روايات وقصص

حكايات رشا 2

طلعت الموبايل وبصيت على الإحداثيات والرسالة الأخيرة: “دوري كويس في بدروم مبنى الكلية القديم.. المفتاح هناك.”

قلبي كان بيدق بعنف، والخوف كان بيمشي في عروقي، بس صوت حمزة وهو بيعيط في خيالي وصوت التحذيرات المستمرة خلاني أتخطى الرعب ده. مسكت القفل الحديدي القديم وحركته بيدي.. وكان القفل مش مغلق بإحكام، وكأن حد فتحه عمداً وسابه متروك كده عشان يسهل ليا الدخول.

فتحت الباب ببطء، وطلع منه صوت صرير مزعج كسر سكون الليل.
دخلت وبدأت أنور كشاف الموبايل. المكان كان عبارة عن ممر طويل ضيق، الحوائط مقشرة، والتراب متطاير في الهوا. نزلت السلالم الحجرية المؤدية للبدروم بخطوات بطيئة وحذرة، وكل خطوة كانت بتعمل صدى في المكان الخالي.

ريحة المكان كانت غريبة؛ ريحة ورق قديم مبلل.
وصلت لآخر السلالم ولقيت قدامي باب خشبي قديم مقفول بسلسلة حديدية، لكن من غير قفل. زقيت الباب بكتفي، ودخلت الغرفة الكبيرة اللي كانت بتستخدمن زمان كمخزن للأدوات واللوحات الفنية.

سلطت نور الكشاف في كل زاوية، وفجأة لمعت عينيا على ترابيزة خشبية قديمة في وسط الغرفة، وعليها صندوق معدني أسود، وجنبه مفتاح قديم.

قربت من الترابيزة بخطوات مترددة، ومديت إيدي مسكت المفتاح. في اللحظة دي، حسيت بصوت حركة خفيفة ورايا!
التفتت بسرعة بفزع، ووجهت نور الكشاف ناحية زاوية الغرفة المظلمة.

شخص واقف هناك.. لابس جاكيت أسود طويل، وغطاء راس خافي ملامح وجهه تماماً في الظل.
صوت رجل خشن طلع من الظلام وقال ببرود:
“كنت متوقع إن ذكائك هيخليكِ توصلي هنا يا مريم.. بس للأسف، جيتي في الوقت اللي هتنتهي فيه اللعبة للأبد.”

جمدت مكاني، وركبي كانت بتهتز. سألت بصوت مرتعش:
“إنت مين؟! وإنت اللي كنت بتبعت الرسائل؟!”

الشخص قرب خطوة للنور الخافت، ورفع غطاء الرأس ببطء.
كانت صدمة عمري.. مشفتش وش غريب، ولا حد من العصابة.
ده كان… دكتور نبيل، عميد الكلية السابق اللي تقاعد من سنتين، واللي كان معروف عنه الأمانة والنزاهة في الجامعة!

فتحت عيني على الآخر وقلت بصوت مذهول:
“دكتور نبيل؟! إزاي؟! حضرتك كنت رمز للنزاهة هنا!”

ابتسم دكتور نبيل ابتسامة باردة ومخيفة، وقال:
“العلم الحقيقي مش بيعتمد على القواعد التقليدية يا بنتي.. الأبحاث اللي كنا بنعملها في المركز الطبي ده كانت هتنقل الأمور لمستوى تاني خالص، بس انكسرت كل خططنا لما أنتم دخلتم في السكة.. ودلوقتي، الصندوق اللي في إيدك ده فيه أسماء كل القيادات الكبيرة المتورطة في الشبكة دي، ومستحيل أسيبك تطلعي بيه بره الباب ده حيّة.”

رفع إيده، وكان ماسك أداة حادة موجهها ناحيتي مباشرة!
قلبي وقف، وحسيت أن نهايتي جت خلاص. مافيش شبكة موبايل هنا، ومافيش حد هيعرف أنا فين.

بس قبل ما يتحرك، وققبل ما أنطق بحرف واحد..
انفتح باب البدروم الخلفي بعنف شديد، وطلعت أضواء كاشفة قوية جداً عمت عين دكتور نبيل.
وصوت ضابط المباحث رامي صرخ في المكان:
“رامي من المباحث! ارمي ما في إيدك يا دكتور نبيل، أنت محاط من كل الاتجاهات ومبنى الكلية بالكامل تحت السيطرة!”

دكتور نبيل اتفاجأ وفقد توازنه لثواني، وخلال اللحظة دي، هجمت عليه قوات الأمن من كل زاوية وطرحوه أرضاً وسيطروا عليه تماماً.

الضابط رامي قرب مني وهو بيتنفس بسرعة، وبصلي بقلق وقال:
“أنتِ كويسة يا مريم؟!”

هزيت رأسي وأنا بترعش، ومديت إيدي بالصندوق المعدني للضابط وقلت بصوت متهدج:
“الحمد لله.. اتفضل يا فندم، ده الصندوق اللي فيه كل أسماء العصابة.”

رامي خد الصندوق باهتمام كبير، وبص لدكتور نبيل وهو بيتشال وقال لرجال الأمن:
“خلوه على عربية الأمن فورًا.”

وبعدين بص لي بابتسامة فخر وقال:
“أما عن مين كان بيبعتلك الرسائل ويحذرك طول الوقت.. فحب أقولك إن الشخص ده مكنش شبح، ده كان ضابط متخفي زرناه جوه المركز لتتبعهم من فترة، وكان عارف كل خطوة ليهم، ولما حس إن حياتك في خطر، قرر يحميكِ بكل الطرق.”

شعرت براحة عميقة نزلت على قلبي زي المية الباردة.
بعد يومين، تم إعلان تفاصيل القضية في كل الصحف، واتصفت بـ “أكبر شبكة مخالفة للقانون في التاريخ الحديث”، وتم تبرئتي تماماً من أي تهمة، بل وتم تكريمي رسمياً من رئاسة الجامعة على شجاعتي وثباتي.

وفي نفس الأسبوع، وبإجراءات قانونية سريعة وبدعم من الشؤون الاجتماعية، استلمت رسميًا قرار كفالة الصغير “حمزة”، ورجعت بيه لبيتي وأنا حاضناه جوه صدري بكل حب وحنان، وعارفة إن بداية حياتنا الجديدة بدأت فعلاً، وإن الماضي بكل رعبة انتهى للأبد.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى