
قررتُ أن أتحرك. ذهبتُ إلى محامٍ صديقٍ لي، وقصصتُ عليه ما حدث بالكامل. جلسَ الرجلُ يُصمصمُ شفتيه بأسف، ثم قال لي:
* «يا محمود، أنت ورّطتَ نفسك في شباكٍ محكمة. لقد تنازلتْ زوجتك الأولى لك، وأنت أهديتَ الشقةَ للثانية بعقدٍ رسميّ ومسجلٍ في الشهرِ العقاري. القانونُ لا يحمي المغفلين يا صديقي، والتراجعُ في الهديةِ أو عقدِ البيعِ يلزمه إثباتُ إكراهٍ أو تدليس، وهما أمرانِ صعبا الإثباتِ جداً بعد كلِ هذه المدة».
سألته بصوتٍ :
* «هل يعني هذا أن فاطمة وأولادي سيظلون في الشارع، وأنا سأظلُّ خادماً عند هذه المرأة؟».
رد المحامي:
* «هناك طريقةٌ واحدةٌ طويلةٌ ومعقدة، تتطلبُ أن تخوضَ حرباً قضائيةً ونفسية، وأن تعترفَ أمامَ المحكمةِ بأنك مارستَ التدليسَ والنصبَ على زوجتك الأولى، وهذا قد يعرضك للمساءلةِ القانونيةِ أو السجن، لكنه قد يُبطلُ التنازلَ الأساسي. هل أنت مستعدٌ للوقوفِ في القفصِ لتُعيدَ الحقَّ لأهله؟».
نظرتُ إلى النافذة، ورأيتُ الشارعَ المظلم. فكرتُ في فاطمة وهي تغسلُ الملابسَ بيديها في عزّ البرد، وفكرتُ في ابني وهو ينظرُ إليّ ويترجاني ألا أطرده في ليلة العيد.
رفعتُ رأسي وقلتُ للمحامي بصلابةٍ لم أعرفها في نفسي من قبل:
* «مستعدٌ أن أدخلَ السجن، ومستعدٌ أن أفلسَ تماماً، المهم أن تعودَ الشقةُ لفاطمة وعيالي، وأن أخلعَ هذا العارَ عن نفسي!».
بدأنا في إعدادِ الخطة. كان يجبُ عليّ أولاً أن أجمّعَ كلَ الأدلةِ والإثباتاتِ التي تُكدّسُ جريمتي. بدأتُ بتسجيلِ المحادثاتِ مع جيهان دون علمها، حيثُ كانت تعترفُ في كثيرٍ من اللحظاتِ بأنها أخذتْ الشقةَ حيلةً وأنها خَدعتني، وتتفاخرُ بأنه لا يمكنني استعادةُ حجرٍ واحد.
وفي الوقتِ نفسه، كنتُ أترددُ خفيةً على منطقةِ فاطمة. علمتُ أنها رفضتْ استخدامَ الأموالِ التي كنتُ أدسُّها من تحتِ الباب؛ بل جمعتها في صرةٍ ووضعتها عند بوابِ البنايةِ مع ورقةٍ مكتوبٍ فيها: «أموالُ الحرامِ لا تُربي أيتاماً وأبوهم على قيدِ الحياة».
كانت قد بدأتْ تُعدُّ وجباتٍ منزلية وتبيعُها لجاراتها لتُطعمَ أبنائي. صنعتْ من اللاشيءِ خطَ دفاعٍ كريم لحمايةِ كرامةِ أولادي.
في ليلةٍ شديدةِ البرودة، وقفتُ تحتَ نافذتها. رأيتُ ضوءاً خافتاً ينبعثُ من الغرفةِ الصغيرة. كانت تجلسُ مع الأولادِ تُراجعُ لهم دروسَهم، وابتسامتها العذبةُ تضيءُ وجهَها المجهد. كانت تبدو أقوى مني، وأشرفَ مني، وأعظمَ بكثيرٍ من هذا العالمِ الخائن.
عدتُ إلى بيتِ جيهان وأنا أحملُ قراراً لا رجعةَ فيه. فتحتُ الباب، وكانت تجلسُ تُطلي أظافرها، فنظرتْ إليّ بزدراء وقالت:
* «تأخرتَ كالعادة، أين البضائعُ التي طلبتها منك؟».
تقدمتُ نحوها، وسحبتُ منها زجاجةَ الطلاء، وألقيتها على الأرضِ لتنكسرَ وتتلطخَ السجادةُ الثمينة. صرختْ في وجهي:
* «هل جننتَ يا رجل؟ كيف تجرؤ؟».
نظرتُ في عينيها بثباتٍ وقسوة، وقلتُ بصوتٍ هزَّ أركانَ الصالة:
* «اللعبةُ انتهت يا جيهان. غداً صباحاً، ستصلكِ دعوى قضائية لإبطالِ عقدِ البيعِ والتنازل. سأعترفُ أمامَ القاضي وأمامَ الدنيا كلها أنني رجلٌ خائنٌ ونصاب، استغللتُ طيبةَ زوجتي الشريفة وأمنحكِ جوائزك. سأدخلُ السجن، لكن هذه الشقة ستعودُ لأصحابها الأصليين، وأنتِ ستخرجين منها كما دخلتِ.. بحقيبةِ ملابسكِ فقط!».
شحبَ وجهُ جيهان، وتراجعتْ إلى الخلفِ وهي تنظرُ إليّ بذهول، أدركتْ لأولِ مرةٍ أن الذئبَ الذي استأسدتْ عليه قد استيقظَ من غفلته، وأن الحربَ التي ظنتْ أنها حسمتها ليلةَ العيد، قد بدأتْ للتو.



