
بعد طلاقي، غيرت شكلي خالص وبدأت أشتغل سواقة تاكسي في شوارع الجيزة بالليل.. وفجأة سمعت صوت طليقي من ورا وهو بيكلم نفسه بصوت عالي وعصبي: “يا ريتني ما استعجلت وطلقتها.. الفلوس دي كلها راحت في إيد غيرها والمصيبة وقعت على دماغي”..
يداي اتمسكت في المقود واتجمدت، وفي اللحظة دي حسيت إن الليلة دي مخبيالي مفاجأة تقيلة مش هتعدي بالساهل.
اسمي سارة، وبعد طلاقي، اختفيت بمزاجي.. مش عشان كنت بدور على انتقام شخصي خارج عن القانون، ولا كنت رايحة أتجسس على حد، خالص.. أنا كنت بموت وبحاول أعيش بس، وبدور على لقمة عيش بالحلال.
لما جوزي مروان سابني بعد 10 سنين جواز عشان يتجوز ابنة خاله الغنية ياسمين، ماخدش مني عمري وبس.. ده لفّق لي قضيّة مزيفة وطلعني أنا الغلطانة عشان يرميني برة البيت من غير مليم، ويستولي على الورشة اللي ورثتها عن أبوي والتي كانت مصدر رزقي الوحيد وأمان عمري. المحكمة حكمت بحسب ظروف القضية المفبركة في وقتها، وطلعت منها بمصيبة وشقة إيجار قديمة في شارع جانبي ضيق.
قصيت شعري بوي، صبُغته أحمر غامق، وبطلت أحط أي مكياج خالص. كنت عايزة شغلانة تقبض يوم بيوم، محدش يسألني فيها أنت مين ولا تبص في سي في ولا وجع دماغ، فاشتغلت سواقة تاكسي بالليل هنا في شوارع الجيزة الواسعة. ساعات طويلة، ركاب ع الماشي، ووشوش محدش فيهم بيبص لي أصلاً ولا بياخد باله مني.
التخفي ده هو اللي أنقذني.. وبعد شهرين من الشغل، وفي ليلة صيفية متأخرة، ركّبت راكب واحد من قدام مول كبير في الهرم. ركب ورا وكان شكله مرهق وبيتنهد بصوت عالي، ومطلع تليفونه بيتكلم بصوت غاضب. في الأول مبصتش ليه في المراية، مكنش فيه داعي.. لحد ما سمعت اسمي صريح.
شدّيت على دراع الدريكسيون بقوة.. ده كان صوته.
مروان.. وكان قاعد لوحده بيكلم شخص تاني ع الموبايل بعصبية.. ومحسش خالص إن السواقة هي مراته القديمة. الشعر الجديد، النظارة الشمسية بالليل، والسكوت التام. كنت مجرد سواقة تاكسي بالنسبة له.. قال مروان بصوت مليان غضب وقهر في التليفون:
– بقولك يا عماد، ياسمين اتقلبِت عليا بعد ما اتجوزنا بشهر! طردتني من الفيلا وطلعتني برة الحسبة خالص، وطلعت متجوزاني عشان تكسر خشمي وتستولي على أملاكي وبس! والورشة اللي سرقتها من سارة.. الحكومة قفلتها النهاردة لأن ورقها أصلاً كان مضروب وباسم سارة القديم، والمحامي اللي عمل التزوير زمان اتقبض عليه في قضية تانية وخيوط اللعبة كلها اتكشفت! أنا ضعت يا عماد.. أنا خسرت كل حاجة!
بطني اتقلب لدرجة حسيت بغثيان.. ورشتي اللي سرقوها اتقفلت رسمياً، وهو نفسه اترمى في الشارع من مراته الجديدة اللي طمّعت فيه! وبعدها سأل صاحبه في التليفون بصوت بيبكي:
– تعرف طريق سارة؟ هي سابت البلد ولا لسه في مصر؟ أنا محتاج أوصل لها عشان أصلح الغلط ده بالطرق القانونية السليمة، وأعترف قدام الجهات الرسمية بكل حاجة عشان أنقذ ما يمكن إنجازه من السجن!
طبعاً أنا هديت السرعة خالص وكملت في طريقي بهدوء تام.. ومحسش بحاجة من كتر صدمته وانهياره. فضل يشتكي لصاحبه إزاي ندم على اللي عمله معايا، وإزاي مراته الجديدة دبرت له مكيدة وخدت منه كل الفلوس.
وبعدها مروان قفل الاتصال، ولما جيت أنزل قدام الشارع اللي طلبه، نزل ببطء شديد، وفتح الباب ورما لي ورقة فلوس ع الكنبة وقال بصوت مكسور:
– خلي الباقي ليكي.. ربنا يعينك على تعب اللالي.
بصيت له في المراية الأمامية وبكل ثبات وابتسامة هادية قولت بصوت طبيعي بس فيه نبرة ثقة واضحة:
– ربنا دايماً بيبان الحق يا مهندس مروان.. والعدالة الإلهية والقانونية مبتسيبش حد.. ليلة سعيدة.
بص لي باستغراب شديد وعيونه وسعت من الخضة كأنه بدأ يشك في صوتي أو ملامحي، بس أنا دوست بنزين وطلعت بالعربية بسرعة وسيبته واقف في مكانه مذهول. لأنني فهمت في اللحظة دي.. إن عدالة ربنا والقانون نزلوا عليه أسرع بكتير مما كنت أتخيل، وأنا مش محتاجة أعمل أي حاجة غير إني أسلم أمري للقضاء.
الرسالة.. بداية طريق الحق
دست على بنزين التاكسي وانطلقت بهدوء وثبات، ورايا مروان واقف في الظلمة مكانه زي المشدوه، عيونه مذهولة وعقله مش استوعب لسه هو شاف مين ولا سمع إيه. الكلمات اللي قلتها له كانت زي الصاعقة اللي نزلت على دماغه عشان تفوقه من الوهم اللي عاش فيه شهور.
سقت في شوارع الجيزة الهادئة نسبياً في الوقت ده من الليل، وقلبي بينبض بقوة، بس مش خوف ولا ضعف.. ده كان نبض القوة والنصر والارتياح. لأول مرة من سنين أحس إن الهوا اللي بشمه نقي وإن الجبل اللي كان على صدري انزاح. الورشة اللي ورثتها عن أبوي والتي كان بيحلم بيها وضحك عليا فيها عشان يرميني برة.. رجعت وانقلبت عليه وبقت وبال ومصيبة، ومراته الجديدة اللي اتجوزها عشان فلوسها وفشخرتها.. رمته في الشارع بعد شهر واحد زي ما رماني.
بس وأنا سايقة في اتجاه شقتي الإيجار القديمة، لقيت عقلي بياخدني لمنطقة تانية خالص تعتمد على الحكمة والعقل مش الانفعال. مروان قال في التليفون إن الحكومة قفلت الورشة لأن الورق أصلاً كان باسمي القديم، وإن التزوير اللي عمله المحامي الفاسد اتكشف. ده معناه إن القانون بينصفني وبيثبت إنني صاحبة الحق الأساسية، وإن الورشة ومستنداتها الرسمية لسه في ذمة الحق القانوني ليا!
وقفت العربية قدام البيت، وطلعت الشقة وأنا بتمشى بخطوات ثابتة. فتحت الباب، قفلت الباب ورايا، قلعت النظارة الشمسية وبصيت لنفسي في المراية.. شعري القصير الأحمر وبدلة السواقة. حسيت إن اللعبة الحقيقية بدأت، بس المرة دي بلعبة نظيفة قوامها القانون والقضاء مش النصب والتلاعب.
تاني يوم بالليل، نزلت الشغل عادي كالعادة، بس التفكير كان شغال في رأسي زي الساعات. الساعة كانت حوالي اتنين بالليل، وأنا واقفة بالتاكسي في إشارة مرور هادئة في الهرم، لقيت تليفوني المحمول القديم بيرمّي رسالة نصية ورقم غريب مجهول.




