
“لو كنت عايز تنقذني بجد، ابعدني عن اللعبة دي! أنا كفيلي حمزة وعايزة أعيش في سلام!”
رد الصوت ببرود مرعب:
“السلام مش هيجي طول ما (الرأس المدبرة) حرة طليقة.. الدكتورة منى ودكتور نبيل كانوا مجرد بيادق صغيرة. الإمبراطورية الحقيقية بتتحرك دلوقتي عشان تمسح أي أثر، وأول هدف في ليستتهم هو إنتِ وحمزة.”
قبل ما ألحق أنطق بكلمة واحدة، كمل الصوت بسرعة وجدية:
“وصلي الفلاشة دي للضابط رامي.. بس اوعي تروحي له القسم، ولا تكلميه من موبايلك العادي، لأن تليفونات مديرية الأمن كلها مخترقة من الفصيل التابع للشبكة جوه جهاز الشرطة نفسه!”
وقبل ما أرد، قفل الخط في وشي: “توت.. توت.. توت”.
نزلت التليفون من على أذني وأنا حاسة أن الأكسجين بينفد حواليا. جهاز الشرطة مخترق؟! يعني الضابط رامي نفسه ممكن يكون في خطر، أو المحيطين بيه مش آمنين؟!
فتحت درج المطبخ وطلعت الفلاشة الصغيرة وحطيتها في جيبي، ولبست جاكيت الصوف بتاعي بسرعة. بصيت على حمزة وهو نايم ببراءة في سريره، ودموعي نزلت على خدودي.
“سامحني يا حبيبي.. لازم أروح أنهي الكابوس ده عشان نقدر نعيش بجد.”
فتحت باب الشقة بحذر، ونزلت على السلالم في ظلام الليل، وخرجت للشارع المظلم والممطر، من غير ما أكون عارفة أنا رايحة فين، ولا مين الصديق ومين العدو في المعركة الجديدة دي.
الشارع كان خاليًا تمامًا، والمطر كان بينزل بغزارة وكأن السماء بتغسل خطايا مكان مليان أسرار ودم. مسكت الفلاشة في جيبي بقوة، وخطواتي كانت سريعة وحذرة بين زقاق المنطقة السكنية لحد ما وصلت لموقف عربيات الأجرة، وركبت عربية متجهة لوسط البلد.
طوال الطريق، كلام الصوت المجهول كان بيردد في ودني: “تليفونات مديرية الأمن كلها مخترقة.. وفيه خائن جوه الجهاز!”. لو رامي نفسه مش آمن، يبقى أنا ما قداميش غير شخص واحد بس ممكن أثق فيه، أو هكذا كنت أتمنى.
نزلت من العربية قدام مبنى بعيد عن المديرية، مبنى قديم لجريدة محلية مستقلة كان بيشتغل فيها صحفي قديم اسمه “محمود”، وهو الشخص الوحيد اللي ساعدني أيام التحقيق الأولى ونشر أول تسريب حقيقي عن شبكة الأبحاث قبل ما يتم التعتيم عليه.
طلعت السلالم بسرعة لحد ما وصلت للباب الخشبي المتهالك لمكتبه، وخبطت تلات خبطات سريعة ومنتظمة زي ما متفقين.
بعد ثواني، الباب اتفتح، وظهر محمود بملامحه المتعبة وعيناه اللي سهرانة طول الليل. بص لي بصدمة وقال بصوت واطي:
“مريم؟! إنتِ مجنونة إزاي تتحركي في الوقت ده لوحدك؟! انتِ مراقبة!”
دخلت وقفلنا الباب بسرعة، وطلعت الفلاشة من جيبي وحطيتها على مكتبه وقلت وأنا بأنفاس متهدجة:
“الموضوع أكبر بكتير مما تخيلنا يا محمود.. الشبكة لسه منتهتش، ودي الفلاشة اللي فيها أدلة جديدة وأسماء أشخاص تانيين محبوسين في مختبرات سرية.. والصوت المجهول قال لي إن أمن المديرية مخترق وما ينفعش أثق في رامي!”
محمود بص للفلاشة بتردد، وبعدين بص لي وقال بجدية:
“طيب، تعالي نقعد ونشوف إيه اللي جواها على جهاز الكمبيوتر.”
قعدت قدام الشاشة، وحط محمود الفلاشة في مدخل الـ USB. ظهرت فورًا ملفات نصية وفيديوهات مسجلة، فتحنا أول فيديو.. وكانت الصدمة القاتلة!
الفيديو كان بيعرض وفجأة ظهر في الكادر شخص بيعطي أوامر للطاقم الطبي..
وقف قلبي تمامًا عن النبض.
الشخص اللي كان في الفيديو بيصدر الأوامر لم يكن سوى.. “محمود” نفسه، الصحفي اللي واقف جنبي!
التفتت برعب ناحيته، ولقيته بيطلع من درج المكتب ويوجهه نحوي بابتسامة باردة ومظلمة، وقال:
“للأسف يا مريم، كنتِ ذكية جداً.. بس ذكائك هو اللي هيقضي عليكِ وعلى حمزة.”
رجعت بظهرِي لورا ودموعي نزلت، وقلت بصوت مرتعش:
“إنتَ.. إنتَ اللي كنت بتبعتلي الرسائل وتحذرني؟! إنتَ اللي كنت بتلعب بيّ؟!”
ضحك محمود بصوت هادئ ومقرف وقال:
“طبعاً.. أنا كنت بوجّهك خطوة بخطوة عشان تجمعي لي كل المستندات والبيانات.. كنتِ كارت محروق ممتاز خلاني أتخلص من المنافسين ليا في الشبكة زي دكتورة منى ودكتور نبيل، وأبقى أنا المسيطر الوحيد على الأرشيف!”
“دلوقتي، دورك خلص تماماً يا مريم.”
قفلتي عيني واستسلمت للموت، وحسيت أن نهايتي جت بجد، وأن مفيش أي مفر..
لكن في نفس اللحظة دي بالضبط!
انفجر باب المكتب الخشبي بعنف شديد وتناثرت أجزاؤه في كل حتة!
ودخلت فرقة كاملة من العمليات الخاصة بقيادة الملازم أول رامي، وفي أقل من ثانية، كان محمود مطروحًا على الأرض، طار من إيده، وكلبشات الحديد في إيديه قبل ما يلحق يرفش حتي جفنه!
رامي وقف قدامي، ومد إيده يطمني وقال بصوت حازم:
“كنتِ فاكرة إننا مش عارفين إن فيه خائن جوه الجهاز يا مريم؟! مراقبتنا لمحمود بدأت من اللحظة اللي تسربت فيها أول معلومة عنكِ، ورسائله اللي كانت بتجيلك قدرنا نحدد مصدرها من جهاز الكمبيوتر بتاعه هنا، بس كنا مستنيين الخطوة الأخيرة عشان نقبض عليه متلبس بالجريمة ومعاه الفلاشة!”
تنفس الصعداء، وحسيت إن الجبل اللي كان على صدري انزاح أخيرًا للأبد.
بعد أسبوع، تمت محاكمة محمود وباقي أفراد الشبكة علنيًا، وصدرت ضدهم أحكام مؤبدة أنهت الكابوس تمامًا.
رجعت لبيتي وحضنت حمزة بكل قوتي، وفتحت شباك أوضتي عشان أشعّة الشمس الدافئة تدخل وتطرد ظلمة الماضي. أخيرًا، انتهى الكابوس، وبدأت حكاية جديدة.. حكاية الأمان الحقيقي.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




