
إن عاصم من اللحظة دي…
ما بقاش عايز يسيبني.
وده كان أغرب شيء ممكن يحصل.
الراجل اللي من عشر دقايق بس كان بيتكلم عني كأني حمل تقيل اتحط فوق كتفه، فجأة بقى واقف قدامي وعينيه متعلقة بيا كأنه اكتشف إني حاجة تخصه وممنوع حد يقرب منها.
لكن أنا؟
أنا كنت خلصت.
لفيت ناحية عمي وقلت بهدوء:
— أنا هطلع أغير هدومي يا عمي… عندي شيفت بدري بكرة.
لكن صوت عاصم وقفني.
— استني.
ما لفيتش.
قال بصوت أعلى:
— بقولك استني يا حورية.
وقفت.
بعدين لفيتله ببطء.
— نعم؟
قرب خطوتين.
— إحنا لسه مخلصناش كلامنا.
— أنا خلصت.
— لأ، مخلصناش.
ضحكت بهدوء.
— غريبة.
قطب حاجبيه.
— إيه اللي غريب؟
— من شوية كنت مستعجل جدًا تنهي الموضوع… دلوقتي فجأة بقى عندك كلام؟
أمه تدخلت بسرعة:
— حورية! إنتِ بتكلمي عاصم بالطريقة دي ليه؟
بصيتلها.
— أنهي طريقة يا مرات عمي؟
اتصدمت من اللقب.
طول عمري تقريبًا كنت بقول لها “يا أمي”.
حتى وهي عمرها ما عاملتني كبنت.
قالت:
— مرات عمك؟!
— أمال أقولك إيه؟
سكتت.
عاصم قرب أكتر.
— سيبي أمي دلوقتي. أنا بسألك إنتِ… إيه حكايتك مع مروان الدسوقي؟
رفعت حاجبي.
— حكاية؟
— أيوه.
— وإنت مالك؟
الجملة نزلت عليه زي القلم.
— نعم؟!
— بقولك إنت مالك؟
— أنا جوزك!
ضحكت.
مش سخرية.
ضحكة وجع.
— افتكرت؟
وشه شد.
قلت:
— من خمس دقايق كنت بتقول لأبوك إنك مستحيل تكمل مع واحدة جاهلة جاية من ورا الجاموسة… دلوقتي بقيت جوزي؟
قال بسرعة:
— أنا كنت فاهم غلط.
— لأ.
— يعني إيه لأ؟
— يعني إنت كنت فاهم صح جدًا… إنت كنت شايف حورية اللي قدامك، بنت عمك اللي عاشت في البيت ده، واللي كنت فاكر إنها بتربي فراخ وبتحلب جاموس… وقررت إنها أقل منك.
سكت.
قربت منه خطوة.
— الفرق الوحيد إنك اكتشفت إن ورا الجلابية شهادة.
نزلت عينه للحظة.
لكني كملت:
— لو ماكانش فيه شهادة يا عاصم… كنت هتفضل شايفني أقل منك.
قال بعصبية:
— إنتِ بتحاكميني على جملة قلتها وأنا متعصب؟
— لأ.
— أمال؟
— بحكم عليك من نظرتك.
سكت.
لأن النظرة دي أنا شفتها.
من أول ما رجع البلد.
كل مرة كان يعدي من قدامي.
كل مرة يشوفني واقفة جنب عمي.
كل مرة يشوفني بساعد ست كبيرة من أهل البلد.
كان بيبصلي كأن المسافة بيننا بقت أكبر من إنها تتردم.
قال بصوت أهدى:
— طب ومروان؟
— ماله؟
— عرفتيه إزاي؟
— مش من حقك تسأل.
ضرب كفه في ضهر الكرسي بعصبية.
— حورية!
عمي قام.
— وطي صوتك.
عاصم لف لأبوه.
— بابا، دي مراتي!
عمي رد بمنتهى الهدوء:
— واللي يقول على مراته الكلام اللي إنت قلته من شوية، يبقى يستحمل لما تقول له مش من حقك.
أمه صرخت:
— يعني إيه؟! إنت واقف في صفها ضد ابنك؟
عمي بص لها.
— أنا واقف في صف الحق.
— دي ضحكت علينا سنين!
اتجمدت.
— أنا؟
قربت مني.
— أيوه إنتِ! عاملة فيها الغلبانة، وفي الآخر طلعتي بتدرسي وتشتغلي وإحنا آخر من يعلم!
قلت:
— وإنتِ لو عرفتي كنتِ سيبتيني؟
فتحت بوقها.
لكن مفيش إجابة طلعت.
قلت:
— فاكرة يوم نتيجة الثانوية؟
وشها اتغير.
— إيه؟
— لما جبت مجموع يدخلني طب؟
عاصم لف لأمه.
وأنا كملت:
— فاكرة قولتيلي إيه؟
سكتت.
— أنا فاكرة.
صوتي اتهز لأول مرة.
— قولتيلي: “إحنا مش هنصرف على بنت آخرها تتجوز وتقعد في بيت جوزها.”
عاصم بص لأمه بصدمة.
— ماما قالتلك كده؟
ضحكت بمرارة.
— دي كانت من الجمل الخفيفة.
عمي قال:
— كفاية يا حورية.
بصيتله.
كان خايف عليا.
مش منها.
من الذكريات.
هزيت راسي.
— عندك حق.
اتحركت ناحية السلم.
لكن عاصم قال:
— أنا عايز أكلمه.
وقفت.
— مين؟
— مروان.
لفيتله بالكامل.
— ليه؟
— عايز أعرف نيته.
ضحكت.
— نيته؟
— أيوه.
— وإنت ولي أمري؟
— أنا…
اتلخبط.
قلت:
— عمي موجود.
أشرت لعمي.
— والراجل جه وكلمه من شهرين، واحترمني واحترم وجود عقد بيني وبينك أكتر منك.
الكلمة دي وجعته.
بانت.
قال:
— يعني كنتِ بتقابليه وإنتِ على ذمتي؟
الصالة كلها اتجمدت.
حتى عمي نفسه بصله بغضب.
أما أنا…
ففضلت ثواني كاملة ساكتة.
وبعدين مشيت ناحيته.
وقفت قدامه.
— عيدها.
عاصم فهم إنه غلط.
— حورية أنا…
— قول اللي إنت قلته تاني.
— مقصدتش.
— لكن قلته.
عمي صاح:
— عاصم! اعتذر لبنت عمك حالًا.
عاصم بصلي.
كان الغضب والغيرة بياكلوه.
لكن في النهاية قال:
— أنا آسف.
هزيت راسي.
— مش مقبول.
وطلعت.
قفلت باب أوضتي.
وأول ما بقيت لوحدي…
وقعت دموعي.
مش علشان عاصم.
يمكن علشان البنت الصغيرة اللي جوايا كانت مستنياه سنين.
كنت بحوش حاجات لجهازي من وأنا عندي ستاشر سنة.
مرة ملاية.
مرة طقم كوبايات.
مرة مفرش صغير.
كنت بتخيل بيتي معاه.
حتى وأنا في كلية الطب…
لما زميلاتي كانوا بيتكلموا عن الارتباط، كنت أقول:
“أنا مكتوب كتابي.”
كنت مخلصة لوعد هو نفسه تقريبًا نسيه.
وبعدين…
ظهر مروان.
مسحت دموعي بسرعة لما موبايلي نور.



