
مراتي الأولى باعت دهب جهازها وسلسلة أمها الله يرحمها عشان تكمل معايا تمن شقة التمليك اللي دخلناها على الطوب. كانت تقعد في عز البرد تغسل الهدوم على إيدها عشان نوفر تمن الغسالة الأوتوماتيك، وعمرها ما اشتكت.. كانت تقول: «المهم نأمن مستقبل العيال وأشوفك واقف على رجلك».
لما وقفت على رجلي والفلوس جريت في إيدي، اتجوزت التانية.. واحدة عينها مليانة طمع وعايزة تاخد كل حاجة على الجاهز. من أول شهر، بدأت تسحب البساط: «أنا عروسة جديدة ومينفعش أسكن في إيجار، لازم تشتريلي بيت باسمي زي ما الأولى عندها بيتها».
بدل ما أشتري جديد، الشيطان وسوسلي بطريقة تانية.. قعدت أضغط على مراتي الأولى وأمثل إني واقع في أزمة مالية وممكن أتسجن لو مبيعتش الشقة وسددت ديوني، وطلبت منها تمضيلي على تنازل عن نصيبها عشان أعرف أتصرف. هي شافت دموع التماسيح في عيني، ومسألتش في ورقة ولا إثبات.. مضت وهي بتقولي: «فداك الشقة وفداك عمري كله، المهم متتأذيش، وأنا والعيال نقعد في أي حتة».
أول ما أخدت التنازل، روحت الشهر العقاري ونقلت ملكية الشقة كلها رسمي باسم مراتي التانية كـ «هدية جواز ومؤخر صداق».
التانية مكنش مكفيها إنها امتلكت الشقة، كانت عايزة تشوف الأولى مطرودة منها بالهدوم اللي عليها. خططت لليلة عيد الأضحى.. كل البيوت فرحانة، ومراتي الأولى مجهزة أكل العيد ومستنياني أدخل مع العيال نفرح.
دخلت أنا والتانية، بس التانية دخلت ومعاها اتنين عمال شايلين كراتين، وقفت في نص الصالة وحطت إيدها في وسطها وقالت للأولى ببرود: «يلا يا شاطرة، لمي كراكيبك وكرتونة هدومك وخدي عيالك وفي ستين داهية.. الشقة دي بتاعتي وباسمي بقالها أسبوع، وجوزك كتبهالي برضاه عشان ست العرايس متنزلش عن مستواها».
الأولى بصتلي بذهول، عينيها كانت بتدور في وشي على تكذيب للكلمة، صوتها كان بيتهدج: «الكلام ده صح؟ يعني ديونك والسجن كان تمثيلية عشان تاخد شقايا وتطردني أنا وعيالك في ليلة العيد؟».
التانية قربت مني، حطت إيدها على صدري ودلعت صوتها: «قولها الحقيقة يا روحي.. مش إنت اللي قلتلي بيتك الأولاني ده مجرد كابوس وعايز تنضفه؟ وريها عقد الشقة عشان تفهم إنها ملهاش مكان هنا خلاص».
الدم نشف في عروقي، بس جبروت التانية كان محاوطني، وبدال ما أنكسف من نفسي ومن الست اللي شالتني على كفوف الراحة، طلعت عقد الملكية الجديد رميته في وشها: «الشقة باسمها، وأنا مأجرلك أوضة وصالة في أطراف البلد، خدي عيالك ولمي هدومك دلوقتي ومن غير شوشرة وفضايح في العمارة».
عيالي الاتنين مسكوا في رجل أمهم وهما بيعيطوا بهستيريا، والولد الصغير باصصلي ومبرق: «يا بابا متطردناش في الشارع.. بكرة العيد!».
التانية مسكت شنطة هدوم الأولى بإيدها وحدفتها على السلم، وقالت بصوت واطي ومسموع وهي بتبتسم في وشها: «ده مقامك.. خدي شنطتك وعيالك وانزلي على السلالم، وافرحي بالعيد في الشارع.. عشان تعرفي إن الراجل لما بيحب بجد بيدي كل حاجة للست اللي تملى عينه، مش للخدامة اللي شالت الطوب».
قفلت الباب في وشهم بالمفتاح، ومراتي الأولى قعدت على بسطة السلم تضم عيالها وتصرخ من القهرة وهي بتسمع صوت ضحكتنا والمزيكا العالية اللي شغلتها التانية جوة الشقة اللي اتبنت بدم قلبها ودهب أمها.
جلسْتُ في أريكةِ الصالةِ المريحة، والمزيكا العاليةُ التي شَغَّلَتها زوجتي الثانية «جيهان» تَمْلَأُ أرجاءَ الشقة. كانتْ ترقصُ بخفةٍ وتضحكُ بانتصار، بينما صوتُ الطرقاتِ الخافتةِ والبكاءِ المكتومِ خلفَ البابِ المغلقِ يَتَلاشَى تدريجياً، حتى انقطعَ تماماً. سادَ الصمتُ في الممرّ الفاصلِ بين شقتي وبين السلم، وعرفتُ أن «فاطمة» أخذتْ الولدين ورحلتْ في ظلامِ ليلةِ عيدِ الأضحى.
في تلك الليلة، لم أستطعِ النوم. كانت جيهان غارقةً في نومٍ عميق، تُحيطُ بها أحلامُ التملكِ والسيطرة، أما أنا فكنتُ أتأملُ سقفَ الغرفة. هذا السقفُ بالذات، أتذكرُ اليومَ الذي وقفتُ فيه مع فاطمة، وكانتْ جدرانُ الشقةِ مجردَ قالبٍ من الطوبِ الأحمرِ العاري، والهواءُ الباردُ يلفحُ أجسادنا. أتذكرُ كيف ابتسمتْ يومها وقالت لي وهي تمسحُ غبارَ الإسمنتِ عن وجهي: «غداً سنفرشها بالحب يا محمود، المهم أن نكون معاً».
مرّتْ أيامُ العيدِ ثقيلةً كالجبال، رغم كل محاولاتِ جيهان لتصويرِ السعادة. كانت تتنقلُ بين الغرفِ كأنها ملكةٌ تُعاينُ ممتلكاتها الجديدة، تُغيّرُ قطعَ الأثاثِ التي اختارتها فاطمة بعناية، وتلقي بالباقي في القمامة. وكلما حاولتُ أن أفتحَ فمي لأعترض، كانت تبتسمُ تلك الابتسامةَ الساحرة، وتهمسُ في أذني: «أنت رجلٌ أعدتُ لك شبابَك، فلا تحزن على ماضٍ كان يُشبهُ الفقر».
بعد انقضاءِ إجازةِ العيد، بدأتُ أشعرُ بثقلِ الغياب. البيتُ الذي كان يمتلئُ برائحةِ كعكِ العيدِ وصوتِ ضحكاتِ الأبناءِ وتكبيراتِهم، أصبحَ بارداً وجافاً، لا يُسمعُ فيه سوى طلباتِ جيهان التي لا تنتهي: أموالٌ للملابس، أموالٌ للرحلات، وعقودٌ جديدةٌ لتسجيلِ سيارتي أيضاً باسمها كـ «ضمانٍ لمستقبلها».
في صباح اليوم الخامس بعد العيد، قررتُ أن أذهبَ سراً إلى الحيّ النائي على أطرافِ المدينة، حيثُ الشقةُ الصغيرةُ المكونةُ من غرفةٍ وصالة والتي استأجرتُها لـ «فاطمة» وأولادي. كنتُ أُممني نفسي بأني سأشاهدُهم من بعيد، أو ربما أتركُ لهم بعضَ المالِ والمؤن.
وصلتُ إلى البنايةِ المتهالكة. كانت جدرانُها مقشرة، والدرجُ يفوحُ برائحةِ الرطوبةِ والإهمال. صعدتُ خطواتي بثقل، وعندما وصلتُ إلى البابِ الخشبيّ المتآكل، سمعتُ صوتَ طفلي الصغير «أحمد» وهو يبكي ويقول: «يا أمي، لا أريدُ أن آكلَ الفولَ مجدداً، أين لحمُ العيد الذي وعدتنا به؟».
وجاءه صوتُ فاطمة، كان صوتاً هادئاً، لكنه يحملُ حشرجةً تَعتصرُ القلب: «اصبر يا حبيبي، العيدُ الحقيقي هو أننا معاً، وأننا لم نأكلْ حراماً، ولا ظلمنا أحداً. غداً سأبدأُ العمل، وسأشتري لك كل ما تتمنى».
وقفتُ خلفَ البابِ مسماراً في مكاني. كانت كلماتها كالرصاصاتِ التي تخرقُ صدري. لم تشتكِ، لم تلعنّي، ولم تسبّ جيهان؛ بل كانت تُربّي أبنائي على الرضا والصبر. أخرجتُ ظرفاً كبيراً أودعتُ فيه مبلغاً مالياً ضخماً، ودسستُه من تحتِ الباب، ثم قرعتُ البابَ قرعةً واحدةً وفررتُ هرباً قبل أن تراني.
لكن المهربَ لم يكنْ آمناً. حين عدتُ إلى الشقةِ الكبيرة، كانت جيهان تُفتشُ في أوراقي الخاصة. وجدتْ إيصالَ التحويلِ المالي وتفاصيلَ الشقةِ المستأجرة. ما إن دخلتُ حتى استقبلتني ببركانٍ من الغضبِ والسباب:
* «ما هذا؟ هل ما زلتَ تُنفقُ على تلك الخدامة وأولادها؟ ألم نتفقْ على أن تفرغَ حياتَك لي أنا فقط؟».
نظرتُ إليها، ولأولِ مرةٍ أرى وجهَها الحقيقي دون مساحيقِ التجميلِ والجمالِ المصنوع. رأيتُ الشغفَ بالمادة، والشرهَ للسيطرة. قلتُ لها بصوتٍ خافتٍ يحملُ قسوةَ الندم:
* «أولئك أبنائي يا جيهان، والست التي تتحدثين عنها هي من صنعتْ الثروةَ التي تنعمين بها الآن!».
ضحكتْ بصوتٍ عالٍ وساخر، ورفعتْ العقدَ المسجلَ للشقةِ في وجهي:
* «الثروةُ أصبحتْ ملكي، والشقةُ باسمي، وإن لم يعجبك هذا الوضع، فالشارعُ يَتسعُ لك كما اتسعَ لهم! لا تنسَ أنك كتبتَ لي كل شيءٍ بكاملِ إرادتك، ولا تملكُ هنا حجر واحد!».
سقطتْ الحقيقةُ على رأسي كالصخرة. لقد أدركتُ متأخراً أنني لم أكن بالنسبةِ لجيهان سوى صيدٍ ثمين، رجلٍ ثريّ اندفعَ خلفَ شهوتهِ ونزواته، فجرّدتهُ من كلِ ما يملك، صانعةً منه مجردَ ضيفٍ في بيتهِ الذي بناه بعرقِ سنينه.
بدأتُ ألاحظُ التغيرَ في معاملتها لي. لم تعدْ تتزين، لم تعدْ تُعدُّ الطعام، بل أصبحتْ تطالبني بالاستقالةِ من عملي لتسجيلِ الشركةِ أو المحلِ التجاري باسمها بحجةِ أنها تُديرُ الأموالَ بشكلٍ أفضل. وعندما رفضتُ، بدأتْ تُسمعني كلماتِ الإهانةِ والتقليلِ من شأني، وكانت تعمدُ إلى إغلاقِ أبوابِ الغرفِ في وجهي، وتتركني أنامُ على ذاتِ الأريكةِ التي جلستُ عليها ليلةَ طردِ فاطمة.
في أحدِ الأيام، عدتُ من العملِ مريضاً ومجهداً. كانت الحرارةُ تلتهمُ جسدي. طلبتُ من جيهان أن تُعدّ لي كوباً من الشاي الساخن أو تضعَ لي كماداتٍ من الماءِ البارد. نظرتْ إليّ ببرودٍ وقالت وهي ترتدي ثيابَ الخروج:
* «أنا ذاهبةٌ للسهرِ مع صديقاتي في النادي، هناك حبلٌ وماءٌ في المطبخ، يمكنك أن تفعلَ ذلك بنفسك.. أنا لستُ ممرضةً عندك!».
تركتني وإغلقتْ البابَ بالمفتاحِ من الخارج.
استلقيتُ على السرير، وكانت دموعي تسيلُ على وسادتي. أتذكرُ حين كنتُ أصابُ ببردٍ خفيف، كيف كانت فاطمة تسهرُ بجواري الليلةَ بطولها، تُدلكُ جسدي، وتدعو اللهَ في صلاتها أن يأخذَ من عافيتها ويُعطيني، لا تنامُ حتى تراني قد فتحتُ عيني وابتسمت.
قارنتُ بين اليدِ التي باعتْ ذهبَ أمها المتوفاةِ لتشتري لي مستقبلاً، وبين اليدِ التي سلبَتنِي مستقبلي لتشتري به مجوهراتٍ جديدة.
الندمُ أكلَ قلبي. أصبحتُ أرى صورةَ فاطمة في كلِ زاوية، وأسمعُ بكاءَ طفلي على السلمِ كلما أردتُ أن أغلقَ الباب. لم أعد أحتملُ البقاءَ في هذه التي تحولتْ إلى مظلم، تحكمه امرأةٌ لا تعرفُ الرحمة.



