شديد.
أول ما شافوني، مايا قامت بسرعة، وسألتني بعيون مرعوبة: “فيه إيه يا نسمة؟ المحامي قالك ايه؟ بابا هيخرج؟”
حاولت أتماسك وأبتسم ابتسامة باهتة: “مافيش حاجة يا مايا.. الموضوع محتاج وقت بس، والقضاء بياخد مجراه.”
لكن أمي بصت في عيني بنظرة ثاقبة، نظرة الست اللي عاشت المرار وفهمت الحياة. سحبت إيدي وقعدتني جنبها وقالت بصوت هادي وراسي: “أبوكي مش هيسيبنا يا نسمة.. مكرم طول عمره بيعرف يتصرف. هو من زمان كان بيخطط لليوم ده.”
دموعي نزلت من غير ما أحس: “يا ماما أنا تعبت.. أنا حاسة إننا في ساقية مابتقفش.”
في اللحظة دي، تلفون البيت رن. صوت الرنين كان حاد ومفزع.
رفعت السماعة بإيد بترتعش، وقلت بصوت خائف: “ألو؟”
جالي من الناحية التانية صوت هادي وجاف:
“الآنسة نسمة؟”
“أيوه.. مين معايا؟”
رد الشخص ببرود: “أنا محامٍ نيابة عن والدك الحاج مكرم. أنا بتصل بيكي عشان أبلغك برغبة موكلي في التسوية. الحاج مكرم مستعد يتنازل عن الطعن، ومستعد يسيب لكم شقة سكنية صغيرة ومبلغ مال، بشرط واحد بس.”
قلبي اتنفض في صدري: “شرط ايه؟”
“إن الآنسة مايا والمدامة مديحة يروحوا بكرة أمام الجهات الرسمية، ويتنازلوا عن البلاغ، ويقروا إن الاتهامات كانت نتيجة ضغوطات عائلية. لو وافقتوا.. هتعيشوا في أمان. لو رفضتوا، القضية هتقلب بطلب حجر، والأوراق اللي موكلي سايبها برة السجن هتتنشر، وساعتها مش بس سمعة العيلة اللي هتتدمر.. أنتِ وأختك مش هتعرفوا تمشوا في الشارع.”
قفلت الخط في وشه وأنا بنهت وجسمي بيترعش من الغيظ. تهديد صريح ومباشر!
مايا مسكت في دراعي وبصتلي بفزع: “مين ده يا نسمة؟ كان بيقول إيه؟”
ما قدرت أداري عليهم أكتر من كده. حكيت لأمي ومايا على اللي دار في المكالمة وعلى خطة أبويا ومحامينه. مايا انهارت وقعدت تبكي وهي تصرخ: “أنا مستعدة أروح أتنازل! مش عايزة حاجة منه! خليه يخرج ويسيبنا في حالنا!”
لكن أمي وقفت فجأة!
وقفت بصلابة وصمود غريب، الملامح المكسورة والضعيفة اختفت في لحظة، وعيونها لمعت بشرارة قوة ما شوفتهاش من 15 سنة. قربت من مايا ومسكتها من كتفها بقوة وقالت بصوت هز الغرفة:
“تنازل إيه اللي هتروحي تعمليه يا مايا؟! أنتِ اتجننتِ؟ نسيتِ السنين اللي عشتيها؟ على جثتي لو حد فيكم تنازل عن حرف واحد!”




