
تاني يوم الصبح، الساعة تسعة بالظبط، كنت واقفة قدام باب الشهر العقاري في الجيزة. كنت لابسة عباية سوداء شيك ومرتبة، وشعري الأحمر متداري جوه طرحة سوداء هادية، والنظارة الشمسية لسه على عيوني. شكلي كان بيدي هيبة ووقار يختلف تماماً عن مظهر سواقة التاكسي بالليل، بس جوايا كنت ثابتة ورايقة وعارفة كل خطوة بخطوها.
ما هي إلا دقائق، ولقيت مروان جاي من بعيد وهو بيلهاث، ووشه أصفر من التوتر والخوف، وعينيه بتلف في كل حتة وكأنه حاسس إن الشرطة أو رجال مراته الجديدة مستنيينه ورا كل زاوية. قرب مني وهو بيمسح العرق من جبينه وقال بصوت مهزوز:
– صباح الخير يا سارة.. أنا جيت في الميعاد زي ما اتفقنا، والعقود كلها معايا في الشنطة.. التنازل الكامل عن الورشة وكمان توكيل عام رسمي يضمن لك كل حقوقك.
بصيت له ببرود ورفعت حاجب واحد، وخدت منه الشنطة وفتحتها بصيت على الورق بتمعن شديد ورقة ورقة. كل حاجة كانت سليمة ومختومة مبدئياً وجاهزة على التوقيع النهائي قدام الموظف المختص. حسيت بقلبي بينبض بفرحة حقيقية.. حقي اللي ضاع سنين، وورشتي اللي أبويا سابها لي، رجعت لي أخيرًا وبإرادته وتحت تأثير الخوف من مصيره.
دخلنا جوه، وخلصنا الإجراءات القانونية قدام الموثق، ومضى مروان على كل ورقة تثبت حقي الكامل وترجع لي الورشة والأرض والمعدات باسمي من جديد. وبمجرد ما الموظف ختم العقود وسلمها لي في إيدي، حسيت إن جبل كبير أزاح من على صدري.
خرجنا برة مبنى الشهر العقاري، ووقفنا في الشارع الجانبي. مروان بص لي برجاء وتوسل وعينيه مليانة دموع وقال:
– خلاص يا سارة.. أنا عملت لك كل اللي طلبتيه وكتبت لك الورشة.. طمنيني، هنعمل إيه في موضوع النيابة والورق؟ هتقولي إيه للجهات المختصة عشان تنقذيني؟
بصيت له بابتسامة خفيفة وساخرة، وعدلت الشنطة اللي فيها عقود الورشة على كتفي، وقربت منه خطوة وقلت بصوت هادئ وثابت:
– بص يا مروان.. زي ما أنت قلت إمبارح، الدنيا بتلف. وأنا مش هكذب في النيابة ولا هتحمل مسؤولية أخطاء إنت اللي دبرتها عشان تطردني وتسرقني.
مروان اتخض ووشه جاب ألوان، وفتح بوقه بصدمة وعينيه وسعت للآخر وقال بصراخ مكتوم:
– إنتي بتقولي إيه؟! إنتي ضحكتِ عليا وخليتيني أتنازل عن كل حاجة وفي الآخر هتسيبيني؟!
قطّبت حواجبى وقلت له بحدة ونبرة صارمة:
– أنا ما ضحكتش عليك.. أنا خدت حقي القانوني اللي إنت سرقته مني بالظلم، أما بالنسبة للورق والنيابة.. فده حق القانون والدولة، وكل واحد ياخد جزاءه بالظبط. روح للنيابة واشرح لهم بنفسك، يمكن ضميرك يرتاح!
سابني واقفة مصدوم ومنهار تماماً، ووقع على ركبه في الشارع من كتر الصدمة والذهول، وهو بيصرخ باسمي بس أنا مالتفتش ورايا أبداً.
ركبت التاكسي بتاعي، ودست بنزين وأنا حاسة برياح النصر بتدفعني للأدام.. بس وأنا ماشية في طريقي للورشة بتاعتي القديمة عشان أفتحها من جديد، لقيت تليفوني بيرن برقم غريب تاني..
فتحت الخط وأنا سايقة بإيد واحدة، وفجأة سمعت صوت نسائي حاد بيقولي بغضب:
– إنتي سارة صح؟ زوجة مروان.. اسمعيني كويس، اللعبة لسه مخلصتش بيننا، واللي خدتيه هيرجع غصب عنك!
قبضت على الدريكسيون بقوة، وابتسمت بحدة.. شكل الحكاية لسه فيها فصول تانية كتير!
#الكاتب_رومانى_مكرم



