
فتحت الرسالة وأنا ماسكة الدريكسيون، وكانت كالتالي:
“أرجوكِ يا سارة.. لو لسه في قلبيكي ذرة رحمة اسمعيني.. أنا في خطر حقيقي ومحتاجك تقابليني عشان أصلح الغلط وأعترف بكل المستندات الرسمية قدام الجهات المختصة.. أنا مستنيكي النهاردة على القهوة القديمة اللي في شارع النيل الساعة تلاتة الفجر. متخافيش.. أنا عايز أرد الحقوق لأصحابها بالطريق القانوني السليم.”
قلبي دق بسرعة.. هو جاب رقمي منين؟ يمكن من سجل التليفونات القديم أو سأل حد من المعارف المشتركة، أو يمكن حس من صوتي إني أنا هي ومقدرش ينسى صوتي.
بصيت في ساعة التليفون.. الساعة كانت اتنين ونص بالليل. فاضل نص ساعة على الميعاد.
قعدت أفكر لحظات.. أروح ولا لا؟ أروح عشان أسمع اعترافه الرسمي وأتوجه بيه فوراً للجهات الرسمية والشرطة لتحرير محضر قانوني متكامل يضمن لي حقي بالطرق المشروعة، ولا أعتبره ماضي وانتهى؟ تذكرت الورشة، شقا أبويا، والظلم اللي وقع عليا. لو رحت بالأسلوب الصح، هيكون عندي فرصة ذهبية لرد اعتباري بالكامل، وتسليم كل المستندات للنيابة العامة لتأخذ العدالة مجراها الطبيعي.
دورت العربية، وخدت القرار السريع. اتجهت ناحية شارع النيل وأنا مجهزة نفسي لكل الاحتمالات القانونية.
اللقاء الحاسم في شارع النيل
وصلت قبل الميعاد بخمس دقايق. لقيت القهوة شبه فاضية، والأنوار ضعيفة وخافضة. عربية مروان كانت واقفة على جمب، وهو قاعد لوحده على ترابيزة في الركن البعيد، لابس كاجوال مبهدل وشعري مكعكع، وبيلف سيجارة بتوتر وعينيه بتلف في كل حتة بخوف كأنه هارب من العدالة.
وقفت التاكسي على بعد خطوات، وطفيت النور، وفتحت الباب ونزلت. كنت لابسة بنطال جينز واسع وجاكيت جلد أسود، وشعري القصير الأحمر متداري نصه تحت طاقية صوف سوداء، والنظارة الشمسية لسه على عيوني. مشيت بخطوات بطيئة ومتزنة لحد ما قربت من الترابيزة بتاعته.
مروان مرفعش عينه في الأول، وفضل باصص في الأرض، وقال بصوت واطي ومرجوف:
– كنت متأكد إنك هتيجي.. إنتِ أطيب قلب يا سارة، حتى بعد كل اللي عملته فيكي.
سحبت الكرسي اللي قدامه وقعدت بهدوء تام من غير ما أنطق بحرف. حطيت إيدي الاتنين على الترابيزة وبصيت له من خلال عدسات النظارة السوداء.
رفع عينه وبص لي، وشافني بالملامح دي لأول مرة بوضوح. صوت صدمة خفيف طلع من زوره وهو بيبتلع ريقه بصعوبة:
– سارة.. إنتِ بجد؟ شكلك.. شعرك.. طريقتك.. أنا مكنتش عرفتك إمبارح لولا نبرة صوتك.
ابتسمت ببرود تام، وبصيت له نظرة مليانة احتقار للغدر وهدوء تام، وقبل ما ينطق بكلمة تانية، قلت بصوت حاسم وواضح:
– بلاش تمثيل ونحيب يا بشمهندس مروان.. خلصني، وقُل لي إيه اللي جابك هنا، وإيه حكاية الورق والمصيبة اللي وقعت فيها مع مراتها الهانم؟
مروان اترعش شوية من طريقتي الناشفة، وبان عليه الرعب، وقرب بوشه وقال بصوت مكسور:
– ياسمين طلعت مسجلة في قضايا نصب مش سيدة أعمال شريفة.. دي طلبت مني أكتب كل أملاكي باسمها بحجة حماية الأملاك من الضرائب، وأنا من غبائي وافقت. والورشة بتاعتك.. الحكومة قفلتها لأن النيابة اكتشفت أن التوقيعات القديمة اللي المفروض إنتي مضيتي عليها كانت مزورة بمعرفة المحامي الفاسد اللي قبضوا عليه! يعني التحقيقات جارية والورق المزيف ده هيودينا كلنا في داهية لو متمش تصحيح الوضع قانونياً.
رفع حواجبى بتهكم، وبصيت له وأنا مستغربة جرأته حتى وهو في قمة انهياره:
– وجاي تقول لي الكلام ده عشان أعمل إيه؟ تفتكر هساعدك في تهرب أو تلاعب؟ انساها!
نزل على كوعه على الترابيزة ومسك راسه وقال بانهيار حقيقي:
– لا لا.. مش عايز تلاعب! أنا جاي أقولك إن الحل الوحيد هو إننا نروح بكرة الصبح سوا للنيابة العامة والشرطة، وأنا هقدم اعتراف رسمي مكتوب بكل التزوير اللي عمله المحامي، وهتنازل رسمياً قدام الشهر العقاري والقضاء عن الورشة وكل حقوقك كاملة، عشان القانون ينصفك ويثبت براءتك ويعرف إنني أنا اللي كنت مدبر الجريمة دي لوحدي بمعاونة المحامي! أنا مستعد أدفع التمن القانوني لجريمتي، بس أرجوكِ تعالي معايا للنيابة وقولي الحق عشان الحق يرجع لصاحبه بالطرق الشرعية والنظيفة.
سكتت لحظات أقيم كلامه بعقلانية.. كلامه معناه إن القانون هياخد مجراه الصحيح، وإن الورشة هترجع لي بحكم قضائي رسمي ونهائي، وإنه هيتحاسب قدام العدالة على جريمته بخصوص التزوير.
بصيت له بثقة تامة، وعدّلت قعدتي، وقاتله بنبرة هادئة وباردة:
– اللي بتقوله ده هو الصح اللي كان المفروض يحصل من سنين يا مروان. أنا عمري ما هشارك في أي تلاعب أو التفاف على القانون، لكن لو ناوي تروح بكرة الصبح بنفسك للنيابة العامة تقدم اعتراف رسمي وتوثق تنازل رسمي بالشهر العقاري عن ورث أبويا.. فأنا هكون هناك بصفتي المجني عليها وصاحبة الحق الأصلي عشان أقدم بلاغي الرسمي وأسلم المستندات للجهات المختصة. القانون هو اللي هيحكم بينا، وهو اللي هيرجع لي حقي، وهو اللي هيبين الصادق من الكداب.
بلع ريقه بصعوبة بالغة، وبص حواليه برعب، وقال بصوت مهزوز:
– موافق.. موافق يا سارة.. بكرة الصبح الساعة تسعة هكون واقف قدام النيابة ومعايا كل المستندات، وهسلم الورشة وأعترف بكل حاجة قدام وكيل النيابة عشان أرتاح من العذاب ده كله.
قمت من مكاني بهدوء، وعدلت جاكيت الجلد بتاعي، وبصيت له نظرة أخيرة كلها انتصار للقانون والعدالة، وركبت التاكسي بتاعي ودست بنزين وسيبته قاعد لوحده في الظلمة.. تايه ومرعوب ومستني بكرة كأنها لحظة الحساب العادل أمام منصة القضاء.
خاتمة العدالة الناجزة
في صباح اليوم التالي، تمام الساعة التاسعة صباحاً، كنت واقفة قدام مبنى النيابة العامة في الجيزة. الشمس كانت طالعة بس الجو كان مليان إحساس بالراحة النفسية واليقين بأن الحق لا يُضيع طالما وراءه مطالب.
وصل مروان وكان شكله منهك ومرعوب، وفي إيده ملف المستندات الكاملة. دخلنا معاً بمحض إرادته قدام الجهات المختصة والشرطة، وهناك، قدم مروان اعترافه الرسمي الكامل أمام وكيل النيابة بكل تفاصيل التزوير الذي قام به المحامي الفاسد، وقدمت أنا بلاغي الرسمي مدعوماً بالمستندات التي تثبت حقوقي الكاملة في الورشة وميراث أبي.
أصدرت النيابة العامة قرارها الحازم بضبط وإحضار المحامي المتورط في قضايا التزوير، وفتح تحقيق موسع مع ياسمين في اتهامات النصب الموجهة إليها، مع إصدار قرار رسمي بتمكيني قانونياً من الورشة وردها إلى ذمتي المالية كاملة بالشهر العقاري وبأحكام قضائية ناجزة لا غبار عليها.
طلعت من باب النيابة العامة وأنا رافعة رأسي للسما، والهوا النقي بيملى صدري. حسيت إن الظلم اللي عشت فيه سنين طويلة انزاح تماماً، مش عن طريق صفقات جانبية ولا التواءات، بل عن طريق القانون البحت والقضاء العادل الذي لا يضيع عنده حق مظلوم.
ركبت التاكسي بتاعي، وبدأت أتحرك في شوارع الجيزة، وأنا متأكدة تماماً أن عدالة السماء والأرض دايماً بتنصف الصابرين، وأن الإنسان لما بيتمسك بحقه بالطرق النظيفة والمشروعة، ربنا بيفتح له أبواب النصر من حيث لا يحتسب.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




