
ساد الصمت في مكتب وكيل النيابة كأن على رؤوسنا الطير. الأنفاس اتكتمت، وأمي رفعت رأسها بالعافية والدموع مجمدة في عينيها، وحسام أخته سمر اتسمروا مكانهم، وصالح خطى خطوة للأمام وعينيه هتطلع من مكانها من شدة الذهول.
-
حكايات رشا خالد 3منذ 6 ساعات
-
حكايات رشا خالد 2منذ 6 ساعات
-
حكايات رشا خالد 1منذ 6 ساعات
-
حكايات زهره الربيع 2منذ 7 ساعات
وكيل النيابة بص في الورقة اللي في إيده ونطق الاسم بصوت زي الرعد: “التحويل البنكي رايح باسم… الأستاذة سمر وزوجها طارق، والفلوس أتحولت لحساب أختها الثالثة اللي عايشة في دبي!”
“دبي؟!” الصرخة طلعت مني ومن صالح في نفس اللحظة.
أنا اتلفت بصدمة لسمر اللي وشها اصفر وبقت تترعش زي الورقة الشجر في مهب الريح. سمر كانت ديماً مبينة إنها غلبانة ومكسورة الجناح وإن جوزها طارق مديون والغربة طحناه، وأختنا الكبيرة نجلاء اللي تجوزت وسافرت الإمارات من سنتين كانت ديماً برة الصورة ومحدش بيجيب سيرتها في المشاكل!
صالح اندفع خطوة ناحية سمر وطارق وهو بيصرخ وبصوته هز جدران المكتب: “يا خفايا يا كفرة! بقى نجلاء اللي برة هي اللي بتمشي التشكيل العصابي ده كله؟! بقى شقايا وعرقي بيروح يتحول في حسابات برة مصر وأنا مراتي فاكرينكم غلابة وبتحاولوا تسدوا ديونكم؟!”
طارق وقع على ركبتيه في الأرض وهو بيترجى وكيل النيابة: “يا باشا والله نجلاء هي اللي قالتنا! هي اللي قالت لو انباع الدهب هنا في مصر الصاغة هتكشفه والمباحث هتوصل للسبائك المرقومة، وقالت ابعتولي المبالغ الكبيرة عن طريق شركات الصرافة بسعر السوق السوداء وهي هتشيلهم هناك ولما الموضة تهدا ونعمل محضر السرقة هتقسم معانا!”
أمي صرخت صرخة طلعت من قاع قلبها المكسور، ولطمت على وشها بإيديها الاثنين وهي بتبص لسمر وطارق: “يا مري! يا خسارة تربيتي فيكم! بقى اتفقتوا مع أختكم برة عشان تسرقوا أختكم الصغيرة وشقا جوزها؟! وأنا اللي كنت فاكرة إنكم محتاجين وبتاكلوا لقمة ناشفة؟! يا لهوي يا فضيحتي قدام ربنا والناس!”
حسام أخويا بص لسمر بغل وحقد واندفع يضربها بالكلبش اللي في إيده: “يا واطية! بقى أنتِ وطارق بتلعبوا من ورايا ومحولين الفلوس لنجلاء وأنا اللي لبست المحضر وشايل الليلة قدام المباحث والنيابة?!”
المكتب تحول لساحة حرب. العساكر اتدخلوا بسرعة وزقوا حسام بعيد عن سمر، ووكيل النيابة خبط بيده بقوة على المكتب وصوته زلزل المكان: “بس أنت وهو! فاكرين نفسكم فين؟! العسكري! خدهم كلهم على الحجز فوراً!”
وقف وكيل النيابة ووجه كلامه للمحامي بتاعه: “كده الجريمة اتسعت وتطورت لتشكيل عصابي وتبييض أموال وتهريب أموال للخارج بخلاف خيانة الأمانة والسرقة. هينصدر أمر بطلب نجلاء عن طريق الإنتربول الدولي، وحبس المتهمين حسام وسمر وطارق 15 يوماً على ذمة التحقيق، وأمر بضبط وإحضار جميع المستندات المالية.”
بص وكيل النيابة لأمي وقال بنبرة فيها شفقة ممزوجة بالحزم: “وبالنسبة للأم.. نظراً لكبر سنها وحالتها الصحية، يُفرج عنها بكفالة مالية قدرها خمسون ألف جنيه على ذمة التحقيقات، مع منعها من السفر.”
صالح كان واقف زي المذهول، كلام وكيل النيابة عن الإنتربول والفلوس اللي راحت دبي نزل عليه زي الجبل. الفلوس مش بس اتسرقت، الفلوس اتفتت وطارت برة مصر، وحلم المشروع والأرض والأمان اللي اغترب عشانهم أربع سنين بقى كأنه سراب بيتبخر قدام عينيه.
المتهمين اتسحبوا للخارج والعساكر ماسكينهم. سمر كانت بتبكي وتصرخ باسم أمي، وحسام كان بيشتم في طارق ونجلاء، وأمي كانت قاعدة على الأرض مش قادرة تقوم، عينيها زايغة ودموعها نازلة من غير صوت.
أنا وقفت في نص الأوضة، حاسة بوجع هز كياني. وبصيت لأمي، وعلى الرغم من كل اللي عملته، كأن في غريزة جواه زقتني ناحيتها. قربت منها، ووطيت على الأرض، ومسكت إيدها الباردة عشان أقومها.
أمي بصتلي بعيون مليانة خزي، وإيدها كانت بترتعش في إيدي وقالت بصوت مكسور: “أمل.. يا بنتي.. أنا أسفة.. أنا كنت عمياء.. اتضحك عليا من ولادي اللي بطني شالتهم.. دمرت بيتك يا بنتي بإيدي.”
قبل ما أرد عليها، صالح قرب منا بخطوات ثقيلة. كان وشه أصفر ونظراته بقت عبارة عن كتلة من الصخر والجمود. بص لأمي وهي على الأرض، وبعدين بصلي.
“مبروك يا أمل..” قالها بصوت هادي ومسموم، يقطع القلب أكتر من الزعيق: “مبروك الكفالة لأمك.. ومبروك الخيانة اللي ظهرت في عيلتك كلها من الكبير للصغير.. أدي أهلك اللي ضيعتي بيتك عشانهم.. أدي العيلة اللي وثقتي فيها وأمنتيها على شقايا.”
قمت وقفت قدامه، وبصيت في عينيه وقلت بنبرة ثابتة رغم الكسرة اللي جوايا: “أنا مدافعتش عنهم يا صالح.. ولا كنت أعرف باللي عملوه.. أنا مصدومة فيهم أكتر منك! أختي وأخويا وأمي طعنوني في شرفي وبيتي.. بس أنت كمان طعنتني لما رميتني وبعتني وأخدت بناتي مني في لحظة أنا كنت محتاجة إيدك تسندني فيها!”
صالح قرب وشه مني وقال بصوت واطي بس حاد زي السكين: “أنا مابيعتش يا أمل.. أنا اتجرحت في كرامتي وفي شرفي وفي شقا عمري! والست اللي تسمح لأهلها يوصلوا جوزها للجلطة وتفرج عليه القسم والنيابة، ميبقاش ليها مكان في حياتي. الفلوس والسبائك اللي هترجع من الإنتربول أو من الصاغة هتاخدي نصيبك منها بالقانون زي ما طلبتي قدام وكيل النيابة.. أما بناتي، فدول خط أحمر، مش هيتربوا في جو الخيانة ده!”
لف صالح وشه ومشي بسرعة من غير ما يدي فرصة لأي كلام، ومحاميه مشي وراه.
وقفت أنا وأمي في ممر النيابة الفاضي. أمي ساندة عليا وبتعيط بقلة حيلة، وأنا حاسة إني شايلة جبلين على كتفي: جبل أهلي اللي دخلوا السجن وانفضحت خيانتهم قدام الدنيا، وجبل جوزي اللي اتطلق مني وأخد بناتي وراحه بلدهم ورفض يسامحني.
دفعت كفالة أمي من المبلغ الصغير اللي كان باقي معايا في البنك من قطري، وأخدتها ورجعنا الشقة. البيت كان مظلم وبارد كأنه بيت مهجور. أمي دخلت الأوضة ونامت على السرير زي الجثة، مابتتكلمش ولا بتاكل، وعينيها متثبتة في السقف.
أنا قعدت في الصالة، وبصيت على اللعب بتاعة البنات المرمية في الزاوية.. عروسة نور الصغيرة، وفردة جزمة فريدة. مسكتهم وحضنتهم لصدري وبكيت بكاء طالع من حشاشة قلبي.
مرت ثلاثة أيام وأنا محبوسة في البيت بين دموعي وصمت أمي القاتل. وفي اليوم الرابع، تليفوني رن.. كان رقم غريب من الشرقية.
رديت بسرعة وقلبي بيدق: “أيوة؟”
صوت ست كبيرة جه عبر الخط، وكان صوت حاد وصارم.. صوت حماتي، أم صالح!
“أيوة يا أمل..” قالت حماتي بجفاء وجمود: “أنا بكلمك عشان أقولك كلمتين مفيش غيرهم.. صالح ابننا جاب البنات هنا وهو راقد في السرير مش بيتحرك من زعل قلبه، والأطباء قالوا عنده بداية شلل نصفي من الصدمة والجلطة القديمة!”
قلبي اتخلع من مكانه وصرخت: “شلل؟! صالح جراله إيه يا حجة؟! قوليلي أرجوكي!”
حماتي كملت بصرامة خالية من أي رحمة: “ابني بيموت بسببك وبسبب أهلك الحرامية! وهو حلف دين يمين ما تخشي البلد ولا تشوفيه ولا تشوف البنات تاني طول ما هو حي! وأنا بكلمك عشان أقولك.. لو لسه في قلبك نقطة دين أو أصل، ابعدي عن طريق ابننا وسيبيه يموت في هدوء من غير ما تكملي عليه أنتِ وأهلك!”
قفلت الخط في وشي قبل ما أرد.
أنا وقفت في نص الصالة، والتليفون اتزحلق من إيدي ووقع على الأرض. صالح جاله شلل؟! صالح الجبل اللي كان شايلني وشايل بناته يقع بالطريقة دي؟! وبناتي محبوسين هناك في البلد ومش قادرة أوصلهم ولا أضمهم؟!
في اللحظة دي، حسيت إن الصدمات أكلت كل الخوف اللي جوايا. مابقاش عندي حاجة أخسرها. أهلي في السجن، جوزي مريض ومشلول في بلده وبناتي محروقين من بعدي، وأنا مسجونة في وجعي!
مسحت دموعي بإيدي بقوة، وبصيت في المراية.. شفت وش واحدة ثانية. مابقتش أمل الضعيفة المخدوعة اللي بتستسلم وتعيط.

