روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 2

صفاء فضلت بصالي بنفس الابتسامة الهادية، الابتسامة اللي كانت زي  وأنا واقفة. قربت مني خطوة كمان وقالت بصوت واطي بس كل كلمة فيه كانت نازلة على : “أنا ما جيتش أترجاكي ولا جاية أعيط لشريف.. أنا أخدت تفريغ الكاميرات بالكامل، معايا هنا على تليفوني. الكاميرا جايبة الممر بوضوح، جايباكي وأنتِ بتطلعي العلبة من صدرك وأنتِ

طلعت تليفونها بثقة، وفتحت ڤيديو وشغلته قدام وشي. عيني اتسعت من الصدمة لما شفت نفسي بالثانية والدقيقة! الكاميرا اللي كانت متثبتة في سقف الممر قدام باب كانت جايبة الزاوية بالملي.. باين فيها وشي وأنا ببص يمين وشمال بالراحة، وإيدي اللي امتدت بخفة في جيب جلابيتها وأنا حسيت إن الدنيا بتدور بيا، والشارع كله بيلف. صفاء قفلت التليفون وحطته في شنطتها بهدوء، وقالت لي: “التفريغ ده نسخه معايا، ونسخة منه راحت للمحامي بتاعي، وقريب قوي هيكون

على تليفون شريف وتليفون أمه.. بل وعلى تليفون العيلة كلها اللي حضرت السبوع وشهدت على  وما تلاقيهوش، هخلي ! شريف اللي كان متحملني عشان الولدين، لو عرف إنني تبلت على حبيبته وأم بناته وشهّرت بيها قدام الناس وخليته يطردها بالمنظر ده، مش هيسمي عليا. وحماتي اللي كانت طايرة بيا عشان الولاد، هتقلب عليا وتبصلي كأني شيطان!

رجعت البيت وأنا مش حاسة برجلي. دخلت الشقة، لقيت حماتي قاعدة بالولاد في الصالة بتلعبهم ومبسوطة، وشريف كان راجع من الشغل بدري، قاعد على الكنبة ووشه مهموم ومطأطأ في الأرض كالعادة. أول ما دخلت، بصلي شريف بنظرة جافة وقال: “تأخرتي ليه كده؟”

ما قدرتش أرد، رحت على على طول وقغلت الباب عليا. كله كان فكرت إني أروح لابن عمها صاحب المحل وأعرض عليه فلوس عشان يمسح تسجيلات الهارد.. بس صفاء قالت إن النسخة بقت معاها ومع المحامي! يعني المسح من المحل مش هيفيد بآي حاجة. طب أسرق تليفونها؟ أبعت حد يثبتها وياخد الشنطة والتليفون؟ الأفكار السوداوية كانت بتتسابق في .

سمعت شريف بيرد بصوت هادي: “ألو؟.. أيوه يا صفاء..”

سكت شريف ثواني، وأنا كنت حاسة إن روحك بتتسحب مني. هل هي بتبعتله سمعت صوت شريف فجأة بيتغير، نبرته الهدية اتقلبت لصدمة وذهول، وزعق بعلو صوته: “أنتِ بتقولي إيه يا صفاء؟! إيه؟! كلام فارغ إيه ده؟!”

 البيت كله أنفاسه، والثواني بقت تمر كأنها دهور. شريف كان باصص في شاشة التليفون، ووشه يبدأ يتغير بالتدريج؛ ألوانه بتروح وتيجي،  رقبته جمدت وبارزت كأنها حبال، وشفايفه بتهتز بذهول

أنا كنت واقفة مكان صنم،  في عيني، وركبي مش شايلاني. كنت مستنية يرفع عينه ويصرخ، مستنية لحظة القضاء عليا.

حماتي قربت منه بلهفة وقلق وشغف، ومدت رقبتها عشان تشوف الشاشة وقالت: “في إيه يا بني؟ البت دي بعتتلك إيه؟ شغل الصوت وريني!”

فجأة، شريف رمى التليفون على الكنبة بقوة، وحط إيديه الاثنين على رأسه وقعد على الكرسي وهو بيلهث كأنه كان بيجري في ماراثون. أنا جمصت عيني واستعديت ومشى! التليفون يهنج؟ ما يفتحش بسبب عطل في الشبكة أو الميديا؟ ربنا إداني فرصة أخيرة أنفذ بجلدي، وما كنتش هضيعها أبداً!

استغليت اللحظة فوراً، وجريت عملت دور تفتحه، ولما لقته بيهنج ومش راضي يعرض حاجة، تفّت على الأرض وزعقت: “يا فاجرة يا صفاء! جاية تعملي ألاعيب وتزوري فيديوهات عشان تشككي الواد في مراته وأم ولاده؟! ربنا ينقم منك يا بعيدة!”

شريف كان ساكت تماماً، مش بيحكي ولا بيرد، بس نظراته ليا كانت متغيرة. حتى لو أول ما نزل، عرفت إن الوقت بيجري ضدّي. شريف اكيد نازل للمحل اللي تحت العمارة! نازل يشوف صاحب المحل أو يطلب منه يفتح الهارد بنفسه!

جريت على البلكونة وشفت شريف فعلاً بيمشي بخطوات سريعة وداخل المحل اللي تحت العمارة. قلبي كان بيموت من الخوف. لو صاحب المحل فتح له التسجيلات على جهاز الكمبيوتر الكبير جوه المحل.. تبقى كل حاجة انتهت، والتليفون اللي هنج مش هيحميني المرة دي!

كان لازم أتصرف في ثواني. جريت على المطبخ، مسكت عيل  وعصرت إيده بضغط جامد لحد ما الولد الصوت هز الشارع كله. شريف كان جوه المحل ولسه بيكلم ابن عم صفاء، أول ما سمع صريخ ابن الصغير، خرج يجري زي دخل الشقة وشافني ماسكة الولد وببكي وبحرّك فيه بحسب، وأمه بتصرخ جنبي. شريف شال الولد من إيدي بسرعة وجري بيه على الشارع عشان يروح بيه لأقرب مستشفى أو دكتور، وأنا أخدت الولد الثاني وجريت وراه.

شغلت شريف بابنه، ودخلنا في دوامة كشوفات وتحاليل ودكاترة لحد نص الليل، لحد ما الدكتور طمنه وقال إن الولد كويس ومفهوش حاجة، مجرد مغص شديد. بس أنا قدرت باللعبة دي أكسر اللحظة الحاسمة، وأبعده عن المحل والتسجيل في الوقت المناسب.

شريف ما بصليش، وفضل باصص للفراندة ، وقال بصوت ناشف زي الحطب: “أنا بكرة الصبح رايح للصايغ، وهبيع دهب أمي، ورايح أخد هارد الكاميرات بنفسي من المحل.. مش هسيب الموضوع ده غير لما أفهمه بالملي يا حتتك.. لو أنتِ د، هجيبلك حقك من صفاء وأقطع لسانها.. ولو طلعتِ أنتِ اللي عملتي كده…”

سكت شريف وما كملش الجملة، بس قام ووقف قدامي، وبص في عيني بنظرة كفيلة !

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى