روايات وقصص

حكايات امانى السيد 2

خرجتُ من  وأنا أسمعُ صراخَ جيهان ووعيدَها خلفي. كانت تهذي بأنها ستستعينُ بأقاربها، وأنها لن تتركَ  إلا على جثتها، لكنني لم ألتفت. خروجي في تلك الليلة كان خطوتي الأولى نحو التكفير عن ذنبٍ ظننتُ أن الأرضَ لن تسعني بسببه.

توجهتُ مباشرةً إلى المحامي. قضينا الليلَ بطوله نعدُّ صحيفةَ الدعوى، ونراجعُ التسجيلاتِ والأوراق. كان المحامي ينظرُ إليّ باستغرابٍ ويقول:

* «أنت تدركُ يا محمود أن اعترافك الصريح بالتدليس والاعتصار النفسي لزوجتك الأولى قد يقودك إلى حبلِ المساءلةِ ؟ قد تصدرُ ضدك أحكامٌ    وإعطاء بيانات كاذبة!».

رددتُ عليه ونظري مثبتٌ على عقدِ  القديم:

* « القاضي أرحمُ بألفِ مرة من  الضمير الذي أعيشُ فيه منذ ليلةِ العيد. افعل ما يلزم، ولا تأخذك بي أي رحمة في صحيفة الدعوى».

في الصباحِ الباكر، تم إعلانُ جيهان بالدعوى القضائية، وكان هذا بمثابةِ إعلانِ . لم تنتظر جيهان كثيراً؛ بل استغلتْ ملكيتها الرسمية للشقة في الشهر العقاري، وقامت بتغيير كالون الباب، واستأجرت حراسةً خاصة لمنعي حتى من دخول البيت للحصول على ملابسي أو أوراقي الشخصية. بل وأكثر من ذلك، ذهبت إلى قسم الشرطة وحررت ضد بلاغاً بعدم التعرض وتعدٍّ على ملكيتها الخاصة.

وجدّتُ نفسي فجأة بلا بيت، وبلا مأوى، أسيرُ في الشوارع التي طالما مشيتها وأنا في قمة عزّي وجاهي. لكن هذا الهوان لم يزدني إلا إصراراً. أردتُ أن أذوقَ ذات الكأس التي أسقيتها لفاطمة وأولادي، علّ الحرارة التي تحرق صدري تطفئ جزءاً من نار خطيئتي.

أقمتُ في فندقٍ صغيرٍ ورخيص على أطرافِ المدينة. وفي أول جلسةٍ من جلسات المحكمة، كانت القاعةُ ممتلئة. حضرت جيهان بكامل زجتها وبهرجها، ومجلسُ دفاعها يثقُ في الأوراق الرسمية المسجلة. وفي الناحية الأخرى، كانت فاطمة تجلسُ في أواخر المقاعد، تلبسُ ثوباً أسود بسيطاً، علاماتُ التعب والشقاء باديةٌ على وجهها، وحولها أبناؤنا يمسكون بطرف فستانها بخوف.

عندما نادى القاضي على القضية، وقف محامي جيهان ليرافع بصلف، مبرزاً عقد التنازل الموثق من فاطمة لي، وعقد الهبة والمؤخر الموثق مني لجيهان. كان موقفه القوانيني ظاهرياً لا يخرقه الباطل.

ثم جاء دورنا. وقف محاميّ، ثم طلب من القاضي أن يسمع شهادتي أنا.. المدعى عليه والمدعي في الوقت ذاته!

صعدتُ إلى المنصة. استدارت فاطمة بنظرها بعيداً عني، وكأنها لا تطيق رؤية الوجه الذي خانها. نظرتُ إلى القاضي وقلتُ بصوتٍ جليّ هزّ القاعة:

* «سيادة القاضي.. كل الأوراق التي بين يديك صحيحةٌ من حيث الشكل، ولكنها باطلةٌ ومصنوعة من الإثم من حيث المضمون. أنا أقفُ أمامك اليوم لا لأدافع عن نفسي، بل لأعترف بجريمتي. أنا ادعيتُ الفقر والديون، وبكيتُ دموع الكذب أمام زوجتي الأولى وأم أولادي، وابتززتها عاطفياً وإنسانياً حتى تنازلت لي عن شقا عمرها وذهب والدتها رحمها الله، ظناً منها أنها تنقذني من السجن. ثم أخذت هذا الحق المغصوب وأهديته لهذه المرأة كمنحةٍ وجائزة».

ساد صمتٌ رهيب في القاعة. استطردتُ والدموع تخنقني:

* «أنا نطقتُ بالتدليس، ومارستُ الغش، وأقدمتُ على سلب أموال زوجتي. وأطلب من عدالة المحكمة إبطال التنازل الأول ومحو كل ما ترتب عليه من عقود تالية، وتثبيت الملكية الكاملة لصالح فاطمة.. ومستعدٌ لأي عقوبة جنائية تقرونها عليّ».

صرخ محامي جيهان محاولاً التشكيك في قواي العقلية، ووقفت جيهان تصيح في القاعة بأنني متفقٌ مع زوجتي الأولى لإلغاء حقها الشرعي. لكن القاضي رفع الجلسة للقرار، وتأجلت القضية للحكم مع إحالة الأوراق للنيابة العامة للتحقيق في واقعة النصب .

خرجتُ من قاعة المحكمة، ووجدتُ فاطمة تقف عند الباب. كانت المرة الأولى التي تتلاقى فيها أعيننا منذ ليلة الطرد.

تقدمتُ نحوها بخطواتٍ مكسورة، وهويتُ على ركبتي أمامها وأمام الناس جميعاً، وأ مسكت بطرف ثوبها وقلتُ وأنا أبكي بصوتٍ مسموع:

* «سامحيني يا فاطمة.. سامحيني يا أم عيالي. الشقة ستعود لكِ، وحقكِ سيرجع، حتى لو قضيتُ باقي عمري خلف الأسوار. فقط قولي أنكِ سامحتِني».

نظرتْ إليّ فاطمة من الأعلى. لم تكن في عينيها نظرةُ تشفٍّ ولا انتصار، بل كانت هناك حسرةٌ عميقة وشفقة. رفعت ابننا الصغير عن الأرض، وقالت بصوتٍ هادئ كأنه الهمس:

* «الشقة التي بُنيت بالدموع لا تعوض سنين العمر التي ضاعت يا محمود. الحقُّ سيرجع للأولاد لأن هذا حقهم، أما القلوب إذا انكسرت.. فلا تقيمها عقود المحاكم ولا دموع الندم».

تركتني ملقىً على الأرض ورحلت مع الأولاد.

مرّ شهران على تلك الجلسة، كانت التحقيقات تجري على قدم وساق. جيهان أدركت أن موقفها القانوني بات يتربص به الخطر، فبدأت تخطط لردٍّ انتقامي أشد قسوة. لم تكتفِ بالدفاع عن الشقة، بل استغلت التوكيل العام الذي كنتُ قد حررته لها في أيام غفلتي لنقل بعض الحسابات التجارية، وقامت بسحب كل السيولة المالية المتوفرة في حساباتي البنكية الخاصة بالشركة، وتركت الحسابات مكشوفة للموردين، مما جعلني مهدداً بالفعل بسجنٍ حقيقي وفعلي بسبب چکات دون رصيد!

في أحد الأيام، جاءني اتصالٌ من مصنعي التجاري. كانت الشرطة هناك لقَبضِ عليّ بسبب شيكاتٍ مرجعة طلبت جيهان صرفها لحساب شركات وهمية تابعة لأقاربها.

وصلتُ إلى المحكمة في الجلسة المحددة للنطق بالحكم في قضية الشقة، وأنا مكبلُ الأيدي في حراسة الشرطة بسبب قضية الشيكات.

جلس القاضي على المنصة، وحضر الجميع. كانت جيهان تقف في المواجهة تبتسم ابتسامة النصر، معتقدةً أنها حتى لو خسرت الشقة، فقد دمرت حياتي المالية وجعلتني أستقرُّ في السجن لسنواتٍ طويلة.

اعتلى القاضي المنصة، ونشَر حكمه التاريخي:

«حكمت المحكمة بإبطال عقد التنازل الصادر من المدعية الأولى بطلاناً مطلقاً لثبوت وقوعها تحت التدليس والإكراه المعنوي، وما يترتب على ذلك من بطلان كافة التصرفات العقارية التالية، وإعادة قيد الشقة باسم المدعية الأولى “فاطمة”، مع إحالة المدعى عليه الأول “محمود” إلى النيابة العامة لاستكمال التحقيقات ».

صرخت جيهان من الغيظ، بينما هبطت دموع فاطمة الصامتة وهي تصمُّ طفليها إلى صدرها.

الشرطة بدأت في تحريكي لنقلي إلى حجز التخشيبة بسبب الشيكات. وفي الممر الخارجي للسطح القضائي، اعترضت جيهان طريقي وقالت بشماتة:

* «مبروك عليها الطوب والأحجار، لكن أنت ستعفن في  بقية حياتك بسبب الشيكات التي سحبتها.. لن تنفعك الخدامة ولا الأولاد!».

وقبل أن أرد عليها، تفرقت الزحمة وجاء صوتُ فاطمة وهي تتقدم بخطواتٍ ثابته، تحمل في يدها حقيبةً سوداء ثقيلة.

وقفت فاطمة أمام جيهان، ثم التفتت إلى ضابط الشرطة وقالت:

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى