روايات وقصص

حكايات رشا 3

مرت سنة كاملة على تلك الليلة المرعبة التي كادت تنهي حياتي ومستقبلبي، سنة كاملة بحلوها ومرها. أصبحت فيها أمًّا حقيقية لحمزة، الطفل الصغير الذي صار يملأ حياتي ضحكًا وبهجة. ركبت له سريرًا صغيرًا بجوار سريري في شقتي الجديدة الهادئة بعيدًا عن سكن الجامعة، وكرست كل وقتاً ومجهودي لدراستي في تربية الطفل وتطبيق كل ما تعلمته نظريًّا وعمليًّا على تربية حمزة ليكون طفلًا سويًّا ومعافى.

الجامعة عادت لحياتها الطبيعية بعد محاكمة دكتور نبيل وباقي أفراد الشبكة، وصدرت أحكام قاسية ضدهم بالسجن المؤقت والمشدد. داليا تم رفدها نهائيًا من الجامعة وفقدت مستقبلها بسبب طمعها، أما دكتورة منى فكانت رأس الكبيرة التي أطاحت بها العدالة. أما عن الضابط رامي والشرطة، فكانوا يطمئنون علينا من فترة لأخرى لضمان سلامتنا.
لكن وسط هذا الهدوء الجميل، وفي ليلة شتوية ممطرة، كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل، وحمزة كان نائمًا بعمق في سريره الصغير بعد يوم متعب.
كنت قاعدة على مكتبي بذاكر محاضرات السنة الأخيرة، وفجأة…
اهتز موبايلي على الطاولة بصوت خفيف ومألوف جدًا: “تررررن”.
وقفز قلبي من مكاني.
الرقم المجهول!
نفس الرقم القديم الذي لم يظهر منذ ليلة القبض على دكتور نبيل عاد ليهتز من جديد.
مديت إيدي بتردد شديد، وفتحت الشاشة وعيني مفتوحة على آخرها من الصدمة.
الرسالة كانت قصيرة، لكن محتواها وقف الدم في عروقي:
“يا مريم… افتحي باب الشقة بهدوء وبلاش تصوتي.”
“فيه هدية صغيرة مستنياكِ بره على المتاع.”
جسمي كله اتجمد. مسكت الموبايل بإيد بترتجف، وقربت من باب الشقة بخطوات بطيئة جدًا، وكأن روحي بتتسحب مني. بصيت من العين السحرية في الباب المظلم، مكنش فيه حد ظاهر قدام الشقة مباشرة.
حطيت إيدي على الكلون، وفتحته بحذر شديد وبصوت منخفض: “تكة” الباب فتحت.
مديت راسي بره في الممر المظلم، وبصيت على الأرض قدام سجادة الباب.
لقيت صندوق كرتوني صغير مغلف بشريط لاصق أحمر، وعليه ورقة مكتوب عليها بخط اليد:
“ابن مين يا مريم؟… القصة لسه مخلصتش.”
وقبل ما أستوعب أي حاجة، سمعت صوت حركة خفيفة جداً بتجري على السلالم المؤدية للدور الأرضي، كأن حد كان مستنيني هناك ولسه هارب حالا!
نزلت عيني على الصندوق، وحمزة من جوه الأوضة طلع صوت عياط خفيف.
وقفت في نص الممر، مابين رعب الماضي اللي حسيت إنه انتهى، وبداية لغز جديد مرعب بينتظرني في الظل.
قلبي دق بعنف شديد، ونفسي بقيت سريع ومتقطع. مسكت الصندوق الكرتوني الصغير بسرعة وقفلت باب الشقة بالمفتاح والترباس وكأني بحصن نفسي ضد العالم كله. جريت على أوضة حمزة، طمنت إنه لسه نايم في سريره بأمان، وبعدين رجعت للصندوق وحطيته على طاولة المطبخ تحت النور المباشر.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفك اللزق الأحمر بحذر شديد. فتحت الغطاء، ولقيت جوه الصندوق حاجات غريبة ومخيفة:

فلاشة تخزين رقمية صغيرة (Flash Drive) باللون الأسود.

ميدالية مفاتيح قديمة عليها شعار غريب: “مختبرات الأفق البيولوجي”.

ورقة مطبوعة مكتوب تحتها بخط مائل: “فيه غيره كتير، ودورك لسه بيبدأ يا مريم”.
وقفت مصدومة. يعني إيه ده؟! يعني الشبكة اللي اتقبض عليها مع دكتور نبيل مكنتش غير فرع صغير جداً لشبكة دولية أكبر بكتير، والعملية لسه مستمرة وليهم أذرع في كل مكان؟ وليه أنا بالذات اللي مصميرهم مربوط بيها؟!
في اللحظة دي، موبايلي على الطاولة اهتز تاني، بس المرة دي برنين مكالمة صوتية مباشرة من نفس “الرقم المجهول”!
دمي جمد في عروقي. بصيت للشاشة، وكان الخيار قدامي إما أسيب التليفون يرن لحد ما يفصل، أو أرد وأواجه المجهول.
اخدت نفس عميق، وفتحت الخط وضغطت على زر السماعة وحطيت التليفون على أذني وقلت بصوت متهدج وغاضب:
“إنت مين؟! وعاوز مني إيه تاني؟! سيبوني في حالي أنا وابني، أنا مش هكون لعبة في حربكم!”
سكت الخط لثواني طويلة، مكنش فيه غير صوت تنفس خشن من الناحية التانية. وبعدين طلع صوت هادئ، عميق، وناعم كأنه شبح بيتكلم:
“أنا الشخص الوحيد اللي بيحاول ينقذك من الموت المحتم يا مريم.. والشيء اللي في الصندوق ده هو مفتاح الحقيقة الكاملة اللي هتنهي الكابوس ده للأبد.”
قلت بصوت مليان دموع وغضب:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى