
قلبت تليفوني على الكنبة الجنبية وسقت التاكسي بسرعة وثبات تجاه الورشة اللي رجعت لي رسمي. قلبي كان بيدق بس المرة دي مش من الخوف، ده نبض إنسانة اتألمت كتير لحد ما استردت كرامتها وحقها بذكائها وصبرها.
لما وصلت قدام الورشة في حي الجيزة الشعبي، نزلت وبصيت على القفل القديم واللافتة اللي هجرناها سنين. طلعت المفتاح اللي كنت محتفظة بيه في جيبي زي القطعة النادرة، حطيته في القفل ولفيته بمهارة.. صوت التكة كانت أحلى موسيقى سمعتها في حياتي. رفعت باب الساج القديم، ودخلت أشم ريحة الحديد والزيت القديم وذكريات أبويا الله يرحمه. وقفت جوه ودموع الفرحة لمعت في عيني، وعدت نفسي إن الورشة دي هترجع تنور وتفتح باب رزق شريف لكل محتاج، ومش هسمح لأي مخلوق يلمسها تاني.
بس الراحة دي مكملتش كتير.. بعد ساعة بالظبط وأنا بنضف التراب وبراجع المعدات القديمة، سمعت صوت عربية فخمة بتقف برة بصوت فرامل عالي ومزعج.
رفعت راسي، ولقيت باب الورشة بيتفتح بقوة، وطلت منه واحدة شابة بملامح حادة، لابسة لبس ماركات عالمية وغالي، وعلى وشها نظرة تكبر وغضب.. دي كانت ياسمين، ابنة خال مروان ومراته الجديدة. ومعاها اتنين من المرافقين.
ياسمين دخلت بتبص حواليها باشمئزاز، وقالت بصوت حاد ومليان تهديد:
– أهدي بقى يا شطورة.. فاكرة نفسك ذكية عشان خدتي توقيع مروان وعقود الورشة؟ مروان ده أصلاً مفلس وماعهوش حاجة، والعقود دي ولا تساوى قرش لو عرفتي إن الورشة دي أصلاً مرهونة لبنوك وعليها ديون بالملايين بسبب صفقاته! يعني شربتي المقلب يا حلوة!
بصيت لها بهدوء تام وأنا ماسكة فوطة التنضيد في إيدي، ولا كأنها موجودة قدامي. استندت على الطاولة وبصيت لها ببرود أعصاب خلّاها تتجنن أكتر، وقلت بصوت واثق:
– لو الورشة عليها ديون أو مرهونة زي ما بتقولي يا مدام ياسمين، أومال جريتي وراها ليه أنتي ومروان، ولفقتوا لي القضايا عشان تسرقوها من الأول؟ ما هي لو كانت خرابة مكنتوش حطيتوا عينكم عليها! وبعدين، شكلك نسيتي إن مروان بنفسه اعترف لي بكل حاجة، وأنك طردتيه في الشارع بعد شهر جواز.. باين إن الحبل بيضيق حوالين رقبتك أنتي كمان، وجاية تطلعي غضبك هنا؟
وش ياسمين انقلب لون تاني من الغيظ، وعينيها برقت، وبصّت للمرافقين وقالت بعصبية:
– هاتوا منها العقود دي بالذوق أو بالعافية!
الاتنين تقدموا ناحيتي بسرعة، بس أنا مكنتش خايفة لحظة واحدة. كنت عارفة إن شطارة السواقة في الشوارع بالليل بتعلم الواحد إزاي يتصرف في المواقف دي. قبل ما يقربوا مني بخطوة، خرجت تليفوني من جيبي بسرعة وضغطت على زرار التسجيل اللي كنت فاتحاه من أول ما دخلت، ورفعت صوتي بقوة:
– قربوا خطوة كمان وهسجل كلامكم قدام الكاميرات والشرطة اللي في أول الشارع!
في نفس اللحظة دي، سمعت صوت صفارات سيارات شرطة بتقترب بسرعة وتتوقف قدام الورشة بالضبط.
ياسمين والمرافقين اتخضوا واتجمدوا في مكانهم، وبصوا برة لقوا ضباط المباحث نازلين ومعاهم أمر ضبط واحضار لياسمين في قضايا مالية، ومروان كان واقف جنبهم في العربية ومنزل راسه في الأرض بحسرة تامة!
الظابط دخل الورشة، وبص لياسمين وقال بصوت حاسم:
– ياسمين هانم.. أنتي مطلوبة للتحقيق في بلاغات متعددة، ومروان اعترف بكل التفاصيل!
ياسمين وقعت على الكرسي من كتر الصدمة، والمرافقين سلموا نفسهم من غير مقاومة قدام العسكريين.
بص لي مروان من بعيد نظرة أخيرة كله توسل وندم، وهو راكب عربية الشرطة.. بس أنا بصيت له بهدوء تام، وعدلت طرحتي، ولفيت ظهري وكملت شغل في ورشتي.
العدالة دايمًا بتاخد مجراها، والليل اللي كنت خايفة منه زمان، بقا هو شاهد على رجوع حقي وكرامتي كاملة.
مرت الأيام والشهور، وكأن العاصفة اللي هزت حياتي كلها هدأت وابتديت أزرع أرضي من جديد. ورشة أبويا رجعت تنبض بالحياة، صوت الآلات والحديد رجع يعمر المكان. بقيت أفتح الورشة الصبح وأديرها بنفسي، وبليل أحياناً أنزل أخد لفة بالتاكسي كنوع من الوفاء لصحبة الليل اللي استرتني وحمتني في أوقاتي الصعبة.
مروان وياسمين قضيتهم فضلت متداولة في المحاكم، وثبتت التهم عليهم بالدليل القاطع، فدخلوا الاثنين ورا الشمس، وخلصت حكايتهم اللي بدأت بالطمع وانتهت بالندم. أما أنا، فوقفت على رجلي بقوة وثبات محدش كان يتوقعه، لا كسرني ظلم طليقي ولا جبروت مراته الجديدة.
في ليلة صيفية جديدة، كنت واقفة قدام باب الورشة، بلمس حوائطها وباصصة للسماء الصافية، ونسمة الهوا الباردة بتلاعب شعري القصير الأحمر اللي بقى رمز لقوتي وتجددي. حسيت بسلام عميق جوه قلبي، وابتسمت لنفسي وأنا بقول بصوت خافت: “الحق دايماً بياخد مجراه.. والبدايات الجديدة بتستاهل كل دمعة نزلت”.
سحبت القفل وقفلته وأنا مرفوعة الراس، وعارفة إن الدنيا، مهما لفت وقست، عمرها ما بتضيع حق حد صبر واتحمل.
#الكاتب_رومانى_مكرم
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




