
مرت الأيام والشهور، وأنا أغرق أكثر فأكثر في القاع. البنسيون المتهالك في وسط البلد أصبح ملجأي الوحيد، وجدرانه المقشرة شاهدة على ليالٍ طويلة لم أعرف فيها طعم . تحولت رثة لا تمت بصلة لماضيه.
في إحدى الليالي الباردة، وأنا أعمل في مخزن للبضائع بمنطقة السبتية بأجر يومي لا يكاد يكفي إيجار الغرفة ووجبة طعام واحدة، سمعت العمال يتحدثون عن مشروع هندسي كبير يقام في إحدى المدن الجديدة، وأن الشركة المنفذة تبحث عن مهندسين ميدانيين للموقع بمرتبات مجزية، وبدون تعقيدات إدارية كبيرة في البداية.
تضارب العشام في صدري؛ هل يمكن أن تكون هذه الفتحة التي أنقذ بها ما تبقى من حياتي؟ هل أستطيع أن أعود لمهنتي التي درستها وسهرت الليالي لأجلها؟
قررت المخاطرة. طباعت سيرتي الذاتية القديمة، وعدلت فيها بعض التفاصيل لأخفي فترة انقطاعي والقضايا المرفوعة ضدّي، وذهبت إلى مقر الشركة. ولحسن حظي – أو هكذا ظننت – كان مدير المشروع بحاجة ماسة لمهندس موقع يمتلك خبرة عمل ميدانية فورية، وأبدى إعجابه بكفاءتي العالية في المقابلة الشفهية، خصوصاً عندما ناقشته في التفاصيل الهندسية المعقدة التي طالما أتقنتها.
تم قبولي مبدئياً، وتسلمت العمل في الموقع. ولأول مرة منذ سنوات، شعرت بكرامتي تعود إليّ رويداً رويداً. ارتديت الخوذة البيضاء، ومسكت الخرائط بيدي، ووقفت في الشدة الخرسانية أُوجه العمال والمهندسين الجدد. كنت أعمل ليل نهار بكل ما أوتيت من قوة، أصل الليل بالنهار لأثبت جدارتي، وعسى أن أجمع مبلغاً يقيني شر الحاجة ويساعدني على توكيل محامٍ جديد يفاوض منار على تسوية مالية ترفع عني كابوس السجن.
استمر الحال لثلاثة أشهر، وكانت الأمور تسير على أفضل ما يرام. استطعت استئجار صغيرة مفروشة في أطراف القاهرة، وبدأت أستعيد جزءاً من ثقتي بنفسي، بل ومنّتني نفسي بأن الحياة بدأت تفتح لي باباً جديداً للتوبة والعيش في سلام، بعيداً عن أشباح الماضي.
لكن القدر كان يضمّر لي مفاجأة أشد قسوة من كل ما مضى.
في أحد الأيام، أعلنت إدارة الشركة عن زيارة مرتقبة لوفت رفيع المستوى من المكتب الاستشاري الهندسي الكبير الذي يشرف على المشروع بأكمله، والمكلف بصب الميزانيات والاعتمادات المالية المليونية. طلب منا مدير الموقع تجهيز التقارير الفنية والوقوف في استقبال الوفد.
وقفتُ في الصف الأول بين المهندسين، أرتدي زِيّي الهندسي المرتب، وأبتسم بثقة.
توقفت السيارات الفارهة أمام مبنى الإدارة المؤقت في الموقع. نزل المستشارون والمهندسون الكبار، وفي منتصفهم.. كانت المفاجأة التي جعلت الأرض تدور بي وتظلم الدنيا في عيني.
كانت تجلس في السيارة الأخيرة وتترجل منها امرأة بثبات ووقار، ترتدي بذلة رسمية أنيقة وتضع خوذة الاستشاري على رأسها.
كانت “منار”.
لم تعد مجرد طبيبة كما ظننت، بل علمت لاحقاً أنها بعد تخرجها واستلامها لأملاك العائلة، درست إدارة الأعمال والهندسة الإدارية، وشكلت مع مكتب استشاري دولي تحالفاً استثمارياً كبيراً يدير المشاريع الضخمة التي تساهم فيها أموال عائلة “العرابي”!
مشت بخطوات ملكية وسط حراستها ومرافقيها، ومدير الشركة ينافقها ويشرح لها تفاصيل العمل بكل خضوع. مرت على صف المهندسين لتسلم عليهم واحداً تلو الآخر.
عندما وصلت إليّ، توقفت.
نظرت إليّ من خلف نظارتها الشمسية. لم تصرخ، ولم تظهر أي انفعال. رفعت نظارتها ببطء، وتأملت وجهي، ثم الخوذة البيضاء التي أرتديها، والخرائط التي بأيدي.
أما أنا، فكنت ، والخرائط تسقط من يدي على التراب أمام جميع الحاضرين.
قال مدير الموقع بابتسامة: “ده المهندس الأكفأ عندنا يا فندم، هو اللي مسك الموقع الفترة اللي فاتت وحقق إنجاز ممتاز.”
ابتسمت منار ابتسامة ساحرة، لكنها تحمل في طياتها سمّاً أسرع من البرق. وقالت بصوت هادئ أسمع الكافة:
“المهندس كفء جداً يا بشمهندس.. بس للأسف، الشركة الاستشارية بتاعتنا عندها شرط أساسي في أي متعاقد أو مهندس يشتغل في مشاريعنا: ‘الأمانة وحسن السير والسلوك’.”
التفتت نحو مدير الشركة وأخرجت من حقيبتها ملفاً صغيراً كانت تحتفظ به، وقدمته له ببرود:
شهق جميع المهندسين والعمال في الموقع. مدير الشركة تلون وجهه بألوان الغضب ، ونظر إليّ وكأنني أفعى سامة تسللت إلى شركته.
قال المدير بصوت مرتفع أمام الجميع: “أنت خبيت علينا الحقيقة دي؟ أنت راجل مزور وهارب؟!”
أمر المدير الأمن فوراً: “قلعوه الخوذة دي، واطردوه بره الموقع فوراً! وبلغوا الشرطة تستلمه على الباب!”
في دقائق معدودة، جُردت من خوذتي وشهادتي وكرامتي أمام عشرات العمال والمهندسين الذين كانوا قبل لحظات ينظرون إليّ باحترام. أُخرجت أجرّ خطاي تحت حراسة أمن الموقع، وبينما كنت أصل إلى البوابة الحديدية الخارجية، رأيت منار تقف عند نافذة المبنى الزجاجي في الدور الثاني.
كانت تنظر إليّ من الأعلى، تطالع سقوطي الجديد ببرود تاد، ولسان حالها يقول: “أينما ذهبت، وكيفما حاولت النجاح، سأكون هناك لأذكرك بليلة الدخلة.”




