
وصلنا أنا والطفل إلى المستشفى الجامعي وسط حراسة أمنية، وكان الهواء خارج سيارة الإسعاف محملًا ببرودة الفجر وبريق أضواء الشوارع المنعكسة على الإسفلت المبلل. الفحوصات الطبية الأولية أثبتت بدقة ما كنت أعرفه، وهو أنني لم أكن حاملاً في الأساس، وأن الطفل الرضيع وُلد قبل ساعات قليلة فقط خارج المستشفى، وأن حالته الصحية تتطلب رعاية دقيقة في حاضنة الأطفال المبتسرين.
في تلك الأثناء، كانت التحقيقات تجري على قدم وساق في سكن الجامعة؛ حيث ألقت قوات الشرطة القبض على دكتورة الجامعة “منى” وزميلتي “داليا” واثنين من أفراد الأمن التابعين للمركز الطبي. وخلال التحقيقات في قسم الشرطة، اعترفت داليا بما حدث: أن المركز الطبي كان يدفع لها مبالغ مالية مقابل الإدلاء بمعلومات ومراقبة تحركاتي، بهدف إيقاعي في مشكلة غير متوقعة لضمان صمتي التام مستقبلاً، نظراً لأن دراستي في تخصص تربية الطفل ستجعل موقفي القانوني صعباً أمام الرأي العام.
مرت ثلاثة أيام كاملة وأنا أتنقل بين غرف التحقيق والمستشفى، وكان الضابط المسؤول عن القضية، الملازم أول رامي، يتابع معي تفاصيل التحقيقات أولاً بأول. في اليوم الرابع، كنت جالسة في غرفة الاستراحة الخاصة بالمستشفى، أتأمل عبر الزجاج طفلي الصغير -الذي أطلقت عليه اسم “حمزة” في أوراق المستشفى المؤقتة- وهو ينام بهدوء داخل الحاضنة الطبية، حين انفتح باب الغرفة بهدوء ودخل الضابط رامي ومعه ملف ورقي.
جلس رامي على الكرسي المقابل لي وقال بصوت هادئ:
“يا مريم، التحقيقات وصلت لنقطة هامة. اعترفت الدكتورة منى أن المركز الطبي ده مش مجرد عيادة عادية، دي واجهة لشبكة مخالفة للقانون، وأنهم اختاروكِ بالذات لأن أهلك مسافرين ومش موجودين جنبك. لكن فيه لغز كبير لسه واقف قدامنا في القضية.”
رفعت عيني إليه وقلت بفضول:
“لغز إيه يا فندم؟”
رد رامي وهو بيفتح الملف وطلع منه ورقة مطبوعة عليها لقطات شاشة:
“الرقم المجهول اللي كان بيبعتلك الرسائل لحظة بلحظة ويحذرك من كل خطوة.. حاولنا نتتبع مصدر الرسائل دي بكل الطرق المتاحة، وطلع إن الرقم مسجل باسم شخص غير متواجد، والسيرفر اللي اتبعتت منه الرسائل مجهول تماماً، كأن الشخص ده محترف جداً لدرجة مسح كل أثره الرقمي بالكامل.”
جسمي قشعر، وتذكرت آخر رسالة جاتلي ليلة الحادثة: “كده خلص دوري يا مريم.. بالتوفيق في حياتك الجديدة”.
سألته بصوت مرتبك:
“يعني ايه يا فندم؟ هل الشخص ده ممكن يكون خطر عليّا ولا كان بيساعدني؟”
ابتسم رامي بتهدئة وقال:
“لحد دلوقتي، كل أدلة الإنذار اللي أنقذت حياتك كانت بفضل الرسائل دي. لولاها، كنتِ دلوقتي في موقف صعب جداً. الشخص ده أنقذ حياتك ومستقبلك، بس السؤال الأهم: هو ليه اختار يتدخل معاكِ بالذات؟ هل يعرفك شخصياً؟”
هزيت رأسي بنفي تام وأنا ببص لبره من الشاشة:
“أنا ما أعرفش أي حد بالوصف ده.. حياتي في الجامعة كانت عادية جداً، بين المحاضرات والمذاكرة، عمري ما دخلت في مشاكل مع حد لحد الليلة دي.”
تنهد رامي وقفل الملف وقال:
“عموماً، الجهات المختصة قررت تسليم الطفل لدار رعاية أطفال تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية لحين انتهاء التحقيقات، وأنتِ تقدري ترجعي لبيتك أو تسافري لأهلك لحد ما نطلبك لجلسة المحاكمة اللي هتبدأ الشهر الجاري.”
لما سمعت جملة “تسليم الطفل لدار الرعاية”، حسيت بغصة شديدة في قلبي. رغم أن حمزة مش ابني بالدم، ورغم كل الرعب والفضيحة اللي دخلت حياتيسببه، إلا أنني حسيت برابط غريب بيجمعني به؛ طفل بريء اتحط في صراع أكبر من سنين عمره، وبقى الضحية الأولى لجشع ناس بلا ضمير.
قلت للضابط بصوت ثابت:
“أنا مش هسيبه يا فندم.. أنا هقعد هنا في المستشفى لحد ما أطمئن إنه خرج وبقى في مكان آمن، وممكن أتابع مع الشؤون الاجتماعية إجراءات كفالته.”
نظر لي رامي بإعجاب وقال:
“أنتِ بنت شجاعة يا مريم، وقليل جداً اللي كان هيتصرف بذكائك وثباتك في موقف زي ده.”
خرج الضابط من الغرفة، وبقيت لوحدي قدام زجاج الحاضنة. قربت ببطء، وحطيت إيدي على الزجاج، وبصيت للصغير وهو بيتنفس بهدوء. في اللحظة دي، حسيت بموبايلي في جيب البالطو بيهتز اهتزازة خفيفة!
قلبي وقف في صدري.
طلعت الموبايل بسرعة وأنا بفتح الشاشة وعيني مش مصدقة اللي بتشوفه.
الرسالة ظهرت على الشاشة المنورة بخط واضح:
“قرارك بكفالة حمزة هو أقوى خطوة هتعمليها في حياتك يا مريم.”
“بس انتبهي كويس.. الشبكة اللي قبضنا عليها دي مجرد فرع صغير لشجرة ضخمة، والراس الكبيرة لسه هاربة ومش هتسكت بسهولة.”
“فيه شحنة أوراق ومستندات سرية خاصة بالموضوع ده موجودة في مكان قديم ما حدش هيتوقعه.. لو قدرتي توصلي للمكان ده قبلهم، هتحمي نفسك وحمزة للأبد.”
وتحت الرسالة مباشرة، ظهر إحداثي لجغرافية مكان، وجملة واحدة أخيرة:
“دوري كويس في بدروم مبنى الكلية القديم.. المفتاح هناك.”
رفعت عيني بسرعة وبصيت لممر المستشفى الطويل الخالي، ولمحت شخص لابس زي عمال النظافة ماشي في آخر الممر ودار وجهه بسرعة عن الكاميرات قبل ما يختفي وراء الزاوية.
مسكت الموبايل بقوة في إيدي، وبصيت لحمزة جوه الحاضنة، وعرفت في لحظتها أن الحكاية لسه منتهتش.. دي مجرد البداية لمعركة أكبر.
وقفت قدام باب مبنى الكلية القديم.. المبنى ده كان أقدم جزء في حرم الجامعة، مقفول بقفل حديدي كبير وعليه يافطة باهتة مكتوب عليها “منطقة تحت التطوير – ممنوع الدخول”. الساعة كانت تخطت التسعة بالليل، والممر اللي بيودي للباب كان مظلم وريحة الرطوبة مالية المكان.




